وَكَم عَلَّمْتُهُ نَظْمَ القوافي … فَلَمَّا قَال قَافِيَةً هَجَانِي
أقول: قائله هو معن بن أوس المزني (^١١) شاعر جاهلي مقل، قاله في ابن أخت له، وهو من
_________________
(١) ينظر صحيح البخاري بشرح فتح الباري لابن حجر، دار المعارف بيروت (٧/ ١٤٩)، وصحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ١٣) ط أولى، المطبعة المصرية بالأزهر (١٩٣٠ م).
(٢) أمية بن أبي الصلت الثقفي الشاعر المشهور (ت ٩ هـ) بالطائف، مسلم (١٥/ ١٢)، ولم توجد هذه الرواية في البخاري: كتاب مناقب الأنصار (٧/ ١٤٩).
(٣) محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي، من أئمة الحديث وحفاظه (ت ٢٧٩ هـ). الأعلام (٦/ ٣٢٢)، وينظر الحديث في تصحيحه (٩/ ٢٩١) ط. دار الكتب العلمية بيروت.
(٤) صحيح مسلم (١٥/ ١٣).
(٥) التي في مسلم: أصدق بيت قاله الشاعر (١٥/ ١٣) كما هي الرواية التالية.
(٦) شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٦) تحقيق: عبد الرحمن السيد ومحمد بدوي المختون، ط. هجر، أولى (١٩٩٠ م).
(٧) شرح التسهيل لابن مالك (١/ ١٣٩)، وفيه: "وخوفي أخوف من خوفك".
(٨) ما بين المعقوفين زيادة في (أ).
(٩) ابن الناظم (٤) ط. دار السّرور.
(١٠) البيت من بحر الوافر لمعن بن أوس المزني وهو في البيان والتبيين للجاحظ (٣/ ٢٣١، ٢٣٢) تحقيق: هارون، دار الجيل بيروت.
(١١) معن بن أوس بن نصر بن زياد المزني، شاعر فحل، من مخضرمي الجاهلية والإسلام، له مدائح في جماعة من الصحابة، وكان معاوية يفضله ويقول: أشعر أهل الجاهلية زهير بن أبي سلمى، وأشعر أهل الإسلام ابنه كعب ومعن بن أوس، وهو صاحب لامية العجم التي أولها: لعمرك ما أدري وإني لأوجل … على أينا تعدو المنية أول =
[ ١ / ١٢٣ ]
قصيدة نونية، وقال الجاحظ (^١): أولها قوله (^٢):
١ - فلا وَأبِي حبيبةَ ما نفاه … من أرْضِ بَني رَبيعَةَ من هوانِ
٢ - وكان هو الغَنيَّ إلى غِنَاهُ … وكانَ من العَشِيرَةِ في مَكَانِ
٣ - تَكَنَّفَهُ الوُشَاة فَأَزْعَجُوهُ … ودسوا من قضاعة غيرَ وَانِ
٤ - فَلَولا أَن أُمَّ أَبيهِ أُمّي … وَأَن مَن قَد هَجاهُ فَقَد هَجاني
٥ - إِذًا لأصابَهُ مِني هِجاءٌ … يُمِرُّ بِهِ الرَويُّ عَلى لِساني
٦ - أَعَلِّمُهُ الرِمايَةَ كُل يَومٍ … فَلَمّا استدَّ ساعِدُهُ رَماني
٧ - وكم علمته … إلخ
وقال ابن دريد (^٣): هي لمالك بن فهم الأزدي (^٤) وكان ابنه سَلِيمَة رماه بِسَهْم فقتله، ووزن سليمة على وزن صحيفة، ومالك هذا ابن فهم بن غنم تنخت عليه تنوخ ونزلوا الحيرة وتحالفوا هناك، فاجتمعت اليهم قبائل من العرب فوثب سليمة على أبيه فقتله فقال أبوه الأبيات المذكورة فتفرقت بنو مالك ولحقوا بعمان، وهي من الوافر، وهو أول الدائرة المسماة بالمؤتلف (^٥)، وهي تشتمل على بحرين؛ هما الوافر والكامل، وأصل الوافر في الدائرة مُفَاعَلَتُن (^٦) ست مرات (^٧).
والبيت المذكور قد دخله العصب بالمهملتين وهو: تسكين الخامس المتحرك ويبقى (^٨)
_________________
(١) = مات في المدينة سنة (٦٤ هـ). انظر الأعلام (٧/ ٢٧٣).
(٢) عمرو بن بحر بن محبوب الكناني، كبير أئمة الأدب. صنف الحيوان، والبيان والتبيين، وغيرهما، توفي سنة (٢٥٥ هـ). الأعلام (٥/ ٧٤).
(٣) الأبيات في كتاب البيان والتبيين (٣/ ٢٣١، ٢٣٢) تحقيق هارون، دار الجيل بيروت.
(٤) محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، من أئمة اللغة والأدب، له كتاب الجمهرة في اللغة (ت ٣٢١ هـ). الأعلام (٦/ ٨٠).
(٥) مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن مالك بن الأزد، شاعر، أول من مُلك على العرب بأرض الحيرة، أصله من قحطان عاش ما بين: (٤٨٠ ق. هـ ١٥٧ / م).
(٦) سميت بذلك؛ لأن بحريها مركبان من أجزاء سباعية مكررة، فاجزاؤها متماثلة، ولائتلاف أجزئها. ينظر الوافي في الروض والقوافي للتبريزي (٩٤).
(٧) في (ب): "مفاعيل" وأثبت الصحيح في ذلك. ينظر مختصر في العروض لابن جني (١١٠) تحقيق د / إمام حسن الجبوري ط ثانية (١٩٨٧ م).
(٨) ينظر الكافي في العروض والقوافي للتبريزي (٥١) وما بعدها.
(٩) في (أ): فيبقى.
[ ١ / ١٢٤ ]
مفاعلتن بسكون اللام فينقل إلى مفاعيلن (^١)، ودخله القطف أيضًا- بالقاف في أوله، وهو الحذف بعد العصب حتى يصير: مفاعل فيرد إلى فعولن (^٢) فتقول: (وكم علم) مفاعيلن معصوب (ته نظمل) مفاعيلن معصوب، (قوافي) فعولن مقطوف، (فلما قا) مفاعيلن معصوب (ل قافية) مفاعلتن سالم، (هجاني) فعولن مقطوف.
قوله: "فلما استد" بالسين المهملة من قولهم: سدد الرامي رميته، وأنشده الجوهري في فصْل سدد شاهدًا على ما ذكر (^٣)؟ وكذا أنشده الزمخشري في أساس البلاغة، يُقال: استد ساعده وتسدد على الرمي: استقام، وسدد السهم نحوه وتسدد السهم نفسه (^٤)، وقال ابن دريد في كتاب الاشتقاق: يروى بالشين المعجمة من الاشتداد وهو القوة، وهذا يرد قول من يدّعي من المتأخرين أن من رواه بالمعجمة فقد صحف.
قوله: "علمته" الضمير فيه يرجع إلى المذكور في الأبيات السابقة وهو ابن أخت الشاعر. قوله: "القوافي "جمع قافية وهي اللفظ الأخير من البيت الذي يكمل البيت هذا عن الأخفش (^٥)، وقال قطرب (^٦): القافية هي الروي (^٧)، وهو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة، وقال ابن كيسان (^٨): هي ما لزم إعادته في آخر الأبيات من الحروف والحركات، وقال الخليل (^٩): هي ما تحرك (^١٠) من آخر البيت مع الساكنين التاليين له أحدهما ملاصق للمتحرك الأخير (^١١) وقد يسمى النصف الأخير من البيت قافية تجوزًا، وأراد بها الشاعر القصيدة على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
٧ - قوله: "هجاني" من الهجو وهو خلاف المدح في اللغة، تقول: هجوته هجوًا وهجاء وتهجاء، وفي الاصطلاح: الهجو إظهار ما في الشخص من المعايب والمثالب والحط عليه بما ليس
_________________
(١) ينظر الكافي في العروض والقوافي للتبريزي (٥٣).
(٢) السابق (٥١).
(٣) ينظر الصحاح، مادة: "سدد".
(٤) أساس البلاغة، مادة: "سدد" وفيه: "بنفسه" بدلًا من "نفسه".
(٥) ينظر الوافي في العروض والقوافي للتبريزي (١٩٩).
(٦) محمد بن المستنير بن أحمد، نحوي عالم الأدب واللغة (ت ٢٠٦ هـ). الأعلام (٧/ ٩٥).
(٧) ينظر الوافي في العروض والقوافي للتبريزي (١٩٩).
(٨) محمد بن أحمد بن إبراهيم عالم العربية نحوًا ولغة (ت ٢٩٩ هـ). الأعلام (٥/ ٣٠٨).
(٩) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العروض، وأستاذ سيبويه (ت ١٧٠ هـ) الأعلام (٢/ ٣١٤).
(١٠) في (أ): (هي من محرك آخر البيت).
(١١) في الوافي في العروض والقوافي ما نصه: "فقال الخليل: هي من آخر البيت الي أول ساكن يليه مع المتحرك الذي قبل الساكن" (١٩٩).
[ ١ / ١٢٥ ]
فيه من النقائص وهذان البيتان مثل يضرب لمن يسيء إليك وقد أحسنت إليه، وأنشد الميداني (^١) في أمثاله (^٢):
فيا عَجَبًا لمن ربّيتُ طفْلًا … ألقِّمُهُ بأطرافي البَنَانِ
أعلمهُ الرمايِةَ كل يومٍ … فلما استدّ ساعدُه رَمَاني
أعلِّمهُ الروايةَ كل وقتٍ … فلما قال قافيةً هَجَاني (^٣)
أعلِّمهُ الفُتُوّة كلَّ يومٍ … فلمّا طرَّ شاربُه جَفَاني (^٤)
الإعراب:
قوله: "وكم علمته" الواو للعطف على ما قبله، وكم خبرية، والمميز محذوف تقديره: وكم تعليم علمته، أو كم مرةٍ علمته، ولا خلاف في حذف المميز جوازًا (^٥)، فإن قلت: ما محل "كم"؟ قلت: إن قدرته تعليمًا فكم مفعول مطلق، وإن قدرته وقتًا فهي ظرف.
قوله: "نظم القوافي "كلام إضافي، مفعول ثان لعلمته؛ لأن علم منقول بالتضعيف عن عَلِم بمعنى عَرَف، وفَعَّل يتعدى بالتضعيف إلى اثنين دون التاء؛ كعلَّمتُه الخير وجنَّبته الشر، وبالتاء إلى واحد كتعلَّم الخير وتجنب الشر.
قوله: "فلما" بمعنى حين، وجوابه قوله: "هجاني و"قافية" نصب على أنه مَفْعُول قال، فإن قلت: القول يستدعي أن يكون مقوله جملة، وليس كذلك ها هنا، قلت: إذا كان القول بمعنى الحكاية يقع مقوله مفردًا؛ كما في قولك: قلت شعرًا بمعنى حكيته (^٦).
_________________
(١) أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري، صاحب مجمع الأمثال، ونزهة الطرف في علم الصرف (ت ٥١٨ هـ). الأعلام (١/ ٢١٤).
(٢) مجمع الأمثال للميداني (٣/ ١٣٠)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط الحلبي.
(٣) روايته في مجمع الأمثال: وكم علمته نظم القوافي … فلما قال قافية هجاني
(٤) روايته في مجمع الأمثال: (أعلمه الفتوة كل وقت).
(٥) قال ابن هشام: "وإذا وقع بعد كم اسم معرفة رفعته وأضمرت التمييز. فقلت: كم مالك؟ وكم طعامك؟ وكم غلمانك؟ فكم اسم استفهام مرفوع بالابتداء، والأسماء المرفوعة بعدها الخبر، كأنك قلت: كم درهما مالك؟ وكم غلامًا غلمانك؟ فـ (درهمًا وغلامًا) نصبت على التمييز، وأضمرتها بعد كم لدلالة ما بعدها عليهما". شرح جمل الزجاجي لابن هشام، تحقيق: علي محسن عيسى مال الله (٨/ ٢) ط. عالم الكتب، أولى (١٩٨٥ م).
(٦) في تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد للدماميني: "يحكى بالقول الجمل نحو: قالوا معنا، ونحو: يقولون ربنا آمنا، وينصب به المفرد المؤدي معناها أي معنى الجمل؛ كالحديث والقصة والشعر والخطبة والكلام، ويعتبر ذلك بأن تجعل مكان ذلك المفرد جملة ثم تحمل عليها ذلك المفرد تقول: قلت كلامًا حقًّا؛ كما ينصب به المفرد المراد به مجرد =
[ ١ / ١٢٦ ]
واعلم أن القول يتعدى بخمسة أحرف: بالباء نحو: قال به بمعنى: حكم به، وباللام نحو: قال له: خاطبه، وبعن نحو: قال عنه، أي روى عنه، وبفي نحو: قال فيه، أي اجتهد فيه، ويستعمل مجردًا بمعنى: افترى، فإن قلتَ: ما الفاء في قوله: فلما قال: قلت: للتعقيب مع مراعاة معنى السببية على ما لا يخفى.
الاستشهاد فيه:
في كونه أطلق القافية التي هي جزء القصيدة على القصيدة، من باب إطلاق اسم الجزء على الكل، أو تسمية الشيء باسم بعض؛ لأن حقيقة القافية ما ذكرناها.