١٧ / ظقه إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا … قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا
أقول: قائله هو أبو النجم، قاله الجوهري (^٥)، ويقال: هو رؤبة بن العجاج وليس في ديوانه، وأنشد الجوهري (^٦):
١ - وَاهًا لِرَيَّا ثُمَّ وَاهًا وَاهًا … هِيَ الْمُنَى لَوْ أَنّنَا نِلْنَاهَا
٢ - يَا لَيتَ عَينَاهَا لَنَا وَفَاهَا … بِثَمَنِ نرضي بِهِ أَبَاهَا
٣ - إِن أَباها وَأَبا أَباها … قد بلغا في المجد غايتاها
وأنشد أبو زيد في نوادره (^٧) عن المفضل الضبي (^٨) قال: أنشدني أبو الغول لبعض أهل اليمن:
_________________
(١) = فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: ٣٧، … إلى آخره). ارتشاف الضرب (٢/ ٦٣٦)، والمغني (١/ ١٦٤).
(٢) لسان العرب، مادة: "أبو".
(٣) ينظر شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٤٦)، وابن يعيش (١/ ٥٢)، توضيح المقاصد (١/ ٧٣، ٧٤).
(٤) ابن الناظم (١٢)، وتوضيح المقاصد (١/ ٧٥)، وأوضح المسالك (١/ ٣٣)، وشرح ابن عقيل (١/ ٥١) ط. دار الفكر.
(٥) البيت من بحر الرجز، نسب لأبي النجم العجلي، وهي في ديوانه على الموسوعة الشعرية (CD) نشر دولة الإمارات العربية المتحدة، ولرؤبة بن العجاج وليس في ديوانه "مجموع أشعار العرب"، وهي مذكورة في ديوانه على الموسوعة الشعرية، نشر دولة الإمارات العربية، المتحدة، وانظره في الصحاح مادة: "ووه"، وشرح شواهد المغني للسيوطي (١٢٨)، وانظره في الخزانة: الشاهد (٢٦)، (٥٨).
(٦) الصحاح مادة "ووه".
(٧) الصحاح مادة "ووه" وينظر شرح شواهد المغني (١٢٨).
(٨) انظر النوادر في اللغة لأبي زيد الأنصاري (٢٤٩، ٤٥٧).
(٩) المفضل بن محمد بن يعلى بن عامر الضبي، أبو العباس: راوية، علامة بالشعر والأدب وأيام العرب، انظر الأعلام للزركلي (٧/ ٢٨٠).
[ ١ / ١٩٠ ]
١ - أَيُّ قَلُوص رَاكِبٍ تَرَاهَا … شالوا عَلَيهِنَّ فَشُلْ عَلاهَا (^١)
٢ - واشْدُدْ بِمَثْنَي حَقَبٍ حَقْوَاها … نَاجِيَة وَنَاجِيًا أَبَاهَا
٣ - إن أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها (^٢)
وهي من الرجز، وفيه الخبن والقطع، والخبن هو حذف الثاني الساكن، والقطع: حذف ساكن السبب ثم إسكان متحركه في الوتد (^٣).
١ - قوله: "واهًا" كلمة يقولها المتعجب، قال الجوهري: إذا تَعَجَبتَ مِنْ طِيبِ الشَّيءِ قلتَ: وَاهًا له ما أَطْيَبَهُ (^٤)، وكذلك في التفجع وواه أيضًا، قوله: "لريا"، ويروى لليلى، وكلاهما اسم المحبوبة، وريا في الأصل مؤنث الريان الذي هو ضد العطشان، تقول؛ رجل ريان وامرأة ريا، وأصله من رويَ يَرْوَى من باب علم يعلم، ريا أصله: رويا قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء.
فإن قلت: لم لا تقلب الياء في ريا واوًا؛ لأنهم يقلبون الياء واوًا في فعلى كما في: التقوى والثروى؟
قلت: إنما يفعلون ذلك في فعلى إذا كانت اسمًا كما في المثال المذكور، وإذا كانت صفة تركوها على أصلها، وقالوا: امرأة خزيا وريا، ولو كانت اسمًا. لقالوا: رَوَّى؛ لأنك كنت تبدل الألف واوًا موضع اللام، وتترك الواو التي هي عين الفعل على الأصل، والشاعر أخرجه على الصفة فلذلك قال: ريا، فافهم (^٥).
٣ - قوله: "إن أباها"، أي إن أبا ريا المذكورة وَجَدَّها قد بلغا في المجد، وهو الكرم، ومنه المجيد وهو الكريم. يقال: مجد الرجل بضم الجيم فهو مجيد وماجد، قال ابن السكيت (^٦): الشرف والمجد يكونان بالآباء، يقال رجل شريف ماجد إذا كان له آباء متقدمون في الشرف، قال: والحسب والكرم يكونان في الرجل نفسه، وإن لم يكن له آباء لهم شرف (^٧)، وهذا التفسير على ما ذكره الجوهري من أن قبل البيت: واهًا لريا ثم واهًا واهًا.
_________________
(١) في الصحاح هي لغة بلحارث بن كعب. مادة: "علا".
(٢) ينظر شواهد المغني (١٢٨).
(٣) ينظر العروض الواضح (٥٢).
(٤) الصحاح، مادة: "ووه".
(٥) ينظر الممتع في التصريف لابن عصفور (٢/ ٥٤٢) وما بعدها.
(٦) ابن السكيت يعقوب بن إسحاق، أبو يوسف، ابن السكيت: إمام في اللغة والأدب، أصله من خوزستان (بين البصرة وفارس) تعلم ببغداد. من كتبه: "إصلاح المنطق" عاش وتوفي ما بين (١٨٦ - ٢٤٤ هـ = ٨٠٢ - ٨٥٨ م). انظر الأعلام (٨/ ١٩٥)
(٧) الصحاح، مادة: "حسب"، ينظر شرح شواهد المغني (١٢٩).
[ ١ / ١٩١ ]
وأما على قول من قال: إنه في مدح قلوص كما ذكرنا يكون الضمير في قوله: "إن أباها" للقلوص أي: إن أبا القلوص المذكورة وأبا أباها قد بلغا في المجد؛ أي في شرف الأصالة غايتاها.
١ - [قوله: "فشل علاها" أي عليها، قال سيبويه ﵀ ألف "علا" منقلبة من الواو؛ لأنها تقلب مع الضمير ياء، تقول: عليك، وبعض العرب يتركها على حالها (^١)، قال الراجز: أي قلوص راكب إلى قوله: "شالوا علاها" ويقال: هي لغة بلحارث بن كعب (^٢) ويقال: طاروا علاهن فطر علاها ومعناهما واحد. يقال: شال يشول إذا ارتفع الأمر، شل بالضم، ويعدى بالهمزة وبالباء فيقال: أشلته وشلتُ به (^٣)، والمفعول محذوف تقديره: شالوا علاهن بأرجلهم فشل علاها برجلك.
والمعنى: أن الركبان قد رفعوا أرجلهم على قلائصهم، فارفع أنت أيضًا رجليك على قلوصك، و"الحقب" بالتحريك؛ حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير مما يلي ذيله كي لا يجتذ به التصدير.
٢ - قوله: "حقواها" أي: حقويها وهو تثنية حقو، وهو الخاصرة، ومشد الإزار، قوله: "ناجية" بالنون والجيم، قال الجوهري: والناجية والنجاة: الناقة السريعة تنجو بمن يركبها، والبعير ناج. قال الشاعر:
… ناجية وناجيا أباها (^٤)
فإن قلت: (ناجية) منصوب بماذا؟
قلت: بمحذوف تقديره: أمدح ناجية، و"أباها" فاعل ناج، وجاء على لغة القصر، أو هو مبني على لغة النقص (^٥)، وحذفت النون للإضافة] (^٦).
_________________
(١) قال سيبويه: "هذا باب ما يتغير في الإضافة إلي الاسم إذا جعلته اسم رجل أو امرأة .. وأما ما يتغير فلدى وإلى وعلى إذا صرن أسماء لرجال أو لنساء: قلت هذا لداك وعلاك وهذا إلاك، وإنما قالوا لديك وعليك وإليك في غير التسمية ليفرقوا بينها وبين الأسماء المتمكنة … وحدثنا الخليل أن ناسًا من العرب يقولون: علاك ولداك وإلاك". الكتاب (٣/ ٤١٢، ٤١٣)، وهذا هو الذي في الكتاب، وأما النص الذي ذكره العيني فلم نجده.
(٢) ابن يعيش (١/ ٥٣).
(٣) الصحاح، مادة: "شول".
(٤) الصحاح، مادة: "ووه".
(٥) والنقص يعني حذف الألف والواو والياء، والأعراب بالحركات الظاهرة على الباء والخاء والميم من أب وأخ وحم وهذا قليل. ينظر شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٤٦)، توضيح المقاصد (١/ ٧٣، ٧٤).
(٦) ما بين المعقوفين سقط في (ب) و(أ). وقد استعنت من قوله: "فشل علاها" إلى أول الإعراب في تصحيحه وإثباته بشرح الشواهد المطبوع على هامش الخزانة (١/ ١٣٦، ١٣٧).
[ ١ / ١٩٢ ]
الإعراب:
قوله: "لريا" اللام فيه متعلقة بمحذوف تقديره: أتعجب لها، قوله: "ثم واهًا" عطف على "واهًا" الأولى، وقوله: "واهًا" جميد لفظي، قوله: "وفاها" عطف على قوله: "عيناها" قوله: "بثمن" متعلق بقوله: "نُرضي" قوله: "أباها" كلام إضافي مفعول لنرضى، قوله: "إن أباها" إن حرف من الحروف المشبهة بالفعل وقوله: "أباها" اسمه، وقوله: "وأبا أباها" عطف عليه، قوله: "قد بلغا" خبره، قوله: "غايتاها"؛ في تقدير النصب على أنها مفعول بلغا، والضمير فيه رجع إلى رَيّا المذكورة فيما قبل البيت.
الاستشهاد فيه:
في موضعين: الأول: أنه استعمل الأب مقصورًا، وهو الذي أراده الشراح ها هنا (^١).
الثاني: فيه استعمال المثنى بالألف في حالة النصب وهو قوله: "غايتاها"، وكان القياس أن يقول: غايَتَيْها، فنسب الكسائي هذه اللغة إلى بلحارث وزبيد وخثعم وهمدان ونسبها أبو الخطاب (^٢) لكنانة، ونسبها بعضهم لبلعنبر، وبلجهيم وبطون من ربيعة (^٣)، وأنكره المبرد مطلقًا (^٤)، وهو مردود بنقل الأئمة أبي زيد وأبي الخطاب وأبي الحسن والكسائي ومما سمع من ذلك قوله: ضربت يداه، ويشهد لذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس ﵁ (^٥) قال: قال رسول الله ﷺ: "مما صنع أبو جهل" (^٦)، فانطلق ابن مسعود (^٧) فوجده قد ضربه ابنا عفراء (^٨)
_________________
(١) ينظر شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٤٥).
(٢) عبد الحميد بن عبد المجيد أبو الخطاب الأخفش الأكبر، أستاذ سيبويه، لم تذكر وفاته. ينظر بغية الوعاة (٢/ ٧٤).
(٣) ينظر شرح التسهيل لابن مالك (١/ ٦٢) وابن يعيش (٣/ ١٢٨، ١٢٩)، وروح المعاني (١٦/ ٢٣)، والبحر المحيط (٦/ ٢٥٥).
(٤) ينظر المقتضب (٢/ ١٥٣ - ١٥٥).
(٥) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم البخاري الخزرجي الأنصاري أبو تمامة صاحب الرسول ﷺ وخادمه روى عنه (٢٢٨٦) حديث، آخر من مات بالبصرة من الصحابة (ت ٩٣ هـ). ينظر الأعلام (٢/ ٢٤، ٢٥).
(٦) شرح النووي على مسلم - (٨/ ٢٥٦) برقم (٣٣٥٨) - مروي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برك قال فأخذ بلحيته فقال آنت أبو جهل؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه أو قال قتله قومه؟ قال وقال أبو مجلز قال أبو جهل فلو غير أكار قتلني".
(٧) ابن مسعود: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن له (٨٤٨) حديثًا (ت ٣٢ هـ). ينظر حلية الأولياء (١/ ١٢٤) والبيان والتبيين، تحقيق: هارون (٢/ ٥٦) والإصابة رقم (٤٩٥٥) والأعلام (٤/ ١٣٧).
(٨) هي عفراء بنت مهاجر بن مالك من بني حنبة بن عبد، شاعرة (ت ٥٠ هـ) الأعلام (٤/ ٢٣٨).
[ ١ / ١٩٣ ]
[حتى] (^١) برد، فقال له: أنت أبا جهل؟ قال ابن علية: (^٢) قال سليم هكذا (^٣).
قال أنس ﵁: وهو واضح، وهو مما روي بلفظه لا بمعناه (^٤) وهذا يؤيد ما روي عن الإمام أبي حنيفة ﵁ من قوله: "لا وَلَوْ رَمَاهُ بِأَبَا قُبَيْسٍ" حيث لم يقل بأبي قبيس، وأن هذه لغة صحيحة، وأنه ليس بخطأ؛ كما زعم بعض المتعصبين حتى لحنوا الإمام في ذلك بجهلهم وإفراطهم في تعصبهم، ومن شأن المسلم ومقتضى الإسلام أن لا يتكلم في حق إمام من هؤلاء الأئمة؛ ولا سيما الأئمة الأربعة؛ فإنهم من خواص الله تعالى وسرج دينه المتين.