٧ / ق … وَيَعْدُو عَلَى الْمَرْءِ مَا يَأْتَمِرْن
أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حُجْر بن الحرث (^٥) بن عمرو بن الحُجْر الأكبر بن عمر بن معاوية بن الحرث بن معاوية بن كندة بن ثور بن مرتع بن عليم بن الحرث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشخب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الكندي الشاعر المفلق الفائق، مات في بلاد الروم عند جبل يقال له: عسيب، وكان قد صار إلى قيصر ملك الروم مستنجدًا به على بني أسد؛ لأنهم كانوا قد قتلوا والده حُجْرًا، فلما عاد من عند قيصر مات في عسيب، ويقال: إن ملك الروم سَمّه في حلة. قال الأصمعي: "وقد كان" (^٦) يقال لامرئ القيس الملك الضليل، ومات بأنقرة منصرفًا من قيصر، وفيه يقول القائل (^٧):
يا جَبَلَةً مُتَحَيِرَه - وطَعْنَةً مُثْعَنْجَره - قَدْ غُودِرْتَ بأنْقَره
قلتُ: عسيب بفتح العين وكسر السين المهملتين وفي آخره باء موحدة؛ وهو اسم جبل (^٨).
_________________
(١) في (ب): بدل.
(٢) قال ابن مالك: "وإما أن كون عوضًا من الإطلاق في روي مطق فلا يختصّ باسم؛ لأن الروي قد يكون بعض فعل؛ كما يكون بعض اسم، وذلك في لغة تميم كإنشاد بعضهم. "البيت". ينظر شرح التسهيل لابن مالك (١/ ١١)، وينظر ابن يعيش (٩/ ٢٩).
(٣) توضيح المقاصد (١/ ٣٠).
(٤) البيت من بحر المتقارب لامرئ القيس بن حجر، من قصيدة طويلة في الديوان (٦٨) ط. دار الكتب العلمية بعنوان: "وماذا عليك بأن تنتظر" وانظر بيت الشاهد في الخزانة (١/ ٣٥٤)، (٢/ ٢٧٩)، والدّرر (٥/ ١٧٩) ونسب البيت الشاهد للنمر بن تولب، وهو في ملحقات ديوانه (٤٠٤)، واللسان: "أمر"، وانظر المقتضب (٤/ ٢٣٤)، والهمع (٢/ ١٤٣).
(٥) في (أ): الحارث.
(٦) في (أ): وكان.
(٧) الأبيات من الرجز المنهوك.
(٨) معجم البلدان (٤/ ١٣٥) تحقيق: فريد عبد العزيز الجندي ط. دار الكتب العلمية، أولى (١٩٩٠ م) ومجمل =
[ ١ / ١٦٤ ]
وفيه يقول امرؤ القيس (^١):
أَجَارَتنَا إِنَّ الخُطُوبَ تَنُوبُ … وَإنِّي مُقِيِمٌ مَا أَقَامَ عَسِيبٌ
وكان أبو امرئ القيس حُجْر أول ملوك كندة، وهو ملك بن مالك (^٢) وقد روينا عن أبي هريرة ﵁ من حديث خرجه الإمام أحمد (^٣) في مسنده قال: قال رسول الله ﷺ: "امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار" (^٤) وصدر البيت المذكور:
أَحَارِ بْنَ عَمْرو كَأَني خَمِرن …
وهو من قصيدة طويلة، وأولها هو البيت المذكور، وبعده (^٥):
٢ - لَا وَأَبِيكِ ابْنَةَ العَامِرِيّ … لا يَدَّعِي الْقَوْمُ أَنِّي أَفِر
٣ - تَمِيمُ بنُ مُرٍّ وَأَشيَاعُهَا … وَكِنْدَةُ حَوْلِي جَمِيعًا صُبُرْ
٤ - إِذَا رَكِبُوا الْخَيْلَ وَاسْتَلأمُوا … تَحَرَّقَتِ الأَرْضُ والْيَوْمُ قُرّْ
٥ - تَرُوحُ مِنَ الحق أَمْ تَبتَكِرْ … وَمَاذَا يَضُرُّكَ لَوْ تَنْتَظِرْ
٦ - أَمَرْخٌ خِيَامُهُمْ أَمْ عُشُرْ … أَمِ الْقَلْبُ في إِثْرِهِمُ مُنْحَدِرْ
٧ - أَفِيمَنْ أَقَامَ مِنَ الْحَيِّ هِرّ … أَمِ الظَّاعِنُونَ لَهَا فِي الشُّطُرْ
٨ - وَهَرٌّ تَصِيدُ قُلُوبَ الرجالِ … وَأَفْلَتَ منها ابنُ عَمْرٍو حُجرْ
٩ - رَمَتْنِي بسَهْمٍ أَصَابَ الفُؤَادَ … غَدَاةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ انْتَصِرْ
١٠ - فَأَسْبَلَ دَمْعِي كَغُصْنِ الجُمَانِ … أَو الدُّرِّ رَقْرَاقِهِ المُنْحَدِرْ
١١ - وَإذْ هِيَ تَمْشِي كَمَشْي النَّزِيـ … ـفِ يَصْرَعُهُ بِالْكَتِيبِ البُهُر
١٢ - بَرهْرَهَةٌ رَخْصَةٌ رَوْدَةٌ … كَخُرْعُوبَةِ الْبَانَةِ الْمُنْفَطِرْ
_________________
(١) = اللغة: "عسب".
(٢) من الطويل من ديوانه (٣٥٧) والخزانة (٨/ ٥٥١) وشرح شواهد المغني (٧١٥) والمغني (٣٠٤) والخطوب جمع خطب، وهو المصيبة والبيت لا شاهد نحوي، إنما شاهد على أن "عسيب" اسم جبل كان بجوار القبر الذي دفن فيه امرأة غريبة.
(٣) في (أ): ملك.
(٤) أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني، إمام المذهب الحنبلي، وأحد الأئمة الأربعة، له مؤلفات متعددة (ت ٢٤١ هـ). ينظر الأعلام (١/ ٢٠٣).
(٥) حديث ضعيف في الجامع المفهرس لأطراف الأحاديث النبوية للألباني (١/ ١٨٥) برقم (١٣٤٨)، تأليف سليم بن عيد الهلالي، دار ابن الجوزي، ط (١٩٨٩ م).
(٦) ينظر ديوان امرئ القيس (١٢٤) (دار المعارف) و(١٠٩) (دار صادر).
[ ١ / ١٦٥ ]
١٣ - فُتُورُ القيَامِ قَطِيعُ الكلا … مِ تَفْتَرُّ عَنْ ذِي غُرُوبٍ خَصِرْ
١٤ - كَأَنَّ المُدَامَ وَصَوْبَ الغُمَامِ … وَرِيحَ الحُزَامَى وَنَشْرَ القَطَرْ
١٥ - يُعلُّ بِهِ بَرْدَ أَنْيَابِهَا … إِذَا طَرَّبَ الطَّائِرُ المُسْتَحِر
١٦ - فَبِتُّ أُكُابِدُ لَيلَ التَّمَامِ … وَمَا الْقَلْبُ مِنْ خَشْيةٍ مَقشَعِرْ
١٧ - فَلَمَّا دَنَوْتُ تَسَدَّيْتُها … فَثَوْبًا نَسِيتُ وَثَوْبًا أَجُر
١٨ - فَلَم يَرَنَا كَالِئ كَاشِحٌ … وَلَمْ يَفْش مِنَّا لَدَى الْبَيَتْ سِرْ
١٩ - وقَدْ رَابَنِي قَوْلُهَا يَا هَنَاهُ … وَيْحَكَ أَلْحَقْتَ شرًّا بِشَر
وهذا الذي ذكرناه أن قوله: "أحار بن عمرو كأني خمرن (^١) " الذي هو أول القصيدة هو المنقول عن الأصمعي، وقال غيره: إن أولها هو قوله:
لا وأبيك ابنة العامري …
وقال الأصمعي: أنشدني أبو عمرو بن العلاء هذه القصيدة لرجل من النمر بن قاسط يقال له: ربيعة بن جشم، وقال أبو عمرو الشيباني (^٢): لم يشك أحد أن هذه القصيدة لامرئ القيس ولكن تخلط بها أبيات للنميري وقد رواها أبو عمرو والفضل (^٣).
وهي من المتقارب من الدائرة الخامسة، وهي مشتملة على بحرين: المتقارب والمتدارك. وأصل المتقارب في الدائرة: فعولن ثمان مرات (^٤) وفيه الحذف (^٥) فإن قوله: (نمر)، فَعِل: محذوف، وكذا قوله: (خمر)، وفي أول القصيدة: ثرم (^٦) وهو قوله: (لا و) فإن وزنه فعْل.
٢ - قوله: "لا وأبيك" بكسر الكاف؛ لأنه خطاب للمؤنث؛ لأن تقديره: لا وحق أبيك يا ابنة العامري، والعامري من بني عمرو بن عامر بن الأزد. قوله: تميم بن مرٍّ: بدل من القوم، أو عطف بيان.
_________________
(١) في (أ، ب): خمر.
(٢) هو إسحاق بن مرار أبو عمرو الشيباني الكوفي، صنف: كتاب النوادر وكتاب الجيم وغير ذلك (ت ٢٠٦ هـ). بغية الوعاة (١/ ٤٣٩، ٤٤٠).
(٣) المفضل بن محمد بن معلى الضبي النحوي لم تذكر وفاته. بغية الوعاة (٢/ ٢٩٧).
(٤) من دائرة المتفق، ينظر أهدى سبيل (١١٤)، الوافي في العروض والقوافي (١٦٨).
(٥) وهو حذف السبب الخفيف من آخر التفعيلة. ينظر السابق (١٦٩).
(٦) الثرم: مركب من الخرم والقبض مثل: فعولن تصبح عول وتحول إلى: فعل. ينظر العروض الواضح لمحمود حقي (٥٣) ط. مكتبة دار الحياة (١٩٨٤ م) السادسة عشرة.
[ ١ / ١٦٦ ]
٣ - قوله: "صُبُرٌ" بضم الصاد والباء، جمع صابر.
٤ - قوله: "واستلأموا" أي يلبسوا (^١) اللأمة وهي الدرع، وقيل: هي السلاح. قوله: "تحرقت الأرض" بالحاء المهملة، يعني من شدة ذلك، قوله: "قُر" بضم القاف أي: بارد ويروى: صِر بكسر الصاد أي: شديد البرد، والجملة وقعت حالًا.
٥ - قوله: "تروحُ" أصله: أتروح فأسقط الهمزة لدلالة أم عليها.
٦ - قوله: "أمرخ" الهمزة للاستفهام، والمرخ: شجر حواري (^٢) ضعيف تتخذ منه الزناد واحدها: (^٣) مرخة "وإذا" (^٤) هبت له ريح فحك بعض عيدانه بعضًا احترقت، قوله: "وعُشَر" بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة: هو (^٥) شجر لين، فالمرخ ينبت بالنجد، والعُشَر بالغور، والعشر لها ورق عراض ولها لبن إذا قطع الورق أو العود.
٧ - قوله: "هر" هي ابنة العامري، وهو سلامة بن عبد اللَّه بن عُلَيم، قوله: "أم الظاعنون" بالظاء المعجمة، من ظعن إذا سار، و"الشطر" بضم الشين المعجمة، جمع شطر؛ وهو الغريب.
١٠ - قوله: "كغصن الجمان" أي: كتفرق الجمان إذا انقطع سلكه، والجمان: اللؤلؤ الصغار يعمل من فضة، ويروى: كفيض الجمان من فاض إذا سال، قوله: "رقراقة" قال الأعلم: الرقراق ما جاء وذهب وهو مجرور على أنه بدل من الدر (^٦) وقال غيره: رقراق الدمع: ما ترقرق منه العين؛ أي تردد (^٧).
١١ - قوله: "النزيف" بفتح النون وكسر الزاي؛ وهو السكران الذي نزف عقله، والكثيب: ما اجتمع من الرمل، والبُهر بضم الباء الموحدة من الإبهار؛ وهو انقطاع النفس وعلوه من التعب.
١٢ - قوله: "برهرهة": هي الرقيقة الجلد، وقال الأصمعي: هي الممتلئة المترجرجة (^٨)، قوله: "رخصة" أي: ناعمة، والرأدة بضم الراء؛ الشابة الناعمة، وكذلك الرادة والخُرعوبَة بضم الخاء؛ القضيب الناعم، والمنفطر: الذي ينفطر بالورق، وهو ألين ما يكون وأشده تثنيًا حين يجري فيه الماء ويورق بعضة جدًّا، وإنما لم يقل المنفطرة؛ لأنه رده على القضيب.
١٣ - قوله: "فتور " القيام؛ يعني أنها بطيئة القيام لثقل عجيزتها، قوله: "قطيع الكلام": يعني نزر الكلام لكثرة حيائها، قوله: "تفتر": أي تبتسم، وقيل معناه تبدي أسنانها ولا تضحك
_________________
(١) في (أ): أي إذا لبسوا.
(٢) في (أ): حوار.
(٣) في (أ): واحدتها.
(٤) في (أ): وربما.
(٥) في (أ): وهو.
(٦) أشعار الشعراء الستة الجاهلين (١/ ١١٤).
(٧) ينظر اللسان، مادة: "رقرق".
(٨) "مادة": برهر.
[ ١ / ١٦٧ ]
ضحكًا شديدًا، قوله: "غروب"؛ أي: عن ثغر ذي غروب، وغروب السن: حدها، وغرب كل شيء: حده، قوله: "خَصْر" بفتح الخاء المعجمة وسكون (^١) الصاد؛ أي بارد.
١٤ - قوله: "كأن المدام" وهي الخمر سميت بذلك؛ لأنها أديمت في الدن، أي: عتقت، والغمام: السحاب، وصوبه: ما صاب منه أي وقع، وهو المطر، و"الخزامى" خير البر بكسر (^٢) الخاء المعجمة وهو خزامي البر، و"النشر" الرائحة، و"القُطُر" بضمتين: العود.
١٥ - قوله: "يعل" يعني: يسقى مرة بعد أخرى، قوله: "إذا طرب الطائر" أي: إذا صوت الديك ونحوه، ويقاك: أراد البلبل الذي يصوت في السحر، قوله: "المستحر" هو المصوت بالسحر.
١٦ - قوله: "أكابد" أي: أقاسي، قوله: "لَيْلَ التِّمِامَ" قال أبو عمرو: وليل التمام إذا كان الليل "اثنتي عشرة ساعة" (^٣) وهو ليل التمام إلى خمس عشرة ساعة (^٤) قال الأصمعي: (ليل التمام بالكسر، وولد الصبي لتمام) (^٥) و"مقشعر" (^٦) يعني: وجل من أهلها.
١٧ - قوله: "تسديتها" يعني: علوتها وركبتها، قاله الأصمعي.
١٨ - قوله: "كالئ" أي: حافظ راقب، و"الكاشح": المتولي بوده.
١٩ - قوله: "يا هناه" كناية بمنزلة يا رجل، يا إنسان، وأكثر ما تستعمل عند الجفاء والغلظة، قوله: "ألحقت شرًّا بشر" معناه: كنت متهما عند الناس، فلما رأوْك عندي ألحقتك تهمة بتهمة وشرًّا بشرٍّ
الإعراب:
"أحار بن عمرو" منادى مرخم، يعني: يا حارث بن عمرو، والراء في حار مكسورة كما كانت أولًا، وابن عمرو: كلام إضافي منصوب، قوله: "كأني" كأني هي (^٧) حرف من الحروف المشبهة بالفعل، واسمه ياء المتكلم، وخبره قوله: "خمر" بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم، معناه: كأني خامر في داء أو وجع، وأصله من الخمر بفتحتين؛ وهو كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره، ومنه الخمر التي تشرب فإنها تستر العقل، وتخمير الأواني (^٨) وهو تغطيتها.
_________________
(١) في (أ): وكسر.
(٢) سقط في (أ).
(٣) و(^٤) في (ب): اثنتي عشر ساعة.
(٤) سقط في (ب).
(٥) ينظر اللسان، مادة: "قشعر".
(٦) سقط في (أ).
(٧) في (أ): الآية.
[ ١ / ١٦٨ ]
قوله: "ويعدو" فعل وفاعله قوله: "ما يأتمر" وما مصدرية، والتقدير: ويعدو على الرجل ائتماره أمرًا ليس برشد، وذلك أن الرجل إذا ائتمر أمرًا ليس برشد، فكأنه يعدو عليه فيهلكه. وقال الأعلم: معناه يصيبه وينزل عليه مكروه ما يأتمر به ويحمل نفسه على فعله (^١): وهذا نحو قول العامة: من حفر حفرة وقع فيها.
فإن قلتَ: ما هذه الواو في قوله: "ويعدو"؟
قلتُ: تصلح لأن (^٢) تكون للاستئناف، وتصلح (^٣) أن تكون للتعليل على معنى لام التعليل على رأي من أثبت هذا، فيكون المعنى: يا حارثُ بن عمرو، كأني خامرني داء لأجل عدوان الائتمار بأمر ليس برشد، ويصلح أن تكون زائدة على رأي الكوفيين (^٤) والأخفش.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ما يأتمرن" حيث أدخل فيه التنوين الغالي، وهو اللاحق للروي المقيد (^٥) وهو كتنوين الترنم في عدم الاختصاص بالاسم (^٦).