١٦ / ظقهع بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الكَرَمِ … وَمَنْ يُشابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ
أقول: قائله هو رؤبة (^٣)، وهو من الرجز المسدس.
قوله: "بأبه اقتدى عدي" أراد به عدي بن حاتم الطائي، وهو صحابي جليل، وهو عدي بن حاتم بن عدي بن سعيد بن الحشرج بن امرئ لقيس بن عدي بن أخرم بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن غوث بن طيء الطائي.
وفد على النبي ﵇ سنة تسع في شعبان، وقيل: سنة عشر فأسلم، وكان نصرانيًّا (^٤)، ولما توفي رسول الله ﷺ قدم على أبي بكر ﵁ (^٥) في وقت الردة بصدقة قومه وثبت على الإسلام ولم يرتد وثبت قومه معه، وكان جوادًا شريفًا في قومه معظمًا عندهم وعند غيرهم، حاضر الجواب، شهد فتح العراق ووقعة القادسية ووقعة مهران، ويوم الجسر مع أبي عبيدة ﵁ وغير ذلك.
وكان مع خالد بن الوليد ﵁ (^٦) لما سار إلى الشام، وشهد معه بعض الفتوح، توفي سنة سبع وستين، وله مائة وعشرون سنة، قيل: مات بالكوفة أيام المختار (^٧)، وقيل: مات بِقَرقِيسْيَا، والأول أصح.
وأما أبوه حاتم بن عدي فهو الموصوف بالجود الذي يضرب به المثل، وكان يكنى أبا سفانة، وكانت له مآثرُ وأمورٌ عجيبة مستغربة، ولكنه لم يقصد بها وجه اللَّه تعالى والدار الآخرة، وإنما كان قصده السمعة.
_________________
(١) ابن الناظم (١٢)، توضيح المقاصد (١/ ٧٤)، أوضح المسالك (١/ ٣٢) شرح ابن عقيل (١/ ٥٠).
(٢) البيت من بحر الرجز المسدس لرؤبة بن العجاج في ديوانه المسمى: مجموع أشعار العرب (١٨٢) (الملحقات) من قصيدة طويلة بيت الشاهد آخرها، وقبله: أنت الحليم والأمير المنتقم … تصدع بالحق وتنفي من ظلم
(٣) انظر ديوان رؤبة (مجموع أشعار العرب) (١٨٢). وهو آخر بيت من أرجوزة طويلة.
(٤) ينظر الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ٢٨٨).
(٥) هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن كعب التيمي القرشي أول من آمن بالرسول، ولد بمكة بعد عام الفيل بسنتين، وتوفي سنة (١٣ هـ)، ينظر الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ١٠١) وما بعدها. الأعلام (٤/ ١٠٢).
(٦) هو خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، سيف الله، شهد مع كفار قريش الحروب إلى عمرة الحديبية، أسلم سنة (٧ هـ) بعد خيبر، مات بحمص سنة (٢١ هـ). الإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ١٠٠).
(٧) هو المختار بن أبي عبيدة بن مسعود الثقفي، توفي سنة (٦٧ هـ). الأعلام (٧/ ١٩٢).
[ ١ / ١٨٨ ]
وأخرج البزار (^١) في مسنده عن ابن عمر ﵄ قال ذُكر حاتم عند النبي ﷺ، فقال: "ذاك أراد أمرًا فأدركه" (^٢)، والمعنى أن عدي بن حاتم اقتدى بأبيه حاتم الطائي في الجود والكرم فمن يشابه أباه أو يحاكيه في صفاته فما ظلم في هذا الاقتداء؛ لأنه أتى بالصواب ووضع الشيء في محله، والظلم: وضع الشيء في غير محله.
وهذا البيت نظم فيه الشاعر المثل الثائر: "مَن يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ" (^٣) واختلفوا في معنى "فما ظلم" في المثل، فقيل: فما وضع الشبه في غير موضعه، وقيل: فما ظلم أبوه حين وضع زرعه حيث أدى إليه الشبه، وقيل إنما الصواب: فما ظلمت، أي: فما ظلمت أمه، أي: لم تزن بدليل مجيء الولد مشابهًا أباه. قاله اللحياني، ويضعف هذين القولين أن اسم الشرط إذا كان مبتدأ فلا بد في الغالب من ضمير يعود من الجزاء إليه (^٤)، وهذا البيت يرد قول اللحياني.
الإعراب:
الباء في قوله: "بأبه" تتعلق بقوله: "اقتدى"، وكذا قوله: "في الكرم" قدم الظرف للاختصاص، أي: لم يقتد في الكرم إلا بأبيه.
قوله. "ومن يشابه أبه"، كلمة (من) موصولة في محل الرفع على الابتداء بتضمن معنى الشرط، ولهذا دخلت الفاء في خبره، وهو قوله: فما ظلم، وقوله: "أبه": منصوب بقوله: يشابه الذي هو صلة الموصول.
فإن قلتَ: (فمن يشابه) قد روي بالفاء وبالواو، فما حكمهما؟
قلتُ: أما الواو فوجهه ظاهر، وأما الفاء فإن صح فوجهه أن يكون للتعليل (^٥).
_________________
(١) هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، من علماء الحديث، له مسند البحر الزاخر وغيره، وتوفي بالشام سنة (٢٩٢ هـ). الأعلام (١/ ١٨٩).
(٢) مسند أحمد بن حنبل (٤/ ٢٥٨) حديث رقم (١٨٢٨٨) روايته عن مري بن قطري قال: سمعت عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال: "إن أباك أراد أمرًا فأدركه"؛ يعني الذكر، قال: قلت: إني أسألك عن طعام لا أدعه إلا تحرجًا، قال: "لا تدع شيئًا ضارعت فيه نصرانية"، قلت: أرسل كلبي فيأخذ الصيد، وليس معي ما أذكيه به فأذبحه بالمروة والعصا، فقال رسول الله ﷺ: "أمر الدم بما شئت واذكر اسم الله ﷿"، وعلق على الحديث شعيب الأرنؤوط: قوله: "إن أباك أراد أمرًا فأدركه" حسن، وقوله: "أمر الدم بما شئت … " صحيح، وهذا إسناد ضعيف لجهالة مري بن قطري.
(٣) جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري (٢/ ٢٤٤)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش، ط. دار الجيل ودار الفكر، ثانية (١٩٨٨ م).
(٤) ينظر ارتشاف الضرب لأبي حيان (٢/ ٥٦٤)، شرح التسهيل لابن مالك (٤/ ٦٨).
(٥) قال أبو حيان: "وتغلب السببية في الفاء إذا عطف بها جملة أو صفة"، مثال ذلك ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ =
[ ١ / ١٨٩ ]
الاستشهاد فيه:
هو أن الأب قد استعمل فيه في الموضعين بحذف اللام معربًا بالحركات، فهذا لغة بعض العرب (^١)، وعلى هذه اللغة يقال في التثنية: أبان، وفي الجمع أبون، ولكن أكثر الاستعمال فيه أن يكون بالحروف، وقد يقال: إن الأصل أبيه وأباه فحذفت الياء والألف للضرورة (^٢).