أَقِلّي اللَومَ عاذِلَ وَالعِتابن … وَقولي إِن أَصَبتُ لَقَد أَصابن
أقول: قائله هو جرير بن عطية (^٢) بن الخطفي بفتح الخاء العجمة، والطاء المهملة وبالفاء وهو لقب، واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم بن مرو التميمي الشاعر المشهور، كان من فحول شعراء الإسلام، وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض، وهو أشعر من الفرزدق عند أكثر أهل العلم بهذا الشأن، وأجمعت العلماء على أنه ليس في شعراء الإسلام مثل ثلاثة: جرير والفرزدق (^٣) والأخطل (^٤).
والجرير في اللغة: الحبل، توفي جرير سنة عشر، أو إحدى عشرة ومائة، وكان يكنى بأبي حَزْرَة بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وفتح الراء وبعدها هاء ساكنة، وهي المرة الواحدة من الحزر (^٥)، والبيت المذكور هو من قصيدة بائية طويلة، وأولها هذا البيت المذكور، وبعده (^٦):
٢ - أَجَدِّكَ ما تَذَكَّرُ أَهلَ نَجدٍ … وَحَيَّا طال ما انتَظَروا الإِيابا
٣ - بَلى فَارفَضَّ دَمعُكَ غَيرَ نَزرٍ … كَما عَيَّنتَ بِالسَرَبِ الطِبابا
٤ - وَهاجَ البَرقُ لَيلَةَ أَذرِعاتٍ … هَوىً ما تَستَطيعُ لَهُ طِلابا
٥ - أيجمع قلبه طربًا إليكم … وهجرًا بيت أهلك واجتنابا
٦ - سَأَلنَاها الشِّفاءَ فَما شَفَتنا … وَمَنَّتنا التَّوَدُّدَ وَالخِلابا (^٧)
٧ - فَقُلتُ بِحاجَةٍ وَطَوَيتُ أُخرى … وَهاجَ (^٨) عَلَيَّ بَينَهُم اكتِئابًا (^٩)
٨ - أَباحَت أُمُّ حَزرَةَ مِن فؤادي … شِعابَ الحُبِّ إِنَّ لَهُ شِعابًا
_________________
(١) أوضح المسالك (١/ ١٤)، شرح ابن عقيل على الألفية (١/ ١٨).
(٢) الديوان (٥٧) شرح مهدي ناصر الدين.
(٣) انظر ترجمته، الشاهد رقم (١٠).
(٤) هو غياث بن غوث بن الصلت من بني تغلب، شاعر، اشتهر في عهد بني أمية وأشعر أهل عصره (ت ٩٠ هـ). الأعلام (١/ ١٢٣).
(٥) طبقات فحول الشعراء (٢/ ٣٧٤) وما بعدها.
(٦) والأبيات في الديوان بينها تقديم وتأخير؛ فالبيت السادس هو الرابع في الديوان، والبيت الثامن ترتيبه الخامس، والبيت الخامس ترتيبه السادس، ثم حذف ثلاثة أبيات توجد في الديوان (٥٨) ولم توجد في المخطوطين، والبيت السابع ترتيبه العاشر في الديوان بعد بيت الشاهد.
(٧) في الديوان (٥٨) "المواعد" شرح مهدي محمد ناصر الدين، ط. دار الكتب العلمية بيروت، أولى (١٩٨٦ م).
(٨) في الديوان (٥٧) "فهاج".
(٩) في الديوان (٥٧) "بينهما".
[ ١ / ١٦٢ ]
٩ - وَوَجدٍ قَد طَوَيتُ يَكادُ مِنهُ … ضَميرُ القَلبِ يَلتَهِبُ التِهابا
وهي من الوافر وفيه العصب بالمهملتين والقطف، فقوله: (وقولي إن) مفاعيلن معصوب، وقوله: (أصابن) فعولن مقطوف.
١ - قوله: (أقلِّي) أمر من الإقلال من القلة، واللوم - بالفتح؛ العذل، يقال: لمته لومًا، والرجل ملوم، والمليم هو الذي يستحق اللامة.
٢ - قوله: أجدك، معناه: أبجد منك هذا، ونصبها على طرح الباء، قاله الأصمعي، وقال أبو عمرو معناه: مالك أجدًّا منك ونصبها على المصدر (^١)، وقال ثعلب (^٢). ما أتاك في الشعر من قولك؛ أجدك فهو بالكسر، وإذا أتاك بالواو وجدك فهو مفتوح (^٣) قال الجوهري: أجدك وأجدك بمعنى ولا يتكلم به إلا مضافًا (^٤)، قوله: الإيابا بالكسر (^٥) وهو الرجوع.
٣ - قوله: فارفض؛ أي: تفرق وذهب، وكل متفرق ذاهب مرفض وهو من ارفضاض (^٦) الدمع، وهو ترششه، والنزر بفتح النون: القليل، قوله: "بالسرب الطبابا" [بكسر الطاء] (^٧) جمع طبابة، قال الأصمعي: هي الجلدة التي يُغَطَّى بها الخُرَزُ، وهي معترِضة كالإِصْبَع، مَثْنِيَّةٌ على موضع الخَرز (^٨).
٥ - قوله: "الخلابا" بكسر الخاء المعجمة وهو الخديعة باللسان، وأم حزرة كنية امرأة جرير.
الإعراب:
قوله: "أقلِّي": جملة من الفعل والفاعل، وهو أنت المستكن فيه، واللوم مفعوله.
قوله: "عاذلَ" بفتح اللام: منادى مرخم حذف حرف ندائه، أصله: يا عاذلة، قوله: "والعتابن": عطف على قوله: "اللوم". قوله: "وقولي": جملة معطوفة على "أقلي".
قوله: "لقد أصابن" جمله فعلية وفاعلها (^٩) مستتر، وهي مقول القول.
_________________
(١) الصحاح، مادة: "جدد".
(٢) هو أحمد بن يحيى بن يسار الشيباني أبو العباس، إمام الكوفيين في النحو، صنَّف: المصون في النحو واختلاف النحويين ومعاني القرآن وغير ذلك (ت ٢٩١ هـ). بغية الوعاة (١/ ٣٩٦) وما بعدها.
(٣) و(^٤) الصحاح، مادة: "جدد".
(٤) في (أ): بكسر الهمزة.
(٥) في (أ): ارتفاض.
(٦) سقط في (ب).
(٧) الصحاح، مادة: "طبب".
(٨) في (ب): وفاعله، قوله: "وهو أنت المستكن فيه" مذهب المازني، ومذهب الجمهور ياء الخاطبة هي الفاعل.
[ ١ / ١٦٣ ]
فإن قلت: فأين جواب الشرط؟.
قلتُ: محذوف تقديره: إن أصبت لا تعذلي وقولي: لقد أصاب.
الاستشهاد:
في قوله: "العتابن، وأصابن"؛ لأن أصلهما: العتابا وأصابا، فجيء بالتنوين "بدلًا" (^١) من الألف لأجل قصد الترنم (^٢).