١٠ / ظقه ما أنْتَ بِالحَكَيم التُّرْضَى حُكُومَتُهُ … ولا الأَصِيلِ ولا ذِي الرَّأيِ والجَدَلِ
أقول: قائله هو الفرزدق، واسمه همام، وقيل هميم "بالتصغير" ابن غالب بن صعصعة [ابن ناحية] (^٧) بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، واسمه: "بحر بن مالك"، واسمه: عرف (^٨) بالراء، سمي بذلك لجوده -ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرة (^٩) التميمي المعروف بالفرزدق؛ الشاعر المشهور صاحب جرير.
وكان أبوه غالب من جلة قومه وسراتهم، وأمه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس، وكان من الكرم على جانب عظيم، وكان جده صعصعة بن ناجية عطم القدر في الجاهلية
_________________
(١) في (أ): ضرورة.
(٢) ينظر شرح التسهيل لابن مالك (٣/ ٣٩٢).
(٣) في (أ): قيل.
(٤) التنوين في قوله "يا مطرٌ" تنوين ضرورة، وهو اللاحق لما لا ينصرف، والضرورة تبيح الصرف، وليس هذا تنوين تمكين؛ لأن الاسم مبني على الضم. ينظر مغني اللبيب (٢/ ٣٤٣).
(٥) لم نعثر على البيت في ابن الناظم، وهو في توضيح المقاصد (١/ ٣٥)، وأوضح المسالك (١/ ١٧).
(٦) البيت من بحر البسيط، منسوب للفرزدق، وهو والبيت المذكور معه غير موجودين في الديوان على طبعاته المختلفة والكثيرة.
(٧) سقط في (ب).
(٨) سقط في (ب).
(٩) في (أ): مر.
[ ١ / ١٧٤ ]
واشترى ثلاثين موؤودة، وفي ذلك قال (^١) الفرزدق (^٢):
وجدي الذِي مَنَعَ الوَائِدَاتِ … وَأَحْيَا الوَئِيدَ فَلَمْ تُوْأد
وهو أول من أسلم من أجداد الفرزدق، وقد ذكره أبو عمر في كتاب الاستيعاب (^٣) في جملة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -.
وكان الفرزدق يكنى بأبي فراس، وهو شاعر إسلامي لقي علي بن أبي طالب (^٤) وروى عنه، وعن أبي هريرة، والحسن بن علي، وابن عمر (^٥) - رضي اللَّه [تعالى] (^٦) عنهم -.
وهو في الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين (^٧) وهم جرير والفرزدق والأخطل والراعي (^٨)، وكان على فضله وتقدمه يروي للحطيئة (^٩) كثيرًا، وكان الحطيئة راوية زهير (^١٠)، وزهير راوية أوس بن حجر (^١١) وطفيل (^١٢) الغنوي جميعًا، توفي بالبصرة سنة عشر ومائة وعمره قد ناهز مائة سنة.
_________________
(١) في (أ): يقول.
(٢) من المتقارب وروايته في الديوان: ومنا الذي منع الوائدات … وأحيا الوئيد فلم يوأد ديوان الفرزدق (١/ ١٥٥) شرح علي فاعور، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، أولى (١٩٨٧ م).
(٣) كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب للحافظ أبي عمر ووصف بن عبد الله، المعروف بابن عبد البر المتوفى سنة (٤٦٣ هـ). ينظر كشف الظنون (١/ ٨١).
(٤) هو علي بن أبي طالب بن عبد المطب الهاشمي، من العشرة المبشرين بالجنة، وابن عم النبي وصهره، أحد الشجعان وأول الناس إسلامًا بعد السيدة خديجة، ولد سنة (٢٣ ق. هـ) وتوفي سنة (٤٠ هـ) الأم (٤/ ٢٩٥).
(٥) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، صحابي، كان جريئًا هاجر مع أبيه، وشهد فتح مكة، وأفتى الناس ستين سنة وغزا إفريقية وآخر من توفي بمكة من الصحابة سنة (٧٣ هـ). الأعلام (٤/ ١٠٨).
(٦) سقط في (ب).
(٧) ينظر طبقات فحول الشعراء (٢٩٨).
(٨) هو عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل، ولقب بالراعي لكثرة وصفة الإبل، عاصر الفرزدق وجريرًا، توفي سنة (٩٠ هـ). الأعلام (٤/ ١٨٨، ١٨٩).
(٩) هو جرول بن أوس بن مالك العبسي، مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، توفي سنة (٤٥ هـ). الأعلام (٢/ ١١٨)، الشعر والشعراء (٦٤) عالم الكتب ط الثالثة.
(١٠) هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني، شاعر جاهلي حكيم. (ت ١٣ ق. هـ). الأعلام (٣/ ٥٢)، الشعر والشعراء (٢٣).
(١١) هو أوس بن حجر بن مالك التميمي، شاعر جاهلي، عمر طويلًا، (ت ٢ ق. هـ). الأعلام (٢/ ٣١)، الشعر والشعراء (٢٥).
(١٢) هو طفيل بن عوف بن كعب، من بني غني، شاعر جاهلي فحل، عاصر زهيرًا والنابغة الجعدي (ت ١٣ ق. هـ) الأعلام (٣/ ٢٢٨).
[ ١ / ١٧٥ ]
والفرزدق في الأصل [قيل] (^١): قطع العجين، واحدتها فرزدقة، لقب بذلك؛ لأنه كان جهم الوجه، وقيل: لقب به لغلظه (^٢) وقصره، شبه بالفتيتة التي تشربها النساء وهي الفرزدقة، والقول الأول أصح؛ لأنه أصابه جدري في وجهه ثم برئ منه فبقي وجهه جهمًا متغضبًا (^٣)، ويروى أن رجلًا قال له: يا أبا فراس كأن وجهك أحراح مجموعة، فقال: تأمل هل ترى فيها حر أمك، والأحراح: جمع حرح؛ وهو الفرج فحذفت في المفرد حاؤه الثانية فبقي حرًّا، ومتى جمعت عادت الحاء؛ لأن الجمع يرد الأشياء إلى أصولها (^٤)، وقبل البيت المذكور بيت آخر هو قوله (^٥):
يا أرغم الله أنفًا أنت (^٦) حامله … يا ذا الخنا ومقال الزور والخَطل
والأصل في ذلك ما حدثه الكلبي أن رجلًا من بني عذرة دخل على عبد الملك بن مروان (^٧) يمدحه، وعنده جرير والفرزدق والأخطل فلم يعرفهم الأعرابي، فقال له عبد الملك: هل تعرف أهجى بيت في الإسلام؟، قال: نعم، قول جرير (^٨):
فَغُضِّ الطَّرفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ … فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلا كِلابًا
فقال: أحسنت، فهل تعرف أمدح بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم قول جرير (^٩):
أَلَسْتُمْ خَيرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا … وَأَنْدَى الْعَالمِينَ بُطُونَ رَاحِ
فقال: أصبت وأحسنت، فهل تعرف أرق بيت قالته العرب في الإسلام؟ قال: نعم قول جرير (^١٠):
إِنَّ العُيُونَ التي في طَرْفِهَا مَرَضٌ … قَتَلْنَنَا ثُمَّ لم (^١١) يُحْيِينَ قَتْلانا
فقال: أحسنت، فهل تعرف جريرًا؟ قال: لا والله، وإني لرؤيته مشتاق، فقال: هذا جرير،
_________________
(١) سقط في (ب).
(٢) في (أ): لقب بغلظه.
(٣) متغضنًا.
(٤) ينظر الكتاب لسيبويه (٣/ ٣٢٢).
(٥) لم أعثر عليه في الديوان مع طبعاته الكثيرة.
(٦) في (ب): أنه.
(٧) هو عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، نشأ في المدينة واستعمله معاوية عليها، وكان جبارًا على معانديه قوي الهيبة، ولد سنة (٢٣ هـ) (ت ٨٦ هـ). الأعلام (٤/ ١٦٥).
(٨) البيت من بحر الوافر، الديوان (٦١) "شرح مهدي محمد ناصر" والخزانة (١/ ٧٢ - ٧٤) والورد (٦/ ٣٢٢) وابن يعيش (٩/ ١٢٨) والمقتضب بلا نسبة (١/ ١٨٥) والكتاب (٣/ ٥٣٣).
(٩) البيت من بحر الوافر في ديوان جرير (٧٤)، وينظر طبقات فحول الشعراء (٢/ ٣٧٩)، وشرح شواهد المغني (٤٢)، وابن يعيش (٨/ ١٢٣)، والمقتضب (٣/ ٢٩٢).
(١٠) من بحر البسيط، الديوان (٤٥٢) وروايته. "في طرفها حَوَرٌ". وينظر طبقات فحول الشعراء (٢/ ٣٧٩) والمقتضب (٢/ ١٧٣) وشرح شواهد المغني (٢/ ٧١٢) وابن يعيش (٥/ ٩).
(١١) سقط في (ب).
[ ١ / ١٧٦ ]
وهذا الفرزدق، وهذا الأخطل، فأنشأ الأعرابي يقول (^١):
فحيا الإله أبا حزرة … وأرغم أنفك يا أخطل
وجد الفرزدق أتعس به … ودق خياشمه الجندل
فأنشد الفرزدق:
يا أرغم الله أنفًا … إلخ (^٢) البيتين
ثم أنشد الأخطل (^٣):
يا شَرَّ مَنْ حَمَلَتْ سَاقٌ عَلَى قَدَمٍ … مَا مثلُ قَولكَ في الأقْوامِ يُحْتَمَلُ
إنَّ الحكُومَةَ لَيسَتْ فيِ أبِيكَ ولا … فيِ مَعْشَرٍ أنتَ مِنهم إنَّهُمْ سُفُلُ
فقام جرير مغضبًا وهو يقول (^٤):
شَتَمْتُمَا قَائِلًا بالحق مُهْتديًا … عِنْدَ الخليفةِ والأقوالُ تَنْتضِلُ (^٥)
أتشتمان شَفاهًا خَيْرَكُمْ حَسَبًا … ففيكما الأوهيان (^٦) الزورُ والخطل
شَتَمْتماهُ على رَفْعي وَوَضْعِكُما … لا زِلْتُمَا في سِفَال أيُّها السُّفُلُ
ثم وثب فقبَّل رأس الأعرابي وقال: يا أمير المؤمنين جائزتي له، وكانت خمسة عشر ألفًا، فقال عبد الملك: وله مثلها من مالي، فقبض ذلك كله.
والبيت المستشهد به من البسيط، وهو من الدائرة الأولى، وهي دائرة المختلف المشتملة على: الطويل والمديد والبسيط، وأصله فيها: مستفعلن فاعلن أربع مرات، وله ثلاثة أعاريض وستة أضرب، وهو من العروض الأولى المخبونة (^٧) والضرب الأول المخبون، وقافيته من المتراكب، وهو ما بين ساكنيه ثلاث حركات، وسمي بهذا الاسم؛ لأن الحركات توالت فيه فركب بعضها بعضًا (^٨).
_________________
(١) الأبيات من المتقارب وهي في هجاء الفرزدق والأخطل ومدح جرير (أبي حزرة).
(٢) في (أ): يا أرغم الله أنفًا على قوله: والخطل.
(٣) البيت من بحر البسيط.
(٤) البيت من بحر البسيط في ديوان جرير (٣٦٦).
(٥) في (أ): تنتصل.
(٦) رواية البيت في الديوان هكذا: … ففيكما وإلهي الزور والخطل
(٧) الخبن: هو حذف الثاني الساكن، ينظر ميزان الذهب في صناعة شعر العرب للسيد أحمد الهاشمي (١٥) ط ثانية (١٩٩٥ م) لمؤسسة الكتب الثقافية.
(٨) ينظر العروض الواضح لممدوح حقي (١٣٩) وميزان الذهب (١٠٥).
[ ١ / ١٧٧ ]
قوله: "يا أرغم الله" المنادى فيه محذوف تقديره: يا قوم أرغم اللَّه أنفًا، أي: ألصقه بالرغام بفتح الراء وهو التراب، و"الخنا" الفحش، والخطل: بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة؛ الفاسد المضطرب، وقد خطل في كلامه بالكسر خطلًا، وأخطل؛ أفحش.
قوله: "بالحكم" بفتح الحاء والكاف، وهو الذي يحكمه الخصمان ليحكم (^١) بينهما، قوله: "ولا الأصيل" أي: ولا الجيد (^٢)، يقال: فلان لا أصل له ولا فصل، قال الكسائي (^٣): الأصل الحسب، والفصل: اللسان.
قوله: "ولا ذي الرأي" ولا صاحب الرأي، والجدل بفتحتين شدة الخصومة، وهو اسم من جادله إذا خاصمه، مجادلة وجدالًا.
الإعراب:
قوله: "ما" للنفي، و"أنت" مبتدأ، وخبره، قوله: "بالحكم الترضى حكومته" والباء فيه زائدة للتأكيد، والخطاب لذلك الأعرابي الذي هو من بني عذرة، وقد ذكرناه.
وقوله: "الترضى حكومته" جملة فعلية في محل الرفع؛ لأنها صفة لقوله "بالحكم" وَالحكم مرفوع (^٤) تقديرًا لأنه خبر، ويجوز أن يكون في محل الجر باعتبار الظاهر؛ لأن الخبر في الظاهر مجرور بالباء، و"الترضى" على صيغة المجهول، و"حكومته" مرفوع بها.
قوله: "ولا الأصيل" عطف على قوله: "بالحكم" أي: ولا أنت بالأصيل ولا بذي الرأي ولا بذي الجدل.
الاستشهاد فيه:
في دخول الألف واللام في الفعل المضارع تشبيهًا له بالصفة؛ لأنه مثلها في المعنى، وهذا ضرورة عند النحويين (^٥) وقال ابن مالك: "ليس" (^٦) بضرورة لتمكن الشاعر من أن يقول: ما أنت بالحكم المرضي حكومته، فيدخل الألف واللام في اسم المفعول (^٧)، قلت: وهذا الذي
_________________
(١) في (أ): ليفصل.
(٢) في (أ): ولا الحسيب.
(٣) هو علي بن حمزة بن عبد الله بن عثمان أبو الحسن الكسائي، صنف: معاني القرآن، ومختصر في النحو والنوادر وغيرها (ت ١٨٢ هـ). بغية الوعاة (٢/ ١٦٢) وما بعدها، المدارس النحوية (١٧٢) وما بعدها.
(٤) يوجد هنا سقط كبير في نسخة (أ) من أول هذا المكان حتى الشاهد رقم (٢٥) وسننبه عليه في نهايته.
(٥) ضرائر الشعر لابن عصفور (٢٨٨) تحقيق: السيد إبراهيم محمد (دار الأندلس).
(٦) سقط في (ب).
(٧) قال ابن مالك: "واستدل ابن برهان على موصولية الألف واللام بدخولها على الفعل"، واستدلاله قوي؛ لأن =
[ ١ / ١٧٨ ]
قاله ابن مالك منقول عن سيبويه (^١)، ثم عن ابن السراج، وليس هو القائل من ذاته، ولكن هذا لا يستقيم إلا إذا سكنت الياء من المرضي ليستقيم الوزن فافهم.
وقال الأخفش: هي موصولة وليست للتعريف، كأنها لما كانت بمعنى الذي وصلت بصلتها (^٢).
وقال ابن عصفور (^٣): ومنهم من ذهب إلى أن (أل) ها هنا مبقاة من الذي، وهو مردود؛ لأنها لو كانت كذلك لجاز أن يقع في صلتها الماضي كما جاز في صلة الذي، فلما اختصت بالفعل الشبه للوصف وهو المضارع دل على إبهامه.