مؤلف كتاب المقاصد رجل ذو خبرة وعين ناقدة بصيرة، رجل تخصص في التاريخ، قرأه فاعتبر، ووقف عليه فاتعظ وتأثر، عرف الدول كيف تقوم ثم تذهب، وشموس الملوك والسلاطين كيف تشرق ثم تغرب، وكل نجم يبزغ، له في السماء نجوم ألداء، وحساد، وأعداء.
وهكذا كان العيني حساده كثيرون، والحاقدون عليه لا يعدون ولا يحصون، ومن هنا امتلأت مقدمات كما نبه وخواتيمها بالنقود من هؤلاء الحساد، وأن يبعدهم الله عنه، ويكون لهم بالمرصاد.
طلب العيني من قارئ كتبه أن يصغوا عما فيها من زلات، وأن يتذكر أن فيها كثيرًا من الحسنات، وأن الله قد قال في محكم الآيات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، طلب العيني من قارئ كتبه أن يضع نصب عينيه قول المتنبي:
فَإِنْ يَكُن الفِعْلُ الذِي سَاءَ واحِدًا … فَأَفْعَالُهُ اللائِي سَرَرْنَ أُلُوفُ
وها هي عدة نقول من كتبه توضح هذه المعاني:
يقول في مقدمة كتابه: (عمدة القارئ شرح صحيح البُخاريّ): "النَّاس فيما تعبت فيه الأرواح على قسمين متباينين، قسم هم حسدة ليس عندهم إلَّا جهل محض، وطعن، وقدح، وعض؛ لكونهم بمعزل عن انتزاع أبكار المعاني، وعن تفتيق ما رتق من المباني.
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة … فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
وصنف هُم ذوو فضائل وكمالات، وعندهم لأهل الفضل اعتبارات، المنصفون اللاحظون إلى أصحاب الفضائل والتحقيق، وإلى أرباب الفضائل والتدقيق بعين الإعظام والإجلال، وقليل ما هم، وهم كالكثير، الواحد منهم كالجم الغفير، ولكن أين ذلك الواحد؟ ".
[ ١ / ٦٩ ]
وفي مقدمة كتابه المقاصد يقول: "والمسؤول ممن ينظر فيه، أن يصلح ما يحتاج إلى الإصلاح؛ أداءً لحق الأخوة بالنصح والانتصاح، فإن القلم له هفوة، والجوادَ له كبوة، والإنسان غير معصوم من الخطأ والنسيان، وهما بالنص عنا مرفوعان، وأن يَذْكُرَني بصالح دعواته عَقِبَ صلوَاتِه في خلواته، فإني جعلته خالصًا لوجهه الكريم ابتغاء لمرضاته، وطلبًا لغفرانه العظيم، والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، ولا يبرز اللسان عن الجنان إلَّا ما حوى، فها أنا أشرع في المقصود متوكلًا على الله المعبود".
وفي ختام كتابه المذكور يقول: "والمأمول من الناظر فيه ألا يكون من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا من الذين يتصفحون في مبادئه ومقاطعه، وكم من متصرف في المهذب بالزيادة والنقصان، ومن صفوق نحوه أسهم الظن والطعان، جزاء سنمار حين بنى الخورنق للنعمان، وهل هذا إلَّا من حسد ركب الأجساد؟ ولأنهم عزل عما يكني أهل الفضل والاجتهاد، فلذلك تراهم يخرطون القتاد".
ثم يختم كلامه بعد أن يبين فضل كتابه قائلًا: "ومع هذا كله ينتبذ ذو حسد من الجهل اللئام، ومن الطاعنين فيما تعبت فيه أفاضل الأنام، متصديًا للأعراض، متمنيًا فرض أثره بالمقراض لينال بذلك إلى المفاسد من الأغراض، ولكن من له دين قومٍ، أو طبع سليم يستنكف عن نبش المعايب، ولا يرضى لدينه بث المثالب، مذعنًا فيما ظهرت آياته إلى القول، ومتجنبًا فيما قامت بياناته عن النكول، فنسأل الله تعالى أن يعصمنا عن الأباطيل، ويهدينا إلى سواء السبيل".
وفي كتابه عمدة القارئ يقول -أيضًا- في هذا المعنى: "والمأمول من الناظر فيه أن ينظر بالإنصاف، ويترك جانب الطعن والاعتساف، فإن رأى حسنًا يشكر سعي زائره، ويعترف بفضل عاثره، أو خللًا يصلحه؛ أداءً لحق الأخوة في الدين، فإن الإنسان غير معصوم عن زلل مبين:
إنْ تَجِدْ عَيبًا فَسُدَّ الخللا … جَلَّ مَنْ لا عَيبَ فِيهِ وعلا
فالمنصف لا يشغل بالبحث عن عيب مفصح، والمتعسف لا يعترف بالحق الموضح.
فَعَينُ الرضَا عَنْ كُل عَيبٍ كلَيلةٌ … ولكن عَينَ السُّخْطِ تَبدِي المَسَاويَا
وسنحاول في هذا الفصل -إن شاء الله- أن ننتقد العيني في كتابه المقاصد فنذكر محاسنه، ثم نتبعها بمآخذه، فقد عشنا معه ست سنوات كاملة، وقفنا فيها على حسنات وهنات، وليس ما نذكره من حسنات سبع أو ثمان، وما نسرده من هنات مثلها هي كل ما في الكتاب، بل فيه
[ ١ / ٧٠ ]
من الحسنات الكثير، ولكن يكفي من الغيث قطرة، ومن البستان زهرة؛ إنه تقويم عام للكتاب، ووضعه في ميزان النقد، وإعطاء القارئ مقدمة وفكرة عما في الكتاب، حتَّى إذا أخذ في قراءته بابًا بعد باب عرف ما يشتمل عليه كتابه جملة.