يتكون هذا الفصل من شقين:
الأول: تأثر العيني في كتابه بمن سبقه من العلماء وما جاء في هذا الكتاب من آثار لهؤلاء العلماء.
الثَّاني: تأثير العيني وكتابه فيمن خلفه من العلماء، وما جاء منه في كتب وآثار هؤلاء العلماء.
أما عن الشق الأول، وتأثر العيني بمن سبقه فيكفي أن تقرأ الفصل الرابع من هذه الدراسة لتجد العيني قد ملأ كتابه بكتب السابقين وحشاه بآرائهم، ومؤلفاتهم على اختلاف مناحيها ومشاربها.
فمن كتب النحو واللغة تأثر العيني بكتاب سيبويه، وكتاب المقتضب للمبرد، وكتب النحو ومتونه، وشروح هذه المتون مثل: المفصل للزمخشري، وشروحه، والكافية لابن الحاجب، وشروحها، والألفية والتسهيل لابن مالك وشروحهما.
تأثر العيني أيضًا بمؤلفات ابن عصفور وابن مالك وابن هشام وغيرهم، وكما ظهر أثر كتب النحو في الإعرابات والاستشهادات ظهر أثر كتب اللغة والمعاجم المختلفة في شرح الأبيات، ومعاني المفردات كالصحاح للجوهري، والنوادر لأبي زيد، وغير ذلك، وهو كثير.
وأمَّا كتب شروح الشواهد التي ظهر أثرها في كتاب المقاصد النحوية فهي كثيرة، مثل شروح ديوان الحماسة لأبي تمام على اختلافها، وشروح الأعلم الشنتمري؛ كشرحه للأشعار الجاهلية، أو شرحه لشواهد سيبويه.
وليس ذلك فقط؛ بل انعكست ثقافة العيني التاريخية التي لها علاقة بالشاهد الذي يذكره
[ ١ / ٦٤ ]
أو القصيدة التي يشرحها؛ إذ قد جاء في كتاب المقاصد نقول كثيرة من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب الحيوان للجاحظ، والكامل للمبرد، والأمالي لأبي علي القاضي، وغيرها.
وأمَّا مقطوعات الشعر، ودواوين الشعراء، فقد ظهر ذلك جليًّا في الكتاب المذكور، فما من بيت من أبيات الشواهد التي شرحها العيني، إلَّا وقد ذكر فيه مقطوعة أو عددًا كبيرًا من أبيات القصيدة التي منها الشاهد، وقد سردنا في الفصل المذكور الدواوين التي رجع إليها العيني، والتي زادت على المائة، فلتراجع هناك.
وأمَّا الحديث عن الشق الثَّاني، وتأثير كتاب المقاصد النحوية للعيني فيمن جاء بعده، أو ما تلاه من الكتب، فنقول:
"إن كتاب المقاصد قد ألفه صاحبه من ستة قرون مضت، وقد ظل مقطوعًا لا يعرفه أحد، إلى وقت قريب ظل الكتاب حبيسًا في البيوت أو المكتبات العامة، لا يراه ولا يعرفه إلَّا واحد أو اثنان أو ثلاثة من العلماء بعد النسخ المخطوطة له، وحين طبع من مائة وخمسة وعشرين عالمًا لم يطبع كتابًا مستقلًّا يراه النَّاس ويعرفه الطلاب، وإنَّما طُبع على هامش خزانة الأدب للبغدادي، وعلى ذلك فإن الكتاب الأصلي المطبوع أو المقصود بالطباعة، إنَّما كان كتاب خزانة الأدب، أما الكتاب الفرعي أو الذي طبع تكملة، إنَّما كان كتاب المقاصد.
لقد ظل كتاب المقاصد مجهولًا لا يعرفه النَّاس، ولا يقف عليه العلماء، أو يستفيدون منه حتَّى وقتنا الحاضر، وما طُبع على هامش حاشية الصبان، إنَّما هو نزر يسير ممَّا في الكتاب، بعنى أن المطبوع كان شيئًا لا قيمة له بقيمة ما في الكتاب من فوائد.
ومع ذلك كله تستطيع أن تقول: إن هناك عالمين كبيرين وشارحين عظيمين للشواهد، انتفعا بكتاب المقاصد، وظهر أثره في كتبهما، وهما الإمام عبد القادر البغدادي (١٠٩٣ هـ) في كتابه: خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، وهو الكتاب الذي يشرح فيه شواهد شرح الكافية المرضي (٦٨٦ هـ)، وشرح أبيات مغني اللبيب الذي يشرح فيه شواهد المغني لابن هشام.
وأمَّا الإمام الآخر فهو السيوطي (٩١١ هـ) الذي شرح شواهد مغني اللبيب أيضًا.
أولًا: كتاب خزانة الأدب للبغدادي: اعتمد البغدادي وهو مؤلف كتابه المشهور: "خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب" على كتاب المقاصد للعيني، وجعله مرجعًا من مراجعه الكثيرة، وقد اعترف بذلك في أول كتابه حين سرد المؤلفات التي أخذ منها ونقل عنها (^١).
_________________
(١) انظر كتاب خزانة الأدب للبغدادي (١/ ١٩).
[ ١ / ٦٥ ]
لقد نقل البغدادي عن العيني في كتابه المقاصد نقولًا كثيرة، فما من بيت اشترك في شرحه الإمامان البغدادي والعيني، إلَّا وقد وجدت الإمام عبد القادر البغدادي يشير إلى العيني وكتابه المقاصد النحوية، لقد بلغت أبيات الخزانة تسعمائة وسبعة وخمسين ييتًا، وقد جاء أكثرها في كتاب المقاصد الذي بلغت شواهده ألف عن ومائتين وثمانين؛ أي أنها تزيد على شواهد الخزانة بأكثر من ثلاثمائة بيت.
لقد كنا ونحن نحقق كتاب المقاصد نضع أمامنا كتاب الخزانة دائمًا، وبخاصة إذا اشترك الإمامان في شرح بيت، كُنَّا نرجع إلى كتاب الخزانة في تصحيح نص أو توثيق بيت الشعر، أو قراءة صحيحة للنص، أو غير ذلك ممَّا يتطلبه التحقيق.
ولقد تتبعنا الفهرس الذي صنعه الأستاذ عبد السَّلام هارون لكتاب الخزانة، فوجدنا الإمام عبد القادر البغدادي قد نقل من كتاب المقاصد ثلانمائة وعشرين نقلًا، وكان في بعض النقول يسميه باسمه، وهو كتاب المقاصد النحوية، أو يسميه باسم صاحبه فيقول: "وقال شارح شواهد الألفية".
وكان الإمام عبد القادر ينقل من العيني مادحًا أو قادحًا أو ساكتًا، إلَّا أنَّه في أكثر النقول كان يغلب عليه القدح، ولا عجب في ذلك، فالإمام عبد القادر من شراح الشواهد العظماء، فإذا وجد من قصر في ذلك نبه عليه، وقد فعل ذلك مع العيني وغيره.
كانت نقول الإمام عبد القادر من العيني كثيرة مختلفة، شأنه شأن اطلاعاته الواسعة، فهنا تفسير لكلمة، وذاك إعراب لها، وهذا بيان لمعنى البيت، وذاك سرد لحادثة تاريخية، وهذا تنبيه على خطأ وقع فيه العيني في تفسير مفردة، وهذا تصحيح لإعراب أعربه العيني على غير وجهه، وهكذا، وسيرى ذلك القارئ في تحقيقنا لكتاب المقاصد؛ حيث كُنَّا نشير إلى تعليق الإمام عبد القادر البغدادي، وكلامه للذي وصمناه بالمدح، أو القدح، أو السكوت.
ولم يظهر أثر كتاب المقاصد في كتاب الخزانة وحده للإمام عبد القادر، وإنَّما امتد أثره أيضًا إلى كتابه الآخر في شرح الشواهد، وهو شرح أبيات مغنى اللبيب لابن هشام، حيث وجدت عدة نقول في هذا الكتاب من المقاصد بلغت أكثر من مائة نقل.
ثانيًا: كتاب شرح شواهد المغني للسيوطي: وكما اعتمد البغدادي على كتاب المقاصد وجعله، مرجعًا في تأليفه وكتبه، فعل ذلك السيوطي في كتابه الذي شرح به شواهد مغني اللبيب، فلقد اعتمد السيوطي على كتاب المقاصد اعتمادًا يفوق صاحب الخزانة، حيث نقل السيوطي من
[ ١ / ٦٦ ]
المقاصد نقولًا كثيرة مطولة تبلغ الصفحة والصفحتين، نبه على ذلك أو لم ينبه.
وقد ظهر ذلك لنا ونحن نحقق كتاب المقاصد؛ حيث كُنَّا نرى النقل الطَّويل لتفسير مفردات البيت عند السيوطي؛ كما هي عند العيني، وكنا نجد كثيرًا من مقطوعات الشواهد عند السيوطي؛ كما هي عند العيني.
لقد تأثر السيوطي في شرحه لشواهد مغني اللبيب للسيوطي بالعيني تأثرًا كبيرًا؛ حيث كان ينقل منه قصيدة البيت، وشرح القصيدة كلها، ولا يترك إلَّا كلمة: "قوله" التي تميز بها العيني، وكان يلقب كتابه بقوله: "قال العيني في الكبرى" (^١).
هذا بيت من الرجز، وهو قوله (^٢):
قَدْ سَالمَ الحَيَّاتِ مِنْهُ القَدَمَا … الأُفْعُوَانَ والشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا
ذكره السيوطي في شرحه (^٣)، ثم أتبعه بأبيات الأرجوزة، وبعد سرد الأبيات أتبعه السيوطي بشرح الأبيات، ووجدت الأمر كما فعله العيني تمامًا بتمام.
وعلى ذلك فإن كتاب المقاصد من الكتب الأساسية التي اعتمد عليها السيوطي في شرحه لشواهد أخرى.
كتب أخرى تأثرت بكتاب المقاصد: ولم يقف تأثير كتاب المقاصد الكبرى للعيني على كتب الإمامين عبد القادر البغدادي، وجلال الدين السيوطي فحسب، بل امتد تأثيره إلى كتب أخرى، فهذا كتاب شرح فيه صاحبه شواهد همع الهوامع للسيوطي، وهو كتاب: (الدرر اللوامع على همع الهوامع شرح جمع الجوامع في العلوم العربية) للعلامة الفاضل الشَّيخ أحمد ابن الأمين الشنقيطي المتوفى (١٣٣١ هـ)؛ حيث وجدت في الكتاب المذكور عدة نقول أيضًا من كتاب المقاصد، ولا عجب في ذلك، فكلاهما يسير في طريق واحد، وكلاهما يقصد إلى هدف واحد، وهو شرح الشواهد النحوية.
وهنا أمر يجب أن ننبه عليه ونشير إليه، له علاقة بتأثير كتاب المقاصد فيمن جاء بعده، نختم به هذا الفصل، هو أن جامعي الدواوين والقصائد والمقطوعات في العصر الحديث اعتمدوا على كتاب المقاصد كثيرًا في سرد القصائد والمقطوعات، وبخاصة الدواوين التي فقدت، أو الشعراء
_________________
(١) انظر شرح شواهد مغني اللبيب للسيوطي (٥٥٧).
(٢) انظر الشاهد رقم (٨٢٥) من شواهد هذا الكتاب.
(٣) انظر شرح شواهد مغني اللبيب للسيوطي (٩٧٣ - ٩٧٥).
[ ١ / ٦٧ ]
المغمورون الذين لم يكن لهم ديوان مجموع مخطوط في القديم، ويظهر ذلك في طبعات الدواوين المختلفة، أو تحقيقها في العصر الحديث، وهو أمر مشهور يعرفه المحققون والأدباء، فقد اعتمدوا على كتاب المقاصد للعيني مرجعًا وتوثيقًا وتصحيحًا؛ كما اعتمدوا على مجاميع الشعر المختلفة كالحماسيات والمفضليات.
* * *
[ ١ / ٦٨ ]