يغلب هذا الجانب على العيني في كتابه المقاصد؛ حيث أطال في شرح مفردات الشواهد التي كان يستشهد بها ويذكرها، ولم يكتفِ بمفردات البيت الواحد، وهو الشاهد، وإنما كان يشرح أحيانًا القصيدة كلها التي تشتمل على ألفاظ غريبة، وعليه أن يشرحها ويوضحها للقارئ.
انظر إليه وقد سرد قصيدة لرؤبة بن العجاج بلغت مائة وواحدًا وسبعين بيتًا من الرجز المشطور، وكلماتها كلها غريبة، ومع ذلك شرحها العيني كلها، يقول بعد أن سرد القصيدة "شواهد الكلام- البيت الرابع": وإنما سقنا هذه الأرجوزه بكمالها لوجوه:
_________________
(١) يقصد أن العروض مقبوضة وضربها مقبوض.
(٢) الوافي في العروض والقوافي (٤١).
(٣) هكذا قال في شرح الشاهد الأول من شواهده "الكتاب الذي بين يديك".
(٤) من الطويل لامرئ القيس مطلع معلقته المشهورة، ينظر الديوان (٢٩) (دار صادر).
[ ١ / ٣٣ ]
الأول: لكونها عزيزة الوجود وَقلَّ من يقف عليها كاملة.
والثاني: فيها أبيات كثيرة مستشهد لها فيما نحن بصدده.
والثالث: لتكثير الفائدة لاشتمالها على لغات غريبة وألفاظ عجيبة.
والرابع: أن مطلعها بيت مستطرق كثير الورود في كتب النحو واللغة، فلأجله ذكرنا الباقية.
والخامس: ليدل على توغلنا في هذا الفن وشدة تَنْقيرِنا في مظان الأشياء ومدارك اللغات والألفاظ، فنتكلم على لغاتها مختصرة تكثيرًا للفائدة، وإزاحة للإهمال عن ألفاظها الغريبة".
ومثل ذلك فعل مع قصيدة عمر بن أبي ربيعة: "أَمِن آلِ نُعْمٍ" وقد بلغت أربعة وسبعين بيتًا سردها كلها وشرح مفرداتها ومعانيها (^١).
- تعرضه للفعل واستعمالاته، وكأنه يؤلف معجمًا في اللغة، انظر إليه وهو يشرح هذا البيت مبينًا الشاهد فيه وهو قوله: "باب ظن وأخواتها" (^٢):
وكُنَّا حَسِبنَا كُلَّ بَيضَاءَ شَحْمَةً … عَشِيَّةَ لاقينا جذامَ وَحِمْيَرًا
يقول:
"الاستشهاد فيه: في قوله: "حسبنا" فإن حسب ها هنا بمعنى ظن؛ فلذلك نصب مفعولين.
واعلم أن حَسُب (^٣) قد جاء بالضم والفتح والكسر على معانٍ: فحسِب بكسر السين يحسَب ويحسِبُ بفتح السين وكسرها في المضارع حِسْبًا بكسر الحاء ومحسَبة ومحسِبة بفتح السين وكسرها بمعنى ظن فهو حاسب، والشيء محسوب، أي مظنون، والأمر: احسَب واحسِب بفتح السين وكسرها، وحسب الرجل بكسر السين حسبًا فهو أحسب إذا صار ذا شقرة وبياض كالبرص، وحسَب بفتح السين بمعنى عدّ يحسُب بضم السين حسبًا وحسابًا وحسبانًا وحسابة وحسبة فهو حاسب، والشيء محسوب والأمر احسُب بضم السين لا غير.
وأما حسُب بضم السين فمعناه: صار حسيبًا يحسُب بضم السين حسابه فهو حسيب، والذي هو من هذا الباب وينصب المفعولين هو الذي يكون بمعنى ظن، وأما الذي بمعنى: عد فينصب مفعولًا واحدًا، والآخران لازمان".
وأما ذكره لغات العرب وبيان لهجاتها فقد سرد فيه الكثير، من ذلك:
_________________
(١) انظر الشاهد رقم (٦٤) من شواهد هذا الكتاب.
(٢) انظر الشاهد رقم (٣٣٥) من شواهد هذا الكتاب.
(٣) راجع هذه المعاني في اللسان مادة: "حسب".
[ ١ / ٣٤ ]
- لغة بني أسد في فتح نون المُثنى، ولغة أخرى في ضم نونه: "هما خليلان".
- لغة بني الحارث في إلزام المثنى الألف.
- لغة أهل اليمن في إبدال اللام ميمًا في كلمة أل.
- لغة هذيل في قلب ألف المقصور ياءً وإدغامها في ياء المتكلم.
- لغة أهل الحجاز في تعدية الفعل "هدى" بنفسه، تقول: هديته الطريق، وغيرهم يقول: هديته إلى الطريق.
- لغة بني سليم في نصب قال للمفعولين مطلقًا، سواء أكان ماضيًا أم غيره، مسندًا للمخاطب أم غيره، معتمدًا على استفهام أم لم يعتمد.
- لغة عقيل في الجر بـ"لعل".
- لغة بني الحارث في إلحاق الفعل علامات التثنية والجمع.