وهذا الأمر له علاقة بما ذكر قبله، وهو أن يعيش القارئ في جو الشاهد، وما يحيط به، فهذه قصيدة، وتلك مناسبة القصيدة التي قيلت فيها، وقد سبق أن ذكرنا شيئًا من ذلك في الفصل الثَّاني، في حديث مطول عن اشتمال كتاب المقاصد النحوية على عُمير من حوادث التاريخ، ممَّا كان سببًا في إنشاد القصيدة، أو المقطوعة، أو البيت؛ إلَّا أننا هنا نذكر مناسبة ذلك بعيدًا عن حوادث التاريخ ووقائعه، فهذه واقعة اجتماعية، وتلك واقعة أخرى في الغزل ولقاء المحبين، وثالثة فيما يعرض للشعراء من أحداث مع النَّاس، ولقاءات وغير ذلك.
يقول في هذا البيت، وهو لقيس بن ذريح (^١):
تكَنَّفَني الوُشَاةُ فَأَزْعَجُوني … فَيَا للهِ لِلواشِي المُطَاع
هذا البيت من قصيدة طويلة قالها قيس لما فارقته زوجته لبنى، وخرج متوجهًا نحو الطَّريق الذي سلكته يتشمم روائحها، فسنحت له ظبية فقصدها فهربت فقال:
ألا يا شِبهَ لُبْنَى لا تُرَاعي … ولا تتَيَمَّمي قلل القلَاعِ
ويقول في بيت آخر، وهو لكثير (^٢):
_________________
(١) الشاهد رقم (٩٥٦) من شواهد هذا الكتاب.
(٢) الشاهد رقم (٢٥٦) من شواهد هذا الكتاب.
[ ١ / ٥٨ ]
فَإنَّك مُوشِكٌ أَنْ لا تراها … وتَعْدو دُونَ غَاضِرة العَوادي
"إن أم البنين زوج الوليد بن عبد الملك أمرت الشعراء أن ينسبوا بها، ولكن كُثيرًا خشي من الزوج الخليفة، فتغزل في جاريتها غاضرة، وأمَّا وضاح اليمن فتغزل في أم البنين زوج الخليفة فقتله الخليفة".
كما يتحدث عن الغرض الشعري للقصيدة والبيت، فيقول وقد ذكر هذا الشاهد وقصيدته (^١):
ضَرُوبٌ بِنَصْلِ السَّيفِ سُوقَ سِمَانِهَا … إذا عدِمُوا زادًا فإنكَ عاقرُ
"وكان أبو طالب رثى بهذه القصيدة أميَّة بن المغيرة المخزومي، وكان خرج إلى الشام فمات في الطَّريق في موضع يقال له سرو سحيم".