حديثه عن ألف المقصور حين يوقف عليه نحو أن تقول: رأيت فتى، قال: "نحو: رأيت فتى، وفي هذه الألف ثلاثة مذاهب:
الأول: أنها بدل من التنوين في الأحوال الثلاثة، وهو مذهب أبي الحسن والفراء، والمازني.
والثاني: أنها الألف المنقلبة في الأحوال الثلاثة، وأن التنوين حُذِف، فلما حُذِف عادت الألف وهو مذهب الكوفيين، وروي عن أبي عمرو والكسائي، وإليه ذهب السيرافي وابن كيسان وابن مالك في الكافية، وقال في شرحها: ويقوي هذا الذهب ثبوت الرواية بإمالة الألف وقفًا والاعتداد بها رويًّا.
الثالث: اعتباره كالصحيح والألف في النصب بدل من التنوين، وفي الرفع والجر بدل من لام الكلمة، وهو مذهب سيبويه، ومعظم النحاة، وإليه ذهب أبو علي الفارسي -رحمه الله تعالى-".
وأما علم العَروض:
فقد كان العيني متمكنًا منه، وقد نسب الشواهد التي شرحها كلها إلى بحورها، ولم يخطئ في واحد منها إلا سهوًا، ولم يكتفِ بنسبة الأبيات، وإنما كان يشرح بين الحين والحين مسألة عروضية، انظر إليه وهو يشرح أول بيت في شواهده، وهو قول لبيد (^٢):
ألَا كلُّ شيءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ … وَكلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالةَ زَائِلُ
يقول: "البيت من بحر الطويل، وهو أول بحور الدائرة الأولى من الدوائر الخمس المسماة بدوائر المختلف، وسميت به لاختلاف كمية أجزائها، وهي مشتملة على خمسة أبحر، ثلاثة مستعملة وهي: الطويل والديد والبسيط، وبحران مهملان؛ وهما: المستطيل مقلوب الطويل، والممتد مقلوب المديد".
ثم شرح بحر الطويل قائلًا: "وأصله في الدائرة: فعولن مفاعيلن أربع مرات (^٣)، وقد دخله
_________________
(١) هذا الحديث قد ثبت للعيني في الشاهد رقم (١٢٢١)، وهو بيت للشماخ من بحر الرجز المشطور.
(٢) الشاهد الأول من شواهد هذا الكتاب.
(٣) في (أ، ب): ثمان مرات، والصحيح أنها: أربع مرات.
[ ١ / ٣١ ]
القبض في ضربه، وأما عروضه فتكون مقبوضة دائمًا.
والقبض هو: حذف الخامس الساكن، فتُحذف الياء من "مفاعيلن" فيصير مفاعلن، فتقول: (ألا كل) فعولن- سالم، (ل شيء ما) مفاعيلن- سالم، (خلا اللا) فعولن- سالم، (هـ باطل) مفاعلن، مقبوض".
ثم انتقل إلى موضوع آخر فقال: "والبيت الشاهد مقفى، وهو أول القصيدة على ما ذكره الخالديان (^١) في الأشباه والنظائر، وكذا ابن السيد (^٢).
وعند جماعة منهم ابن هشام اللخمي (^٣) والعسكري (^٤)، أول البيت ما ذكرناه من قوله:
ألا تسألانِ المرءَ مَاذَا يُحَاولُ … "
ويستمر قائلًا: "وهو أيضًا مصرَّع مقفى، والفرق بين التقفية والتصريع أن التصريع عندهم تبعية العروض للضرب قافية ووزنًا وإعلالًا، والتقفية: أن يكون العروض على زنة الضرب وقافيته سواء تغيرت العروض عما يجب لها أم لا، فكل تصريع تقفية ولا ينعكس".
ثم مضى يوضح معنى التصريع قائلًا: "وسمي البيت إذا كان فيه تصريع مصرعًا تشبيهًا له بمصراعي الباب، فكأن البيت الذي هو المصرع وهو ما له قافيتان شبيه بالبيت الذي له بابان، وقيل: إنه مشتق من الصرعين، وهما نصف النهار، فانتصاف النهار صَرْعٌ، وسقوط الشمس صَرْعٌ، والأول أقرب".
وعرف العيني العلل والزحافات المختلفة في علم العروض؛ كما ذكر استعمالات البحور، وذكر بقية الدوائر، وكان ينتهز أي بيت فيه صلة بعلم العروض ليشرح مصطلحاته، وغير ذلك، ففي قوله (^٥):
_________________
(١) هما سعيد بن هاشم بن وعلة بن عرام اشتهر هو وأخوه محمد بالخالديين (ت ٣٧١ هـ). الأعلام (٣/ ١٠٣) واسم أخيه محمد بن هاشم بن وعلة أبو بكر الخالدي (ت ٣٨٠ هـ). الأعلام (٧/ ١٢٩).
(٢) عبد الله بن محمد بن السيد أبو محمد البطليوسي له: شرح أدب الكاتب وغيره (ت ٥٢١ هـ). بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي (٢/ ٥٥، ٥٦) ط. دار الفكر، ثانية، (١٩٧٩ م).
(٣) محمد بن أحمد بن هشام بن إبراهيم بن خلف اللخمي النحوي له: كتاب الفصول والمجمل في شرح أبيات الجمل وغيرهما. توفي بعد (٥٥٧ هـ). بنية الوعاة للسيوطي (١/ ٤٨، ٤٩).
(٤) الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد أبو هلال العسكري صاحب الصناعتين (ت ٣٩٥ هـ). بغية الوعاة (١/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(٥) الشاهد رقم (٣٥) من شواهد هذا الكتاب.
[ ١ / ٣٢ ]
ما أنت باليَقْظَانِ نَاظِرُه إذا … نَسيتَ بِما تَهْوَاهُ ذِكْرَ العَوَاقبِ
يقول: "البيت من الطويل من الضرب الثاني المماثل للعروض (^١)، وفيه الثلم وهو حذف فاء فعولن، فيبقى "عولن" فينقل إلى: فعلن، ويختص بالجزء الأول بيانه (^٢)، تقول: (ما أن): "فعلن" أثلم، (ت باليقظا): "مفاعيلن"، (نِ ناظ) "فعول- مقبوض"، (رهو إذا): "مفاعلن"، (نسيت): "فعول مقبوض"، (بما تهوا): "مفاعيلن"، (هـ ذكر ال): "فعولن"، (عواقب): "مفاعلن- مقبوض"، وقد أنشده بعضهم:
وَما أنت باليَقْظَانِ …
بالواو فحينئذ لا ثلم فيه، ولكن الرواية المشهورة الصحيحة بدون الواو".
ولم ينس العيني علم القافية في خِضَمِّ الشرح والتحليل والتعريف فقال (^٣): "وقافيته من المتدارِك وهو ما بعد ساكنه الأول حركتان، وسمي بذلك لتدارك السكون الثاني فيه الأول، أي: تداركه فلم يترك الحركات تتزايد، أو لأن الحركة الثانية أدركت الأولى ولم يفصل بينهما ساكن، ومثاله (^٤):
قفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِل …
والقافية تأتي على خمسة أنواع هذا أحدها".