كاتب حلو الحديث، يستحوذ على قارئه ويستولي على مشاعره، شديد الاعتزاز برأيه حتى لو أغضب أصدقاءه، بدأ حياته محاميًا، ثم انصرف إلى الصحافة، فأنشأ جريدة "الأهالي" ١٩١٠-١٩٢١ بالأسكندرية، تعبر عن أرائه وأفكاره، تضمنت مقالاته بها هجومًا عنيفًا على الأوضاع الشاذة في البلاد، وأدلى برأيه خلالها في جميع الأمور بصراحة واعتدال وواقعية ونزاهة في مجال السياسة، ولما شبت ثورة ١٩١٩ تحول من اعتداله إلى ثورة عارمة ضد الاحتلال، ونقل "الأهالي" إلى القاهرة قلب المعركة ومصدر الثورة، والتزم بمبادئ الثورة حتى عصف الطغيان بجريدته. ثم أنشأ "البلاغ" ١٩٢٣-١٩٣٠، وجعل شعارها قول سعد زغلول "الحق فوق القوة"، "والقوة فوق الحكومة". ودارت
[ ٢٣٠ ]
مقالاته حول هذا المعنى، ولما رحل سعد ووقع خلفاءه معاهدة ١٩٣٦ مع الإنجليز، كان أول صحفي يهاجم المعاهدة، فخسر صداقة الوفديين خلفاء سعد.
رغم عمله الصحفي فقد أرخ في التاريخ المصري بعد زيارته للأقصر ١٩٢٣ لمشاهدة قبر توت عنخ آمون الذي اكتشفه الأثريان "كارتر" و"كارنارفون" ووقوفه على قبور وادي الملوك ومعبد الكرنك، منذ ذلك التاريخ وهو يهتم بدراسة التاريخ المصري القديم واللغة المصرية، فكان كتابه "على هامش التاريخ المصري" وصدره بمقدمة تدعو المصريين لتوثيق الصلات بين مصر القديمة والحديثة، ودافع عن الحضارة المصرية القديمة، وعالج قضايا هامة مثل: تاريخ المدنية المصرية، واهتداء المصريين إلى التقديم، وعقيدة الحساب والموت، فكان لكتابه ثقل ووزن في هذا المجال، مما حدا بحافظ محمود أن ينقل رأي محمد حسين هيكل عنه فيقول: "هذا جهد رجل لم يجلس على كراسي الأستاذية في الجامعة، لكني أتمنى أن يكون للذين يجلسون فوق الكرسي جهدًا مثله١".
أسلوب عبد القادر حمزة:
كتب عبد القادر حمزة مقالات عديدة تعكس نشاطه في مجال المجتمع والسياسة، لا سيما في الصحف التي انفرد بتحريرها وهي: الأهالي. والبلاغ والبلاغ الجديدة، وهو في جميع كتاباته عف اللسان، نزيه اللفظ، معتدل النقد، بعيد عن التعالي على القارئ، تميزه الصفات التالية:
١- الإيجاز والتركيز -في أول حياته- فتراه يعالج أصول الموضوعات بأقل الكلمات، ولم يتجاوز مقاله عمودًا وبضعة أسطر، والميل إلى الإطناب -فيما بعد- عندما يناقش مسائل السياسة، وقضايا المجتمع.
٢- يختار كلماته اختيارًا يتفق مع أسلوبه الذي يتميز بالموضوعية والواقعية في المجالين: السياسي والاجتماعي.
_________________
(١) ١ راجع: مقالة بجريدة المساء بتاريخ ١٧/ ٦/ ١٩٦١.
[ ٢٣١ ]
٣- يتسم بالهدوء والاتزان في إبداء الرأي، والاعتدال الذي يصل إلى حد الحذر الشديد، مع الحد في الكتابة، والنزاهة في اللفظ، والبعد عن الفحش في القول.
٤- الاستغناء -أحيانًا- عن المقدمات بسؤال يلفت نظر القارئ، مع التفكير المنطقي الذي لا يتقيد بألفاظ المناطقة.
٥- الاعتدال في استخدام الألفاظ الساخرة في عصر بلغت السخرية فيه غايتها في الأدب.
٦- السهولة والبعد عن الغرابة، مع التحرر من قيود الزينة البديعية.
٧- الإطالة في عناوين بعض المقالات، حتى ليخيل للقارئ أن عبارة كاملة من المقال تغني عنه.
ولقد جاء في مقاله "آفة المحسوبية" ما يلي: "نعت علينا إحدى الزميلات أننا نذكر المحسوبية والمحاسيب، ونمثل لذلك ونعقب عليه. وزعمت أن هذا لصغار وإسفاف في النقد، وإهمال للمسائل الكبيرة والسياسة العامة، والشئون الحيوية والمشروعات الخطيرة، وأننا نمعن في هذا الوجه السقيم من النقد والمعارضة إمعانًا يجعلهما مرزولين وجديرين بالإعراض والاشمئزار والنفور".
"وكلام الزميلة كله من هذا القبيل، ولكنا لا نظن بها إلا أن تدرك أن الوظائف أساس الحكم في البلاد، وأن مراعاة الحق والعدل والمساواة فيها يجب أن تقدم على كل أمر سواها، وأن الموظفين هم الآلة الحكومية وهم الذين يكون بهم العمل وعليهم المعول في هذه الشئون الخطيرة التي تذكرها الزميلة، وتطالبنا بقصر العناية عليها. ولكن الزميلة من شيعة الوزارة، فهي ترى أن واجبها نحوها، وأن حق الوزارة عليها أن تنصرها وتدافع عنها ظالمة أو مظلومة، أما نحن فمستقلون لا نعرف إلا حق الوطن، ولا نبالي بمن غضب أو بمن رضي إذا كان ما نقوله حقا، وما ندعو إليه هو الواجب: وهذا الفرق بيننا وبين الزميلة كان الله في عونها".
"ومن دواعي الأسف أن نحتاج في هذا الزمن أن نبين أن الوظائف
[ ٢٣٢ ]
هي أساس الحكم في البلاد، وأن العناية بها ليست اشتغالًا بالتوافه بل بالأصل، وأن العمل على وقايتها من تغلغل الفساد فيها وقاية للدولة كلها في حاضرها ومستقبلها كذلك. وقد كنا نظن أن هذه من البداهة التي لا يحتاج المرء أن يكلف نفسه عناء شرحها وبيانها وإثباتها، ومع ذلك تحرينا في كلامنا عن هذه الأمور كلها الرفق الشديد والتلطف الشديد، فلم يجر قلمنا بما يثقل على النفس ويستنكره في السمع أو ينبو عن الذوق؛ لأن غايتنا هي الإصلاح لا الإيلام، وطريقتنا هي الإقناع لا الإيجاع، وليس في أسلوب التناول الذي نتوخاه ما يمكن أن يشكو منه أدق الناس إحساسًا وأرقهم شعورًا، إذ لا جفوة في العبارة، ولا عنف في اللفظ، ولا إغلاظ في القول، ولا شيء إلا الموضوع. ووجهة نظرنا فيه مبسوطة ومؤيدة بالحجج والبراهين، فأين سوء النية إذن، وفساد الطوية، وحب المعارضة للمعارضة١".
وعلى الجملة فإن عبد القادر حمزة كاتب سياسي من الطراز الأول، وصحفي موهوب ملك القدرة على الإثارة وحسن اختيار الخبر الذي يثير اهتمام الناس، ويشد اهتمامات الجماهير إلى ما جاد به خاطره، ودبجه يراعه، وسال على شبا قلمه، وصوره بيانه. ومن ثم تدرك السر في رواج صحيفة الأهالي -التي كان يحررها- رواجًا لم تعرفه صحيفة أخرى إذ ذاك.
_________________
(١) ١ راجع: البلاغ، العدد ٤٤١٨ بتاريخ ١٥/ ١/ ١٩٣٧.
[ ٢٣٣ ]
٣- وضوح فكرته وتبسيطها حتى تصبح جذوة متوهجة من نور، يتلقاها القارئ في رضا وارتياح.
٤- اتسامه بالعالمية فيما يعالج من موضوعات، دون أثر للعصبية أو الإقليمية، أو العرفية.
٥- يذيب التصورات العامة، ويخضعها للأفهام في وضوح الفكرة وشفافيتها ونغمة العبارة.
٦- سلامة الأداء، وسهولة العرض، وحسن الترتيب، مما يترتب عليه صحة النتائج، والوصول إلى الحقائق.
وهذا جزء من مقال له عن "الله وحياة الإنسان في فكره وسلوكه" جاء فيه: "إذا استثنينا عددًا من الرجال قد لا يزيدون على أصابع اليد الواحدة، منذ عرفت الدنيا فكرًا ومفكرين، فتستطيع القول على سبيل اليقين، لا على سبيل الظن بأن صحائف الفكر البشري، لم تشهد إنسانًا بغير عقيدة في إله، وكل ما حدث من أوجه الاختلاف في هذا الصدد، فهو منحصر في الصورة التي تصور بها هذا الإنسان أو ذاك الله كيف يكون، وإلا فما الذي فعله شيخ الفلاسفة أفلاطون، إذا لم يكن قد أخذ يقيم بناءه الفكري على شكل هرمي، أعني أنه أخذ يصعد بالأفكار الدنيا إلى طبقة أعلى، فأعلى فأعلى حتى بلغ ذروة الهرم، وإذا بهذه الذروة هي الله كما تصوره وهي "فكرة الخير الخالص". فالله هو ذلك الخير المجرد الذي رأى أفلاطون أنه ما من كائن على وجه الأرض، إلا وقد يسعى نحو تحقيق ذلك الخير".
"فلو وضعنا هذا التصور الأفلاطوني، في لغة قريبة من اللغة التي نستخدمها نحن اليوم، في إطار عقيدتنا، لقلنا: إن ذلك التصور إن هو إلا تصوير يوضح معنى الآية الكريمة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إن كل من في السماء والأرض وما في السماء والأرض إنما ينحو نحو غاية عليا، هي الله ﷾: "بلغتنا نحن" وهي الخير الأسمى بلغة أفلاطون، ثم ماذا فعل أرسطو من بعد أفلاطون إذا لم يكن قد كرس أهم ما في فلسفته لكي يصور فكرته الأساسية التي تجعل هذا العالم مسيرة تظل ترتقي إلى ما هو أعلى ثم أعلى ثم أعلى، بحيث يكون طرف الابتداء هو
[ ٢٣٤ ]
مادة غير ذات خصائص تميزها، وهو ما يسمونه اصطلاحًا "الهيولا" ويكون الطرف النهائي لشوط تلك المسيرة صورة غير مختلطة بمادة أعني كمالًا، لا تشوبه نواقص المادة، تلك الصورة هي بمثابة الغاية المثلى التي تجذب إليها: العالم بكل من فيه وما فيه، وهي الله ﷾.
فإذا تركنا العصر اليوناني القديم، ونظرنا إلى خمسة عشر قرنًا تمتد من القرن الأول للميلاد إلى القرن الخامس عشر فلا نكاد نقع على مفكر واحد، أو على فكرة واحدة من الأفكار الكبرى، خلال تلك الفترة الطويلة إلا ونجد أن الموضوع الأساسي المطروح للنظر، إنما هو حقيقة الخالق جل وعلا كما وردت في الكتب المنزلة، سواء كان ذلك كتبًا منزلة على الرسل قبل الإسلام، أو كان ذلك الكتاب هو القرآن الكريم الذي آمن به المسلمون، وذلك هو أن محور التفكير خلال تلك القرون هو بصفة أساسية محاولة النظر في الكتاب المنزل عند المسلمين أو عند غيرهم إما لشرحه ومحاولة فهمه الفهم الصحيح، وإما للنظر فيما يربطه بالفكر العقلي كما ورد عند الفلاسفة الأقدمين بمعنى أن يسأل المفكر نفسه قائلًا: هل في هذا الكتاب المنزل، ما يتعارض مع ما أملاه العقل والعرف على رجال العقل؟!. ومعنى ذلك كله هو أن فكرة الخالق جل وعلا، كانت مشغلة الفكر البشري في تلك الفترة، سواء كان ذلك بصورة مباشرة، أو بصورة غير مباشرة".
"ثم جاء العصر الحديث بادئًا بما يسمى بالنهضة الأوروبية منذ القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر فماذا نجد عند مستهل تلك الفترة الأخيرة! نجد عند الباب عملاقًا في دنيا الفلسفة هو "ديكارت" ولعلنا نعلم أن الفلسفة "الديكارتية" ركزت على الاعتقاد بوجود الله؛ لأنه اعتقاد لا يمكن فهم الوجود الإنساني بفكرة من الداخل، ويجسمه من الخارج إلا إذا كان الوجود الإلهي متضمنًا. وحتى الفلاسفة المعاصرون الذين تغلب عليهم النزعة الطبيعية التي ملخصها أنه ليس وراء هذه الطبيعة شيء، فلا يفوتهم أن يتصوروا الله على هذه الخلفية نفسها بصورة ملائمة لمذهبهم كأن يقولوا مثلًا: إنه هو بمثابة القوانين الخافية عن البصر، والتي تنبث في الكون فتنظمه، أو أن يقولوا إنه بمثابة الدفعة الباطنية التي تدفع
[ ٢٣٥ ]