من أعلام النهضة ورجالات العلم والأدب والفلسفة، والرياضات في لبنان، بذل جهودًا لا تنكر في ميدان الثقافة العلمية، والأدبية: وصفًا وترجمة وتلخيصًا. فبر بها أقرانه، وسما على أترابه، وزاعت شهرته، وتردد ذكره، لحبه للبحث، ورغبته في التحقيق والتنقيب عن قضية علمية أو نظرية فكرية.
دبج في مجلته "المقتطف" مقالات حافلة بالأبحاث العلمية والأدبية والفلسفية والتاريخية والاقتصادية والزراعية، وكذلك السحر والتنويم المغناطيسي -منزهًا عن كشف البخت والتنجيم- ومناجاة الأرواح، ومذهب النشوء والارتقاء، وكلها تكشف عن حقائق كاتب -إذ ذاك- في مجال الطبيعة، وتسفر عن أراء معيبة.
ظهرت براعة يعقوب صروف في الترجمة العربية الصحيحة العلمية الحديثة، فقد وضع كلمات عربية لمسميات علمية: إنجليزية وفرنسية مثل الأحافير، وعلم النفس، والمثل الأعلى، ومناجاة الأرواح، وتنازع البقاء، وغير ذلك من المسميات، وأخذ يلاحق تعريبها أولًا بأول، حتى يقف القراء على أحدث النظريات العلمية، وفي الوقت نفسه يحافظ على قواعد العربية. يقول مصطفى صادق الرافعي:
"انتهى شيخنا "صروف" في العهد الأخير إلى أن صار بعد وحده حجة اللغة العربية في دهر من دهورها العاتية، لا في الأصول والأقيسة والشواذ، وما يكون من جهة الحفظ والضبط والإتقان، بل فيما هو أبعد من ذلك، وأراد بالمنفعة على اللغة وتاريخها وقومها، بل في ما لا تنتهي إليه مطمعة أحد من علمائها وأدبائها، إذ وقع الإجماع على أنه انفرد في إقامة الدليل العلمي على سعة العربية وتصرفها وحسن انقيادها وكنايتها، وأنها تؤاتي كل ذي فن على فنه، وتماد كل عصر بمادته، وأنها في دقة التركيب ومطاوعته مع تمام الآلات والأدوات بحيث ينزل منها رجل واحد بجهده وعمله منزلة الجماعات الكثيرة في اللغات الأخرى كأنها آخر ما انتهت إليه الحضارة قبل أن تبدأ الحضارة"١.
ويتضمن باب "الأسئلة والأجوبة" بمجلدات المقتطف أجوبة مفيدة في مختلف العلوم والفنون والحوادث، تدهش العقول لما وعى صدره من حقائق، واستقر في ذهنه من معلومات، وما انتهى إليه من نتائج وأحكام،
_________________
(١) ١ راجع: المقتطف المجلد ٧٢ ص٢٣.
[ ١٧٨ ]
وتكشف عن سعة علمه وأصالة فكره، وتعد مرجعًا موثقًا يرجع الباحثون إليها.
أسلوب صروف:
تكشف مقالات يعقوب صروف عن أسلوب الأديب والمأدب والعالم الذي: "أغنى لغتنا المبينة ألفاظًا وتعابيرًا، أو أفكارًا وتصانيف لم تكن معهودة في سابق العهد، وكل ذلك بقدر واف لا ينكر" ويتميز أسلوبه بسمات أهمها:
١- استقامة اللغة، ووضوح البيان، وصفاء العبارة، مع غزارة علمه، وسعة اطلاعه، وصدق نتائجه وأحكامه.
٢- يتم عن عقل واع، وفكر نير، يسجل ما يراه دون مراوغة أو التواء أو غموض.
٣- البعد عن المجازات، وعدم اللجوء إلى الكتابات، ومن هنا جاء واضحًا لا لبس فيه ولا غموض.
٤- يتناول صلب الموضوع دون مقدمات في عبارة سهلة، لا تلجئ القارئ إلى البحث عنها في المعاجم.
٥- تحري الصدق والأمانة، وتخير الألفاظ والعبارات دون تأويل أو تعمية، مع البعد عن أي صناعة لفظية.
٦- إبراز المعاني في بيان عربي، يجمع بين وضوح المعنى، وسلامة اللغة، وسهولة الأداء.
٧- يكشف عن سعة العلم، وأصالة المعرفة، وغزارة المادة، وسلامة الفكرة.
وهذا جزء من مقاله "الرأي القديم في الفلك" جاء فيه:
"أدرك الذين راقبوا الفلك من القدماء أن القمر بعيد جدا عن الأرض وأن الشمس أبعد منه، وأن نوره ليس أصليا بل مستمد منها، كما أن نور الأرض مستمد منها أيضًا، وأن خسوف القمر ناتج عن وقوع ظل الأرض
[ ١٧٩ ]
عليه. فهي كرة؛ لأن ظلها مستدير والشمس أكبر منها؛ لأنها تجعل لها ظلا طويلا صنوبريا، وهو الذي يخسف القمر بالمرور فيه، وقد استغربوا كما يستغرب العامة الآن كيف تغيب الشمس في الماء عند الأفق الغربي، ثم تظهر في الصباح عند الأفق الشرقي، وأغرب من ذلك أن القمر يغيب مثلها ويطلع مثلها، ولكنه يخالفها في أزمنة شروقه وغروبه، وفي تغير وجهه، وكذلك النجوم تشرق وتغرب، ولكنها لا تكتفي بهذه الدورة اليومية حول الأرض، بل تدور حولها دورة سنوية أيضًا، كأن السنة الأرضية وهي ٣٦٥ يومًا ونحو ربع يوم حاكمة على الشمس والقمر والنجوم.
والكواكب السيارة مشمولة بهذا الحكم، ولكن كل واحد منها خاضع لسير آخر خاص به، رأوا كل ذلك فأخذوا يبحثون عن أسبابه أي عن القوانين الطبيعية المتسلطة على الشمس والقمر والنجوم من حيث علاقتها بالأرض وعلاقتها بعضها ببعض، وأول حقيقة اكتشفوها وتحققوها هي أن الأرض كرة قائمة في الفضاء على لا شيء، وبذلك فسروا كيفية دوران الشمس والقمر والنجوم حولها أي فوقها في النهار، وتحتها في الليل".
"وأن القمر أقرب الأجرام السماوية إليها ففلكه أو مداره أقرب من كل الأفلاك إلى الأرض، وفوقه فلك عطارد ثم فلك الزهرة ثم فلك الشمس ثم فلك المريخ، ثم فلك المشترى ثم فلك زحل ثم فلك النجوم. وينسب هذا الرأي إلى "بطليموس" العالم اليوناني الذي نشأ في الأسكندرية بين سنة ١٠٠- ١٧٠ للميلاد، وهو الرأي الذي جرى عليه الغرب لما تعلموا الفلك من كتب اليونان، ونقلوا كتاب بطليموس المعروف "بالمحبسطي" إلى العربية، وزادوا عليه تحقيقًا واكتشافًا، لكنهم لم يخالفوا رأيه من حيث دوران الشمس وسائر السيارات حول الأرض ولو قالوا إن الشمس أكبر من الأرض".
وقد جمع الشيخ ناصيف اليازجي أسماء هذه السيارات حسب ترتيبها من الأبعد إلى الأقرب في بيتين هما:
تلك الدراري زحل فالمشترى وبعده مريخها في الأثر
شمس فزهرة عطارد قمر وكلها سائرة على قدر
أما كيف عللوا حركات هذه الكواكب على اختلاف أنواعها، فمما يطول شرحه، وبقي رأي "بطليموس" شائعًا معمولًا به ١٤٠٠ سنة بعد وفاته.
ومن يطالع "الزيج الصابي" الذي وضعه أبو عبد الله محمد بن سنان بن جابر الحراني المعروف "بالبتاني" المتوفى ٩٢٩ للميلاد، أي: منذ نحو ألف سنة يعجب مما كان القدماء يبذلون من الجهد والعناء في تعليل حركات الشمس والقمر والكواكب والنجوم والفلك كله بحسب هذا الرأي مع قلة وسائلهم. هذا هو مذهب "بطليموس" في هيئة الفلك وخلاصته أن كرة الأرض قائمة في مركز الكون، وأن الشمس والقمر والنجوم السيارة وغير السيارة تدور حولها دورة كاملة كل يوم من الشرق إلى الغرب، كما يظهر لعين الناظر"١.
وهكذا كان يعقوب صروف يهتم بنشر العلم على لسان الصحافة، فخلف وراءه من مجلدات المقتطف ما يزيد عن ثلاثة وسبعين مجلدًا، جمعت علوم العصر وآدابه ومخترعاته واكتشافاته، بأسلوب سهل ولغة سليمة وتراكيب صحيحة، فبعثت نهضة فكرية أنارت الطريق أمام الباحثين.
_________________
(١) ١ راجع: بسائط علم الفلك ص٤-٦ من مقال في الفصل الثاني.
[ ١٨٠ ]