نعني به الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى ١٩١٤-١٩١٨، وتاثرت بأحداث ثورة الشعب ١٩١٩، وامتدت حتى الحرب العالمية الثانية ١٩٣٩-١٩٤٥. في هذا الطور بلغ النشاط السياسي، والوعي الفكري، والنضوج الأدبي ذروته، ووقعت أحداث جلية على مسرح الحياة السياسية والاجتماعية والأدبية، فاتقد النشاط الصحفي بتعدد الأحزاب والصحف اليومية والأسبوعية لا سيما بعد موت سعد زغلول ١٩٢٧، وانقسام الأمة إلى طبقات.
خلال هذا الطور ظهرت صحف عديدة، كان لها تأثير عميق في الحياة بصورة عامة مثل جريدة "السفور" ١٩١٥ لعبد الحميد حمدي، و"الوجدانيات" ١٩٢١ لمحمد فريد وجدي، ثم صحف الثورة مثل: "الاستقلال" ١٩٢١ لمحمود عزمي، و"البلاغ" ١٩٢٣ لعبد القادر حمزة، و"كوكب الشرق" ١٩٢٤ لأحمد حافظ عوض، و"الأخبار" ١٩٢٥ لأمين الرافعي، و"الأسبوع" ١٩٢٦ لعبد القادر المازني. ثم تلتها صحف أخرى مثل: "وادي النيل" ١٩٢٩ لمحمد توفيق دياب، و"الشعب" ١٩٣٠ لسان حال حزب الشعب الذي قاده إسماعيل صدقي، و"المساء" ١٩٣٠ التي رأس تحريرها أحمد محرم، و"الجهاد" ١٩٣١ لمحمد توفيق دياب، و"روزاليوسف" ١٩٣٤ لفاطمة روزاليوسف، و"المصري" ١٩٣٦ لمحمود أبو الفتح، وغيرها من الصحف.
[ ٥٣ ]
حفل هذا الطور بنفر من الكتاب، فيهم الناقد والمؤرخ والمربي والمتفلسف والخطيب والسياسي والقاص وغيرهم ممن شاركوا في تجديد الأدب ودعمه بآثار خالدة من أمثال: يعقوب صروف ١٩٢٧، وعبد العزيز جاويش ١٩٢٨، ومحمد إبراهيم المويلحي ١٩٣٠، وجبران خليل جبران ١٩٣١، ومحمد رشيد رضا ١٩٣٥، ومصطفى صادق الرافعي ١٩٣٧، وأمين الريحاني ١٩٤٠، ومي زيادة ١٩٤١، وعبد العزيز البشري ١٩٤٣، وشكيب أرسلان ١٩٤٩، وإبراهيم عبد القادر المازني ١٩٤٩، وخليل مطران ١٩٤٩، وزكي مبارك ١٩٥٢، وأحمد أمين ١٩٥٤، ومحمد حسين هيكل ١٩٥٦، وسلامة موسى ١٩٥٨، وعباس محمود العقاد ١٩٦٤، وأحمد حسن الزيات ١٩٦٨، وطه حسين ١٩٧٣.
تبارى كتاب هذا الطور على صفحات الجرائد المختلفة، حتى شهد المجتمع الأدبي صراعا بين أنصار القديم بقيادة مصطفى صادق الرافعي ودعاة التجديد بزعامة طه حسين، وأسفرت المعركة عن انتعاش الفكر العربي الحديث، وهيأت أدبا عربيا حديثا له شأنه وكيانه. وشاركت المرأة في الحياة الأدبية، فكان لندوة "مي زيادة" أثرا في حياة الأدب والأدباء، وظهرت أقلام بعدها لموهوبات من أمثال: عائشة عبد الرحمن، وسهير القلماوي، وأمينة السعيد، وفدوى طوقان، ووداد السكاكيني، وملك عبد العزيز، ونازك الملائكة.
أدت جهود هؤلاء جميعا إلى إذكاء الفكر، وبعث الروح الوطنية، وتطور النثر ورقيه، وأصبح المقال أوضح فكرة، وأشمل موضوعا، وأكثر تفرعا، ودان لما حققته الصحافة من نضج وإتقان، وحذق وكمال، وجلال وجمال.
ونسوق إليك نموذجا من كتابات هذا الطور، يصف زكي مبارك أسلوب أحمد حسن الزيات في كتابه "وحي الرسالة" فيقول:
"هو أسلوب كاتب يؤمن بأن الكتابة فن من الفنون، فهو لا يكتفي بشرح الغرض الذي يرمي إليه، وإنما يتجه عامدا متعمدا إلى تأدية المعنى تأدية جميلة توحي إلى القارئ فكرة العناية بالأسلوب الأنيق. والزيات يغرب في بعض الأحيان، ومعنى ذلك أنه يوشي كلامه بالألفاظ الغربية من حين إلى
[ ٥٤ ]
حين ليحول تلك الألفاظ إلى الكلام المأنوس، وفي ذلك منهج مقبول في إحياء المهجور من المفردات اللغوية، فلم تخلق تلك المفردات مهجورة، وإنما عاشت دهورا ثم تناساها الكتاب والشعراء، فأضيفت ظلما إلى القريب.
والزيت لم يبتر هذا المنهج بين أدباء العصر الحديث، فقد اختطه المرحوم الشيخ حمزة فتح الله، والمرحوم السيد توفيق البكري، ودعا إليه استأذنا الشيخ محمد المهدي، ولكن مزية الزيات هي القصد في الإغراب بحيث لا يقع منه في المقال الواحد غير لفظة أو لفظتين، وذلك يزيد ثروة القارئ من الوجهة اللغوية بدون أن يوقعه في التعنت والارتباك.
ويستطيع الدارس وهو يراجع "وحي الرسالة" أن يقيد هذا النوع من المفردات؛ لأن إحياء تلك المفردات خصيصة أصيلة من خصائص هذا الكتاب، ولتوضيح هذه المسألة أذكر كلمة "الريازة" بمعنى العمارة، ثم أترك للدارس حرية الاستقصاء ليعرف أنه قرأ واستفاد"١.
ويتحدث أحمد أمين عن "عينية" ابن سينا فيقول: "العينية هذه تدور حول حالة النفس قبل اتصالها بالبدن، وبعد اتصالها به، وبعد مفارقتها له، فهو يرى كفلاسفة القرون الوسطى أن النفس كانت قبل البدن بعهد طويل، تتمتع بكل ما تتمتع به العناصر الروحية المجردة، ثم تحل بالأجساد حين يخلق الجسم في الرحم فتحل فيه وهي كارهة، ولكنه إذا طالت مدتها ألفته، ثم إذا هي فارقته بالموت فارقته وهي كارهة. والجسد يجري من النفس مجرى الثوب من البدن، فإن الجسد يحرك الثوب بواسطة أعضائه الظاهرة، والنفس تحرك البدن بواسطة قوى حقيقية مناسبة، فهي التي تحرك العين واليد والرجل وغيرها، فإذا فارقته عدم الحركة. وكلمة "الإنسان" تطلق عليهما معا، وتطلق على النفس حقيقة، وعلى الجسم وحده مجازا، كما يسمى ضوء الشمس شمسا، وهذه النفس لا تتجرأ بذاتها، وإنما تتجزأ بأعراضها، وليست النفس في البدن كالماء في الإناء، إذا فرغ الماء بقي الإناء كما هو حين حلوله به،
_________________
(١) ١ راجع: زكي مبارك ناقدا ص١٦ وما بعدها، طبعة الشعب ١٩٧٨.
[ ٥٥ ]
والجسم لا يكون كما هو عند مفارقته النفس، ولا النفس كالحلاوة في العسل؛ لأن الحلاوة عرضية، ولأن النفس رئيسة للبدن، والبدن مرءوس. وليست الحلاوة عرضية، ولأن النفس رئيسة للبدن، والبدن مرءوس. وليست الحلاوة رئيسة للعسل، وإنما هي بمنزلة شعاع الشمس -كما قلنا- وهي حية بذاتها، والكون كله مظاهر للنفس، فلكل شيء في الكون نفس وهو مظهرها، وهي مفطورة على صورة الفاطر جل وعلا؛ ولذلك جاء في الحديث: "إن الله خلق آدم على صورته" ١.
وبمثل هذه الكتابات أصبح المقال يشبه الكتاب الصغير الذي يضم القديم والجديد في الأدب، ويترجم لأعلام الغرب والشرق، ويقدم دراسات في الفنون حينا، وفي الشعر والشعراء حينا آخر، وفي النظم السياسية حينا ثالثا. وبذلك وصل الكتاب في مقالاتهم إلى درجة الإبداع، وتخصص نفر منهم في مجالات الفكر والأدب، فوضعوا أمام الأجيال منارات تهدي إلى أقوم السبل في الحياة الأدبية.
ومن ثم وطدت دعائم المقال الأدبي، ورسخت أصوله حتى أصبح معرضا لكثير من ضروب المعرفة، وحقائق الأدب، وألوان الثقافة، وبذلك أوجد وعيا علميا وأدبيا فنيا، ونهض يعمق شعور القراء، ويساعدهم على تفهم الحقائق حولهم في ضوء غامر من النقد والتحليل والمعرفة.
ولا نبالغ إذا قلنا: إن هذا الطور شهد خلق الوعي الاجتماعي، والإبداع الأدبي، وتعدد فنون القول، وأصبح المقال فيه أداة التعبير في التأليف والترجمة والإذاعة والصحافة وشتى ألوان النثر.
_________________
(١) ١ راجع: فيض الخاطر جـ٩ ص١٧٨ وما بعدها، الطبعة الأولى ١٩٥٥.
[ ٥٦ ]