أولا: المقال بالنسبة لموقف الكاتب
يكون المقال بالنسبة لموقف الكاتب ذاتيا أو موضوعيا، وقد يكون موضوعيا ذاتيا، ويفرق بينهما بأن المقال الذاتي تبدو فيه شخصية الكاتب واضحة، ويفيض أسلوبه بالعاطفة، ويستند إلى الصور الخيالية، الصفة البديعية، ويزخر بالألفاظ القوية، والكلمات الجزلة. أما المقال الموضوعي فالكاتب فيه يجلو موضوعا معينا، ويقوم على تصميم محكم، وتنسيق بديع، ويخلو أسلوبه من الحشو والاستطراد، ويعتمد على المصطلحات مع ضرورة المحافظة على بنائه القائم على المقدمات والعرض والنتائج.
أ- المقال الذاتي:
هو المعبر عن عواطف الكاتب، والمصدر لانفعالاته الصادقة عن ذات نفسه أمام خاطرة عابرة، أو مشهد مؤثر، أو حدث وقع. وتبرز شخصيته من خلال أفكاره الممزوجة بمشاعره المتأججة، معبرا عنها بأسلوب رائق، ولفظ فائق، وخيال خصب، وبيان رائع، ومعان دقيقة. وأنواعه هي:
١- المقال الشخصي:
هو المعبر عن تجارب الكاتب الخاصة، وانعكاسات الحياة في نفسه.
[ ٧٣ ]
وهو لون من الحديث الشخصي، والمسامرة اللطيفة، ويمتاز بتألق الفكاهة، ووضوح السخرية التي تكشف عن اتجاهات الكاتب وألوان شخصيته. وأبرز كتاب هذا اللون: محمد السباعي، وابراهيم عبد القادر المازني، وأحمد أمين، ومي زيادة، وميخائيل نعيمة.
٢- المقال الاجتماعي:
يعالج مشكلة من المشاكل الاجتماعية، وينقد العادات السيئة، والتقاليد الضارة، وينفر مما هو ضار، ويرغب في النافع المفيد. ودور الكتاب فيه المشاركة فيما يدور حولهم على طريقة تقوم على الملاحظة الدقيقة، والعمق والتأمل فيما يحيط بهم، والاتزان في الحكم، والبراعة في التهكم والسخرية، من العادات التي تضر بالمجتمع. وأشهر كتابه: جمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، وقاسم أمين، ومصطفى لطفي المنفلوطي.
٣- المقال الوصفي:
الذي يصور البيئة المكانية التي عاشها الكاتب تصويرا ينم عن إحساس عميق، وبصر نافذ، وإدراك واعٍ، مع دقة الملاحظة والتعاطف مع الطبيعة والوصف الحي الذي ينقل أحاسيس الكاتب ومظاهر الطبيعة، كما تتراءى في نفسه بصدق وأمانة وإخلاص. ويمثل هذا اللون في ادبنا: "وحي البحر" و"بجوار شجرة الورد" و"مع الطير" لأحمد أمين١ و"الصخور" لميخائيل نعيمه٢ و"مجال الطبيعة" للعقاد٣ و"الربيع" للرافعي٤.
٤- المقال الانطباعي:
هو الذي يصور انطباعات الكاتب عن أناس عاش معهم، أو حيوانات
_________________
(١) ١ راجع: فيض الخاطر جـ٢ ص٢، جـ٣ ص٣٥٩. ٢ راجع: البيادر ص١٧٣. ٣ راجع: الفصول ص١٢٨. ٤ راجع: وحي القلم جـ١ ص٢٢.
[ ٧٤ ]
وقع نظره عليها، أو مشاهد اكتشفها، أو تأثر بعالم جديد لم يؤلف. وهذا اللون من الكتابة يحتاج لعقل مرن سريع التأثر والتكيف والاستجابة بما يعن له حتى يدرك المعاني التي تكمن وراء ما تقع عينه عليه. وأمثلة هذا اللون عديدة في أدبنا المعاصر مثل: "رحلة" لأحمد أمين١ و"في الزورق" للعقاد٢ و"رغيف وإبريق ماء" و"غدا تنتهي الحرب" لميخائيل نعيمة٣.
٥- مقال السيرة:
يترجم الكاتب فيه سيرة إنسان حي، ويعكس مدى تأثره به وانطباعه عنه. والكاتب يه يعتمد على حسن التنسيق، وجلال التعبير حتى تبدو الشخصية الموصوفة كأنها تحدثنا، فتعجب بها إذا راقتنا، وتنفر منها إذا ساءتنا. ومن أمثلة هذا اللون في أدبنا: "شخصية عرفتها" و"الشيخ مصطفى عبد الرازق" لأحمد أمين٤ و"حافظ" للبشري٥ و"قاسم أمين الفنان" للعقاد٦ و"العقاد والمازني" لتيمور٧.
٦- المقال التأملي:
الذي يصور مشكلات الحياة الخفية، ويكشف أسرار الكون الدقيقة، ويعلل فوازع النفس البشرية، بحيث لا يلتزم الكاتب فيه بنهج الفلسفة ونظامها المنطقي. ويمثل هذا اللون في أدبنا "ميخائيل نعيمة" في كتاباته التي تكشف عن روح الشرق، وتنبه إلى خصائصه الروحية والفكرية.
_________________
(١) ١ راجع فيض الخاطر جـ٢ ص١٠٠، جـ٣ ص١٧٨. ٢ راجع الفصول ص٢٥١. ٣ راجع: البيادر ص١٦٦، ١٩٥. ٤ راجع: فيض الخاطر جـ٥ ص٢٦٥، جـ٧ ص٣١٢. ٥ راجع: في المرأة ص١١٣. ٦ راجع: بين الكتب والناس ص٣٣٧. ٧ راجع: ملامح وغصون ص٥٤، ٩٩.
[ ٧٥ ]
ومقالاته في "البيادر" تعكس هذه المعاني١.
ومقالات المرحوم أحمد أمين مثل: "فلسفة المصائب" و"نظرة في الكون و"الحظ"٢.
٧- المقال الساخر:
هو الذي يعتمد على التصوير الكاريكاتيري، ويقوم على التحليل والتوليد، ويظل كاتبه يقلب الصور ويخرجها واحدة بعد أخرى في أشكال متباينة، وأوضاع مختلفة حتى تتناول المعاني التي يمكن أن يحتملها المقام. وأبرز كتابه: عبد الله النديم، وحسين شفيق المصري، وإبراهيم عبد القادر المازني، وعبد العزيز البشري، وثروت أباظة.
٨- المقال الإذاعي:
الذي يقوم على تقديم البرامج والمشاهد والأحداث والمواقف. يخاطب به جموع الشعب على اختلاف مستوياته من خلال وسائل الإعلام. عرف هذا اللون بعد ظهور الإذاعة والجهاز الرائي "التليفزيون" إلى الوجود. ويشترط فيه أن يكون قصيرا يحمل من المعاني أكثر ما يحمل من الألفاظ، من غير عمق وإيفال في صياغة المعنى. ويتناول العديد من فنون النثر بعبارة ميسرة، وأسلوب واضح. ويشترك المذيعون على اختلاف أذواقهم وثقافاتهم في تقديم هذا النوع الذي أصبح مادة ضرورية للشعب. وهذا اللون يحتاج إلى قدرة في التعبير ومهارة في التصوير ليجذب المتحدث المستمعين إليه.
٩- المقال الإنشائي:
هو الذي يصور انطباع الكاتب تجاه حدث معين، أو شعوره إزاء موقف خاص، أو تأثره بسبب مشهد ما. وكاتبه يشبه الشاعر في كثير، ولا يبتعد عنه إلا في موسيقى الشعر المعروفة التي تجعل عمله قصيدة لا مقالا.
ويمثل هذا اللون ما تحفل صحف اليوم من مقالات تدور حول أحداث اجتماعية أو طائفية وغيرها مما يحفل المجتمع ويترك بصماته في ذهن الكاتب. وأبرز كتابه: أمين الرافعي، وسلامة موسى، ومحمد توفيق دياب، وغيرهم من رواد الصحافة في القديم، وفي الحاضرين أمثال: إبراهيم سعدة، وموسى صبري، وعبد الله عبد الباري، ومحسن محمد، وعلي حمدي الجمال، وغيرهم.
_________________
(١) ١ راجع: كتب وشخصيات للمرحوم السيد قطب. ٢ راجع: فيض الخاطر جـ٢ ص١١٧، جـ٣ ص٣٦.
[ ٧٦ ]