يراد بالصحف الجرائد التي تصدر يوميا، والمجلات التي تظهر من وقت لآخر، وقد شاع منذ نهضتنا الصحفية كلمات: الجريدة والصحيفة والمجلة؛ ولذا يحسن أن نقف على المدلول التاريخي لكل منها، حتى نكون على بينة مما يتداول بيننا من الصحف، ويصدر عن دور الصحافة:
١- الجريدة:
الجريدة -في الأصل- سعفة النخل الجافة المقشورة، وإحدى الأدوات التي كتب العرب عليها منذ الجاهلية. وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: $"كتب القرآن في جرائد"، ثم أطلقت على الأوراق التي يتداول الناس قراءتها يوميا أو دوريا. وتسمى "الصحيفة" مرة، و"النشرة" أخرى، و"الورقة" ثالثة. وأصبحت "الجريدة" صحيفة حزب الأمة، ولسان حال أعضائه منذ إنشائه ١٩٠٧ بزعامة أحمد لطفي السيد.
٢- الصحيفة:
الصحيفة -في الأصل- الشيء المكتوب سواء أكان جلدا أو قماشا أو نباتا أو حجرا أو عظما أو ورقا. وتعني الكتاب بمعنى الرسالة. وصحيفة لقيط بن يعمر الإيادي التي بعث بها إلى قومه ينذرهم بعزم كسرى على قتالهم مشهورة في أدبنا العربي القديم ابتدأها بقوله:
سلام في الصحيفة من لغيط
إلى من بالجزيرة من إياد
وختمها بقوله:
هذا كتابي إليكم والنذير لكم لمن رأى رأيه منكم ومن سمعا١
_________________
(١) ١ راجع: مختارات ابن الشجري ص٧٠٢ طبعة ١٣٠٦هـ، والشعر والشعراء جـ١ ص١٥٢ لابن قتبية، والأغاني جـ٢٠ ص٢٤ طبعة "ساسي".
[ ٦١ ]
وهي قصيدة تربو على الخمسين بيتا.. والكتاب على أي حال أعم من الصحيفة.
وقال درهم بن زيد الأوسي يذكر الخزرج العهود المكتوبة على الصحف بينهم فقال:
وأن ما بيننا وبينكم حين يقال: الأرحام والصحف١
وقال قيس بن الخطيم:
لما بدت غدوة جباههم حنت إلينا: الأرحام والصحف٢
والمراد بالصحف: العهود والمواثيق والأحلاف المسجلة في الصحائف.
ومن أشهر العهود والمواثيق العربية "صحيفة قريش" بين بني هاشم وبني عبد المطلب. ولقد وردت كلمة "الصحف"٣ ثماني مرات كلها بصيغة الجمع في القرآن الكريم، ولا حصر لها في كتب رسول الله ﷺ وكتب صحابته رضوان الله عليهم.
٣- المجلة:
المجلة كلمة عربية فصيحة من جل الشيء إذا عظم قدره وارتفع شأنه.
جاء في معجم "لسان العرب": المجلة: الصحيفة فيها الحكمة، يقول النابغة:
مجلتهم ذاته الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب
يريد بمجلتهم "الصحيفة"، وعني بها "الإنجيل" لأنهم كانوا نصارى.
ويروى أن سويد بن الصامت قال لرسول الله ﷺ: لعل الذي معك مثل الذي معي. فقال: "وما الذي معك؟ " قال: "مجلة لقمان"٤.
_________________
(١) ١ راجع: الميكروفيلم بمعهد المخطوطات بالقاهرة ورقة ٢٠. ٢ راجع: ديوانه ص١٩. ٣ راجع السور التالية: طه١٣٣، النجم٣٦، عبس١٣، التكوير١٠، الأعلى ١٨، ١٩، المدثر ٥٢، البينة ٢. ٤ راجع: الفائق في غريب الحديث جـ١ ص٢٠٦ للزمخشري طبعة ١٩٤٥.
[ ٦٢ ]
يريد: كل كتاب فيه حكمة لقمان فهو "مجلة"، وأطلقت في أول الأمر على الكتاب والكراسة. قال أبو عبيدة: كل كتاب عند العرب "مجلة".
وتحدث ابن الأعرابي عن نفسه فقال: "أنه كان في يده كراسة، فلقي أعرابيا، فسأله: ما المجلة؟ فأجاب: التي في يدك".
وفي العصور الوسطى شملت "المجلة" كل ما يتضمن حكمة، فسميت أمثال لقمان الحكيم "مجلة لقمان"، وقيل عن شعر أمية بن أبي الصلت: "مجلة أدبية"؛ لكثرة ما يتضمن من حكم. وانحصرت مهمة "المجلة" في تسجيل ما زخر المجتمع العربي به من صور خلال عصوره المختلفة، وبيئاته المتعددة من مثل: مجالس الأدب والمناظرات والأمالي وتناقل الروايات في الأخبار والأشعار. ولذا قال الراغب: سمي المصحف "مجلة".
وظل هذا المعنى شائعا حتى بداية نهضتنا الحديثة. حتى فرق رواد الصحافة وحملة الأقلام بين الصحف اليومية التي تهتم بالخبر والحدث، فسموا الواحدة منها "صحيفة" وبين الصحف الدورية التي تناقش نظرية وتنقد رأيا، وسموا الواحدة منها "مجلة"، وقصروها على الصحف الأدبية والعلمية والإسلامية واليهودية١ والنسائية والسياسية والاقتصادية والفلسفية، والخاصة بالأطفال والفنون الجميلة والموسيقى والتاريخ والآثار، والمجلات المصورة، وغيرها مما يلقي أضواء جديدة على تاريخ الآداب والعلوم والفنون والثقافة في مصر وبلاد العروبة.
وأول من استعمل لفظ الصحافة بمعناه المعاصر الشيخ نجيب الحداد ١٨٦٧-١٨٩٩ منشئ "لسان العرب" ١٨٩٤ بالإسكندرية٢، وظل الصحفيون لا يفرقون بين الجريدة والمجلة في الاستعمال حتى تولى الشيخ إبراهيم اليازجي ١٨٤٧-١٩٠٦ إدارة صحيفة "الطبيب" البيروتية ١٨٨٤، أشار إلى لفظة "مجلة" فقال: "إنها صحيفة علمية أو دينية أو انتقادية أو ما شاكل ذلك، تصدر تباعا في أوقات معينة"، وتابعته
_________________
(١) ١ صدرت بمصر الصحف التالية: إسرائيل، الاتحاد الإسرائيلي، صهيون. ٢ راجع: تاريخ الصحافة العربية للكونت فيليب أي طرازي.
[ ٦٣ ]
المجلات التي صدرت بعد مجلته. وبلغت الصحف في مختلف بلاد العروبة ثلاثة آلاف وثلاثا وعشرين صحيفة منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي حتى نهاية الثلث الأول من القرن العشرين، وكان لمصر فضيلة السبق في هذا المجال؛ إذ ظهرت جريدة "التنبيه" ١٨٠٠ بمدينة الإسكندرية، والوقائع المصرية في ١٨٢٨ بالقاهرة.
وسنحاول أن نتعرف على أشهر المجلات الأدبية التي أثرت في اللغة والأدب وتطور المقال. ففي لبنان كانت مجلات: الجنان والزهرة والمهماز والنحلة ١٨٧٠، والنجاح ١٨٧١، والمقتطف ١٨٧٦، والمشكاة ١٨٧٨، والجامعة ١٨٩٤، والمشرق ١٨٩٨ للأب لويس شيخو اليسوعي ١٨٥٩-١٩٢٧. وفي فترة ما بين الحربين العالميتين ظهرت المجلات الأدبية التالية: المرأة الجديدة ١٩٢١، ومنيرفا ١٩٢٣، والكشاف والمعرض والجمهور والعرفان والمكشوف والأديب واللواء اللبنانية.
أما في مصر فقد أنشأ اللبنانيون فيها المجلات الثقافية والعلمية، واهتموا بتطويرها وتهذيب أسلوبها، فكانت مجلة النحلة الحرة ١٨٧١ للويس الصابونجي، ومرآة الشرق ١٨٨٢ لخليل اليازجي، والحضارة ١٨٨٢ لميخائيل جرجس عورا، وانتقلت المقتطف إلى مصر ١٨٨٥، وظلت تصدر حتى ١٩٥٢، والشفاء ١٨٨٦ لشبلي الشميل، واللطائف ١٨٨٦ لشاهين مكارنوس، والهلال ١٨٩٢ لجورجي زيدان، ولا تزال حتى اليوم تواصل رسالتها، والبيان ١٨٩٧، والضياء ١٨٩٨، وهما للمرحوم إبراهيم اليازجي، والهداية ١٩١٠ لعبد العزيز جاويش، والزهور ١٩١٠ لأنطون الجميل، والكنانة لشاكر شقير.
وبعد ثورة ١٩١٩ قلد المصريون اللبنانيين في إنشاء المجلات وتنسيقها، فكانت المجلات المتخصصة في مجالات العلوم والفنون والصناعات، وظهرت المجلات التي تهتم بالمقال الأدبي مثل: الثورة ١٩٢٤ لمحمد علي طاهر، والفجر ١٩٢٥-١٩٢٩، وكانت تحفة الصحافة الأدبية، والزهراء ١٩٢٦، والمصور ١٩٢٦، والسياسة الأسبوعية ١٩٢٦، والبلاغ الأسبوعي ١٩٢٦، والمجلة الجديدة ١٩٣٠ للمرحوم سلامة موسى، وقد مزج فيها بين
[ ٦٤ ]
العلم والدين والفن، ثم مجلة أبوللو ١٩٣٢-١٩٣٤، والرسالة ١٩٣٣-١٩٥٢ للمرحوم أحمد حسن الزيات، والشباب ١٩٣٦ لمحمود عزمي، والشباب ١٩٣٧-١٩٣٩ لمحمد علي طاهر، والثقافة ١٩٣٩-١٩٥٣ لأحمد أمين، ولا تزال تصدر حتى اليوم تحت إشراف وزارة الثقافة المصرية، والكاتب المصري ١٩٤٥-١٩٤٨، والكتاب ١٩٤٥-١٩٥٣.
على صفحات الصحف -اليومية والدورية- وعلى أيدي كتابها ظهر المقال بخصائصه وسماته، وأصبح فنا أدبيا له رونقه وجماله، وسحره وجلاله وأثره في النفوس، وغدا أكثر رواجا من الأقصوصة؛ لأن الصحافة لم تخلُ من موضوع في فن النقد أو الأدب أو الاجتماع أو السياسة أو العلم.
وفرضت الصحف أن يعبر الكاتب عن حاجات العصر وأحداثه، ويصور ما يحيط به بأسلوب يسهل فهمه ويمكن إدراكه، دون التقييد بنسق معين أو موضوع محدد، فكثرت الموضوعات وأثرت الحياة ثراء طيبا، لما خاض فيه الفكر، وجاشت به الخواطر، ودبجته الأقلام، فنهض المقال بعد أن ظل يتأرجح بين نقطة يدور حولها في الأداء، وبين الانعكاسات الهزيلة في نفس الكاتب.
ومنذ مطلع هذا القرن عرف المقال طائفة من الكتاب الذين برزوا في مجال الأدب والسياسة والاجتماع، وتميزوا بسعة الاطلاع والتعمق في الثقافة العربية، والوقوف على فنونها من أدب وفن وفلسفة ونقد، بينهم المتعمق في فكرته كالعقاد، والسهل في أدائه كالمازني، والقادر على معالجة مناص الحياة الأدبية كطه حسين. على أيدي هؤلاء الكتاب كانت محاولات التجديد في الأدب العربي، وتطور المقال في مضمونه وأدائه، وتعدد فنونه.
وفي منتصف العشرينات ترددت كلمة "الثقافة" في ظل الصحافة نتيجة لتطور الفكر الصحفي، وظهرت نوعيات من المقالات تجمع بني الأدب والعلم والسياسة عرفت "بالأدب العلمي"، ولما لوحظ التعارض بين الأدب والعلم اتفق الدكتور محمود عزمي والأستاذ سلامة موسى على أن "الثقافة يراد بها الكتابة التي تجمع بين نواحي المعرفة بمفهومها القديم
[ ٦٥ ]
والحديث. ومن ثم حلت كلمة "الثقافة" التي أصبحت تحيط بكل ما يتصل بالنشاط الفكري في العصر الحديث محل كلمة "معرفة" ذات المفاهيم الواسعة في الأجيال القديمة.
وأدى تعدد الصحف الأحزاب إلى ظهور "الهجاء السياسي" وهو لون جديد من أدب المقاقل يصور الحياة تصويرا صحيحا، فاتسعت دائرة المقال وأصبحت أدبية واجتماعية ونقدية. وحملت الصحف دعوات المفكرين لتنشيط الثقافة الأدبية واللغوية مثل: دعوة أحمد لطفي السيد للتقريب بين الفصحى والعامية، التي ترتب عليها تيسير أسلوب الكتابة على الجماهير، ورواج الأدب وتخلصه من الذاتية إلى الموضوعية. واهتمت صحيفة السياسية اليومية بالعديد من النظريات الأدبية، وحرص ناقدها الأدبي طه حسين على تمحيصها بالنقد والإرشاد والتوجيه، كما بسط محمد حسين هيكل على صفحات السياسة الأسبوعية دعوته إلى الأدب القومي الذي يعتمد على التاريخ المصري وطبيعة وادي النيل.
وكشفت مجلة "أبوللو" عن مواهب أدبية مطمورة، تربعت على أريكة الشعر والنقد المعاصر. وحرصت مجلة "الرسالة" على الدراسة الأدبية والنقدية وإحياء اللغة، فأسهمت بقسط وافر في نهضة الأدب الحديث، وتبعتها مجلة "الثقافة" ذات الطابع العربي الرصين، ثم كانت مجلة "الكاتب المصري" التي مال كتابها إلى الانطلاق والتحرر.
أضف إلى هذا كله أن الصحف كانت معرضا للمساجلات الأدبية بين قادة الفكر وأعلام الكتاب كالرافعي والعقاد وطه حسين وزكي مبارك وغيرهم مما غذى الفكر الحديث ببحوث وآراء ونظريات واتجاهات كانت بداية لمرحلة تحول في الحياة الثقافية والفكرية معا.
وهكذا لعبت الصحف وأدى الكتاب دورا كبيرا وفعال في رقي الأسلوب، واتجهت الصحف به نحو الكمال، وأنعشت الفكر، وارتفعت بالعقلية العربية عامة، والمصرية بصورة خاصة، وفتحت آفاقا جديدة في التصوير والتعبير أمام الكتاب والمفكرين، فنهض المقال وتطور، وأصبح أكثر رواجا من فنون الأدب الأخرى.
[ ٦٦ ]