مؤلف هذا الكتاب الدكتور طه حسين ١٨٨٩-١٩٧٣ أستاذ اللغة العربية بالجامعة المصرية بعد أن تحولت حكومية في ١٩٢٤. كان متفتحًا للأراء المجددة في الأدب والحياة على الرغم من تنشئته في بيئة الأزهر المحافظة، ارتبط بعد عودته من باريس بأحمد لطفي السيد والمثقفين من حزب الأحرار الدستوريين، وبدأ ينشر في "السياسة" دراسات في شكل مقالات أسبوعية، جمعت -فيما بعد- في كتاب "حديث الأربعاء" منذ تولى التدريس بالجامعة، بدأ يدرس الشعر الجاهلي مطبقًا موازين النقد الأوروبي، مختارًا منهج "ديكارت" الفلسفي الذي يقوم على الشك حتى يصل الباحث به إلى اليقين، وانتهى من دراسته إلى نظرية انتحال الشعر الجاهلي، وأنه يمثل حياة المسلمين وميولهم وأهوائهم أكثر من حياة الجاهليين، وأن ما ينسب من شعر إلى امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم وغيرهم، إنما هو من انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صفة النحاة، أو تكلف القصاص، أو اختراع المفسرين والمحدثين وعلماء الجدل، أو جاء لنشر دعوة سياسية أو إرضاء للعصبيات.
أثار كتاب "الشعر الجاهلي" حين نشر ١٩٢٦ عاصفة سياسية،
[ ٢٨٢ ]
انعكست على البرلمان الوفدي برياسة سعد زغلول ضد صاحبه، وكادت تعصف بوزارة عدلي يكن، وانتهى الأمر بمصادرة الكتاب، وتقديم مؤلفه إلى القضاء للنظر في هذه القضية.
اتهم طه حسين بالطعن في الدين الإسلامي دين الدولة، وأنه أنكر وجود إبراهيم قبل محمد ﷺ، وأنه وإسماعيل لم يبنيا الكعبة، لكن طه حسينا أنكر ما وجه إليه من تهم، وأنه مسلم لا يرتاب في وجود إبراهيم وإسماعيل، وما يتصل بهما مما جاء في القرآن الكريم، لكنه كباحث مضطر إلى أن يذعن لمناهج البحث العلمي الذي لا يسلم بالوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل إلا إذا أثبت وجودهما بالدليل الذي يقبله العلم.
وشرح طه حسين رأيه في صحيفة "السياسة الأسبوعية" فقال: "كل امرئ منا يستطيع لو فكر أن يجد نفسه شخصيتين متميزتين، إحداهما عاقلة تبحث وتنقد وتحلل، وتغير اليوم ما ذهب إليه أمس، وتهدم اليوم ما بنته أمس، والأخرى شاعرة تلذ وتألم، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب وترهب، كل ذلك في غير نقد ولا بحث ولا تحليل، وكلتا الشخصيتين متصلة بمزاجنا وتكويننا لا نستطيع أن نخلص من إحداهما، فما الذي يمنع من أن تكون الشخصية الأولى عالمة باحثة، وأن تكون الشخصية الثانية ممتعة مطمئنة وطامحة إلى المثل الأعلى"١.
رد كثير من الكتاب على كتاب طه حسين في الصحف باعتدال تارة، وعنف أخرى. جمعت مقالات الردود في كتب نشرت فيما بعد، فكان منها "الشهاب الراصد" لمحمد لطفي جمعة، وكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لمحمد الخضر حسين، وكتاب "نقد كتاب في الشعر الجاهلي" لمحمد فريد وجدي، ونشرت مقالات هذه الكتب في صحف المعارضة للأحرار الدستوريين.
وعلى الرغم من إعادة طبع الكتاب بعد حذف أشياء منه، وأضافت
_________________
(١) ١ راجع: السياسة الأسبوعية الصادرة في ١٧ يوليو ١٩٢٦.
[ ٢٨٣ ]
أخرى عليه، وخرج باسم "في الأدب الجاهلي" فقد ظلت الثورة قائمة عليه نحو ما عرف عن أحمد الغمراوي في كتاب "النقد التحليلي في الأدب الجاهلي" ومصطفى صادق الرافعي في كتابه "تحت راية القرآن".
ناقش هؤلاء الكتاب طه حسين في تطبيقه لمنهج "ديكارت" على الشعر الجاهلي، وهل يجعل الشك وسيلة للشك نفسه، أم هو وسيلة لليقين، وراجعوه في بعض الفروض والنتائج والأدلة والبراهين؛ لأن طه حسين عدد دوافع الشك في الشعر الجاهلي فيما يلي:
١- عدم تمثيله الحياة الدينية والعقلية والسياسية والاقتصادية.
٢- عدم تمثيله ما أشيع في الجنوب من اللغة الحمرية.
٣- لا يحتوي على ما يجري في لغة العدنانيين الشماليين من لهجات متفاوتة.
٤- رد أسباب الانتحال إلى السياسة والدين والقصص والشعوبية واختلاف الرواة الوضاعين.
وحملت صحيفة "السياسة" اليومية والأسبوعية أمانة الفكر، ودافعت عن الكتاب ومؤلفه، وردت على مزاعم مهاجميه في الصحف الأخرى. ويؤيد محمد حسين هيكل طه حسين في حرية رأيه بعد تقديمه إلى النيابة للتحقيق، فيقول: "ما يميز البحث العلمي عن سائر البحوث إمكان تحقيقه، كما يكون التحقيق في العلوم الطبيعية بالتجربة أو الملاحظة فهو في العلوم النظرية وفي التاريخ بالرجوع إلى المصادر ودقة تفسيرها ومقارنتها بغيرها، وقد يستغنى عن هذا التثبت في بعض الآحايين بما يقتضيه البحث العلمي من الإشارة في هامش الكتاب١".
ويأخذ على المؤلف إهماله التثبت والإشارة في الهوامش فيقول هيكل: "والبحث العلمي يقضي إمكان تحقيقه علميا بتحقيق مراجعه والمقارنة بينها، ولهذا نرى العلماء لا يكتفون أكثر الأحيان بالإشارة في هوامش كتبهم
_________________
(١) ١ راجع: السياسة الأسبوعية الصادرة في ٢٥ يونيو ١٩٢٧.
[ ٢٨٤ ]
إلى المراجع التي أخذوا عنها والتي يناقشوها بل يذكرون لك كذلك أسماء المراجع الأخرى التي قد تتفق في الرأي معهم، كما يذكرون المراجع التي تخالفهم١".
والخلاصة أن قضية الشعر الجاهلي أسفرت عن وضع أصول جديدة للبحث الأدبي، ترجع إلى جانب علمي يقوم على فحص النصوص الأدبية وتحقيقها واستنباط دلالاتها مع الدقة في التفسير، والتعليل في الأحكام، والتحليل السليم، ومعرفة ما يحيط بها من ظروف ومؤثرات، والجانب الآخر فني يتصل بنقد النصوص وتصوير شخصيات أصحابها، حتى يحيل التاريخ الأدبي إلى عمل ممتع يلذ العقل والشعور معًا.
ويمكن القول بأن قضية الشعر الجاهلي قد أسفرت عن طبيعة الخلاف بين رجال الدين ورجال العلم، يؤكد هذا هيكل ويوجزه في أنه "خلاف على السلطة ونظام الحكم، وقد انتصر رجال العلم ونظموا الحكم واستأثر أنصارهم به في كل أنحاء العالم المتمدن، وبقي لرجال الدين الإشراف على قيام جوهر الدين في النفوس إشراف نصيحة وإرشاد لا إشراف حكم وسلطان٢".
_________________
(١) ١ راجع: السياسة الأسبوعية، الصادرة في ٢٥ يونيو ١٩٢٧. ٢ راجع: السياسة الأسبوعية، الصادرة في ٢٤ يوليو ١٩٢٦.
[ ٢٨٥ ]