الرائد المصري الأول في إحياء الآداب العربية١، وتحقيق عشرات القضايا
_________________
(١) ١ يشترك أكثر من عالم في اسم "أحمد زكي" لكن صاحبنا الذي نتحدث عنه تميزه عبارتان "باشا" و"شيخ العروبة" وهناك أحمد زكي المترجم الأول من مدرسة رفاعة الطهطاوي وأحمد زكي العدوي المحقق بدار الكتب المصرية، وأحمد زكي "الدكتور" رئيس تحرير مجلة العربي، وأحمد زكي "الدكتور" وزير البحث العلمي.
[ ١٨١ ]
والمواقع والمواقف والأعلام وأسماء البلدان وكلمات اللغة، وإدخال علامات الترقيم على الكتابة العربية وفق نسق الكتابة في اللغات الأوروبية. قضى الرجل في ميدان الحياة الفكرية والسياسية نيفًا وأربعين عامًا نشر خلالها كتاباته وأبحاثه في الصحف اليومية حتى آخر حياته ١٨٩٢-١٩٣٤. تضمنت أراءه ونظرياته في الحياة، على نحو واسع وشامل، وتناولتها: المؤيد واللواء والأهرام والمقطم والوطن وكوكب الشرق والبلاغ والدنيا المصورة، وكل شيء ومصر الحديثة والمقتطف والهلال والمجمع العلمي العربي وغيرها من صحف العالم العربي والإسلامي.
تؤلف مقالات أحمد زكي التي تربو على الألف موسوعة ضخمة في تحقيقات التاريخ والجغرافيا والآثار والأعلام واللغة. وبذلك أغنى الفكر المعاصر، وذلل كثيرًا من الصعوبات التي تعترض الباحثين، وكشف طريقًا كان مطمورًا، فعبده لمن جاء بعده من الباحثين والدارسين والمحققين وطلاب العلم والمعرفة.
أسلوب أحمد زكي:
يجمع أحمد زكي في أسلوبه بين العلم والأدب، والفكاهة والسخرية، وعلى الرغم من نشأته في بيئة السجع المتكلف والزخرف الممقوت في أخريات القرن التاسع عشر إلا أنه لم يكن عبدًا للزينة اللفظية، أعانه على ذلك ثقافته الفرنسية على التحرر منها، واتخذ طابعًا خاصا به يميزه عن غيره، ويتسم بالسمات التالية:
_________________
(١) يشترك أكثر من عالم في سم "أحمد زكي" لكن صاحبنا الذي تتحدث عنه تميزه عبارتان "باشا" و"شيخ العروبة". وهناك أحمد زكي المترجم الأول من مدرسة رفاعة الطهطاوي، وأحمد زكي العدوي المحقق بدار الكتب المصرية، وأحمد زكي "الدكتور" رئيس تحرير مجلة العربي، وأحمد زكي "الدكتور" وزير البحث العلمي.
[ ١٨٢ ]
١- تطور من السجع إلى الترسل، ومن الجد المطلق إلى الجد المختلط بالهزل، ومن المقدمات الطويلة إلى الموضوع مباشرة.
٢- غلبة السجع على عناوين مقالاته على الرغم من رصانة اللغة، والأخيلة الطريفة، والتعبيرات الجديدة.
٣- يمزج التحقيق العلمي الجاف بالفكاهة والسخرية والانطلاق في أضواء جديدة، ليخفف على القارئ، ويغريه بالمضي معه.
٤- على الرغم من شيوع المرح في كتاباته لا يتعدى نطاق العلم، أو يؤثر في منطق الحقائق العلمية ذاتها.
٥- وجود لوازم معينة في كتاباته مثل: "قل لي بعيشك" و"يمينًا بالله وكتبه واليوم الآخر" و"يا غارة الله" و"أعرني سمعك رعاك الله" و"سقى الله عهده" و"هذا العاجز" و"هذه دويرتي".
ومن مقال له في "الرد على شبهات اليهود" يرد على الدكتور "هوبارك" من البنجاب الذي أعلن عند مروره بالقدس أن في أفغانستان وبلوخستان والهند ما يقرب من ميلوني مسلم يعدون أنفسهم يهودًا في الجنسية، ويدعون أنهم من بني إسرائيل على اعتبار انحدارهم من إسماعيل بن إبراهيم، وأن أسلافهم جاءوا إلى البلاد المذكورة منذ اثني عشر قرنًا، وهم يعدون التوراه من كتبهم المقدسة.
رد أحمد زكي بعنف وبأسلوب ساخر على هذه الأكذوبة فقال: "هل نظرت إلى هذا الحديث عن نصراني، عن يهودي، عن هندوكي، وقد يكون هذا الهندوكي بوذيا أو برهمانيا، إن لم يكن صهيونيا، أو جشرًا إنجيليا أو إنجليزيا، وأنا أحمد زكي باشا لا أصدق هذه الرواية التي جاءتني اليوم من هندوكي وعن يهودي عن نصراني، فهل من فتى صديق يوافيني بكأس ولكنه من ذياك الرحيق!.
لذلك رأيت من الواجب أن أكاشف قومي بما عندي في هذا الباب، أما أول القصيدة فهو دلالة على الكذب والبهتان، ولا أقول غير ذلك، فإن كان
[ ١٨٣ ]
لليهود جنس فلا ريب ولا جدال بأنهم إلى اليوم، وإلى ما بعد اليوم ليس لهم جنسية، فكيف يكون بعض الأجيال مسلمين دينًا، ويهودًا جنسية، هذا محال بل ظلال.
وبعد فهل هناك مسلمون هم يهود؟
ليس الدكتور "بارك" هو أول من يكاشفنا بهذه الخرافة، ولكن فريقًا من العلماء قبله قد غرتهم أقوال أولئك الأقوام، فقالوا بها أيضًا مثل: بللو وبول وهولدشى، ومثل: رافزتي "ببعض تحفظ من هذا الأخير".
والناس مجبولون على التولع بكل ما هو غريب أو غير مألوف، ولكن هذه النظرية الواهية قد درسها المحققون من علماء الإفرنج، فنقضوها من أساسها، بحيث لا يصلح لعاقل أن يرجع إليها.
أما عكس ذلك فقد أثبته التاريخ الصادق إلى الأمس، فإن جماعة من اليهود تستروا برداء الإسلام ظاهرًا وإلى حين، ذلك أن الإسبانيين حينما طردوهم من "الفردوس الإسلامي المفقود" بعد تقلص ظل العرب من جزيرة الأندلس، ذهب جماعة منهم إلى أرض الترك، وتوطنوا على الخصوص في مدينة "سلانيك" وأجوارها، وقد دعاهم حب الكسب في الغنيمة إلى التظاهر بالإسلام، وهم المعروفون عند الأتراك بلفظ تركي هو "طونة" وينطقونه "دونمة" بدال معجمة مثل دال "دوطية" أولئك اليهود المسلمانيون ما لبثوا بمجرد صدور الدستور العثماني في أواخر حكم عبد الحميد أن عادوا إلى خلع ذلك الثوب الشفاف فصاروا يهودًا كما كانوا لا يزالون.
أما القول بأن توجد على وجه الأرض جماعة هم مسلمون دينًا، بينما هم يهود جنسية فحديث خرافة يا أم عمرو، وكفى الإسلام ما أصابه من جرثومة الفساد "كعب الأحبار" ومن شجرة الظلال "وهب بن منبه" ومن ينبوع الخرافات "عبد الله بن سلام" ومن رابعهم "عبد الله بن سبأ" وقد نالوا منه كل المراد وأصابوه بالدواهي العظام، وأهله غافلون ولا يزالون، أما القول بأن المسلمين في بلاد الأفغال يعتبرون التوراة من كتبهم المقدسة فذلك كلام ليس له برهان، ومصدره الدعاية الصهيونية، والنزعات الاستعمارية"١.
وعلى الجملة فإن أحمد زكي من أعلام الفكر المعاصر، ترك ثروة من التوصيات والتحقيقات في مجال التاريخ والجعفرافيا والأعلام واللغة فكان رائد في هذا المجال، آل على نفسه أن يكون له بين قومه كل يوم موقف،
وفي كل مجال مجال مقال، كما قال:
وقفت على أحياء قومي براعتي وقلبي وهل إلا البراعة والقلب
ولي كل يوم موقف ومقالة أنادي بيوت العرب ويحكموا هبوا
فأما حياة تبعث الشرق ناهضًا وأما فناء وهو ما يرقب القرب
[ ١٨٤ ]