حكى القاسم بن جريال، قال: صبوت مذ نبوت عن العطن إلى المعالي، وعلوت اذبلوت المنخفض من العالي، واحتذيت لاحب التجارب، وأفنيت حلل حلل المحارب، وجريت بين المضارب، جريان الأرواح في العروق الضوارب، فلما فررت من دعابة الهازل، وفررت ناب ناب الخطر المنازل، وعرفت حقائق الأمور، ورشفت ظلم ثنايا الفرص والعمور، أيقنت أن لا نظير للمصري في رائق نفثاته، ولائق منافثاته وبدور كراته، وظهور ثمر مذاكراته، وظاب مطارحاته، ورضاب مناوحاته، وكنت كابدت من صريح صده المقيم، وريح انتزاحه العقيم، ما يكابده قلب السليم، ويردى على ضيق ذرع الحليم، ويعانيه البطين من شدة الذرب، والحزين من حرقة اللهب، فاستولى علي حباب الممات، واحلولى لبعد شقته ارتشاف الوفاة: الطويل: وبت كفرخ ظل في وكر أيكة تصفقها هوج الرياح العواصف
أبيت قنيص الصبر حتى كأنني صرمت نصاح الصبر من عصر آصف
[ ٢٢ ]
وكيف أرى صفو الصلاح وقد صبا إلى صرفه صرف الصروف القواصف
ثم إني جعلت أجول بالمخذم الخشيب، وأميل لنشوة شراب الشباب المشيب، منقبًا عن بقائه، مترقبًا طلائع لقائه، إلى أن رضني رشق جلاهق الإخفاق، وحضني خفق مناسم الإندفاق دفاق دفاق، إلى إربل ذات العلاء والعارفة العلياء، غب غلب الاغتداء وإعنات الذعبلة الرعناء، مع عصبة علوا لبان الاعتراف، وعلو لبان أخلاف الاختلاف، وانتعلوا أعناق المقاطع، واتصلوا اتصال الرياس بالصارم القاطع، فبسملت عند الولوج، وحمدلت لمفارقة رقة الثلوج، وأسرعت في الساع، بعد مقاطعة الإسراع، إلى تحصيل كناس ولم آل فيما رمته كناس، وحين حصلت الجواد، وواصلت الفؤاد بما أراد، ملت مع اجتلاء الزرجون والاصطلاء بحر حمر جمر المجون، إلى محالفتهم، ومحاسن مناوحتهم، لأكشف نصيف إنصافها، وأعرف رصيف انتصافها، فألفيتهم ممن اقتنوا الصلف غرارًا، والرشد منارًا ونارًا، والشرف شجارًا والمجرة وجارًا وجارًا، لا تذر بذر إحسانها بجلمود، ولا تفرق بين سائل البسالة وجمود، تعلو على القمم، باقتناء الهمم، وتسمو على الأمم، بإحياء الرمم: البسيط:
كأنما رضعوا من حيثما وضعوا ثديًا من الصدف في صدر من الذمم
أو قمطوا بقماط ضم جؤجؤهم حال من الحلم محبوك من الحكم
أو هدنوا بمهود هز أحبلها كف من الكف في كوع من الكرم
[ ٢٣ ]
قال: فأقبلت أشتري جمل جماناتهم، وأقتدي قبب مقاناتهم، وأقطف ملح حاناتهم، وأرتشف شبم ديم مداناتهم إلى أن غال غول البين، واستطال سلطان التشوق إلى النيربين، وهجرت طيب الأطيبين وولى نهار اصطباري مكلوم العقبين، فبينا أنا أفكر في الانقلاب، ولو مع عدم الاحتلاب، وأتعلل بالارتحال، ولو مع تفاقم الحال، ألفيت وفدًا وافر الوصائف، واردًا من دار الخلائف قد تواصلوا من أفخاذ البطون، وتقاطعوا تقاطع عضل البطون، فقفوت أثرهم في الخبار، ومقوت عنه قاضب الاستخبار، على أن أسوف عرف، خبره، أو أطوف ببيت من ظفر بمحبره فما انتهيت في طوافي، ولا أنهيت ميدان تطوافي، أو وجدت وصيفه رافلًا في وشاحه، متقلقلًا لثقل سلاحه، فانطلقت به إلى معاني، وأقبلت أنشر له مطوى الشوق الذي أعاني، ثم إني أحسنت عليه القيام، وأقعدت من جسد المقاطعة ما قام، ولما استعملت سير مولاه، وما أولاه يوم ولده، مدحه مدح القارب الديمة، والترائب اللطيمة، وزعم أنه مع محاورة الحرمة الحوراء، رب دست الوزارة الزوراء، وقد أرسله لمهم مع مهامه ليؤوب قبل انسلاخ عامه، فشكرت الله على إقامة سوائه، واستقامة أحوال، حوائه، وأودعته يوم الوداع، كتابًا يشهد بشدة رداع ذلك الصداع، فما نسلخ مسك سلخ شهرين، ولا نضخ مل عيون العين، حتى واصل بجوائه البريد، واتصل بوصوله، ما كنت أريد، ففضضت إحكام ختامه، ووقفت على أحكام أوله وختامه، وصنت نسخته مع ما أصطفيه، فكانت نخب نفائس المسطور فيه: أفدى الكتاب الصادر عن المقام - الأرفع الممجد، والهمام الأروع الأمجد، بل الكريم ذو زادني إقبال قدومه خلة، وألبسني من سرابيل سح إحسانه حلة، الذي أسعد الله مرسله مدى الأدهار، وأمده بمزية مخضلة الأزهار، كلما مننه وردت أقبلت أذود ذود متربتي، وأجود بها على أهل تربتي، فجعلت حين أقبل نحوي ألثمه كالحجر الأسود، والجؤذر المخلد، وأسكنته عينًا بت أنزفها، مذ غاب بدرها ويوسفها ألفًا لفضلك السابق، حيث مننت، وظلك الباسق الذي أنعمت، بامتداده أنت، وإلفًا يمد لصوب مصيرك كفًا ويروم من غيث غوثك وكفًا، فلقد أثار نضيره الإبريز، وعبيره العزيز، لأشواقي غمام الادكار، وأنار بوروده غياهب السرار، أفاض الله سني نعمتك علي، أولى مودتك فيض العباب، وأسبغ علي دروع منتك العارية عن العاب، ورد على يعقوب الكلف وجه يوسف، قرب قربك الصلف، ومن بقميص وصلك على عيني محبك الدنف، فخلته حين وصلت سطور تبره، وحصلت بدور نثره، بعد ساعد كلا، ورائد فلا، قمرًا بزغ ببناني، وشمسًا أشرق بشروقها مكاني، ونجم نجم جده فهداني، فلا برحت تجلا على سرر السؤدد والمنائح، وتبلى بين رماح المحافظة والصفائح، ولا زلت ممن تسود برؤيته الأسود، ويجود بجود جدواه الوجود، وأنا راج ممن به الإسعاد، أن تضمنا الدهر بغداد، لأنهض بواجب خدماتك، وأنعم بكاعب إفاداتك، وأصول على الهم ممتنعًا، وأجول مدرعًا مع حسام وصل يحسم حسم السواد، ويوطد سد يأجوج عناد الإبعاد، رزقت عزًا سلسل تناقله الرواة، وتخضع له العداة، وجدد جلباب جدك الذي بعدما تطرز، وافى شرفه لمزايلة الإشراف، وتعزز بالعز المنزه عن الإسراف، لا فتئت منصورًا بالتأييد، على مر الأزمنة والتأبيد، لتهزم جيش السقم عن ذوي القشف، وتحسم طيش النقم عن ذي اللهف، لأنك أولى من عدل عن الحيف والجنف، وأعلى من اعترف بالشرف لأرباب الشرف، قال القاسم بن جريال: فلما رغبت في إنابها الفياح، وطربت لتلاطم طمها السياح، وأعجبني ما اعذوذب وساغ، وأطربني بصنوف ما صنع وصاغ، جعلت أفكر في خلوها عن قريضه، بعد ما عودني من بدائع تعريضه، فقال لي الوارد بها علي، والمتأود تحت سحابها إلي: أراك واكف الأفكار، وارف الافتكار، فما الذي أزعج غوارب تيارك، وأتجج ذوائب نارك، حتى لقد حاق بك صدر ادكارك، وضاق بعد السعة نظام تقصارك، وتغير حسن أسلوبك، وتزيد زبد شؤبوب شحوبك فإن كان بها ما يفضي صونه إلى الأمان فاستعينوا على أموركم بالكتمان، فقلت له تالله لقد أسأت في مقالك، وأخطأ برثن رئبال بالك، لكنني كنت ألفت مذ به كلفت إتحافي في خلال رسائله الرابية على مسائله بأبيات، تظلني بأشرف رايات، ولم أر بهذه الألوكة أريًا من هذا المطلوب، ولا شاهدت بشهادها شيئًا من حلب ضرع قريضه المحلوب، وإني لأخشى أن تغيره المناصب، ويستوي لديه الجازم والناصب، وحاشاه من
[ ٢٤ ]
مشابهة الأسقاط، والمزاحمة على لقاط هذا اللقاط، فقال: اعلم أنما غشيك من يم ظنك وهم، وكبا بوهم حدسك نضو فطنة ووهم، فطلق ما أهمك وهمك، وخالع عرس ما أهمك وهمك، قال: فراجعت مكاتبته الفريدة، لأستولد مقالته المفيدة، فإذا طرفاها، قد نطقا به وفاها، ونشر عرف المعرفة وفاها، وفتح مفتاح الحكم نطقها وفاها، فكانت: البسيط: ابهة الأسقاط، والمزاحمة على لقاط هذا اللقاط، فقال: اعلم أنما غشيك من يم ظنك وهم، وكبا بوهم حدسك نضو فطنة ووهم، فطلق ما أهمك وهمك، وخالع عرس ما أهمك وهمك، قال: فراجعت مكاتبته الفريدة، لأستولد مقالته المفيدة، فإذا طرفاها، قد نطقا به وفاها، ونشر عرف المعرفة وفاها، وفتح مفتاح الحكم نطقها وفاها، فكانت: البسيط:
أفدي الكريم الذي أقبلت ألثمه ألفًا وألفًا لأشواقي أولى الكلف
فخلته قمرًا تجلى برؤيته بغداد مع سلسل وافى على اللهف
بل حلة وردت نحوي ويوسفها أنت العزيز على يعقوبك الدنف
فلا برحت تسود الدهر مدرعًا عزًا تطرز بالتأييد ذي الشرف
فحين سهرت لنشوة إنشادها، وسكرت من سلافة انحشادها، أيقنت أنه مسدد الأسجاع، مؤيد بمخاذم الاختراع، سارب في مسارب هذي لأساليب، شارب من مشارب هذه الشآبيب، يتسلط على الإنشاء، تسلط النهشل على الشاء ويترنح بهذا الانتشاء، بين رقل وشيه والأشاء، ولما عجبت بانتصاب تمييزه، وانصباب لباب وجيزه وتعجيزه، وتهذيب ألفاظه وتنويهه، ونبيه إيقاظه وتنبيهه، أخذت أفكر في محض محض خطابه، وبض نض نضير ما خطابه، وفتح باب رد جوابه، وقبح إهمال رفع قدر جوابه، فكنت كمن رام من الربع الدارس كلامًا، والجهام المتقاعس انسجامًا، وعلمت أن جمانه لا يعارض بجزع حقير، وفيضه لا يناقض بنضح جزع يسير، فتقمصت قمص الإنصاف، ونقصت نقص ضرب الأنصاف في الأنصاف واقتصرت يوم ظعن غلامه، ونشرت للرحلة أعلامه، على بيتين اقتضبتهما، وكلفت القريحة لهما وهما: البسيط:
أنى أقابل بحرًا فاض لؤلؤه بنغبة من غدير غير فياض
أم كيف أرفل في ثوب به قصر من الفصاحة رث غير فضفاض
ثم إني جانبت الجفول، وودعت القفول، وأودعتهما الرسول، وجعلت الوسيلة في لقاء الرسول.