أخبرَ القاسمُ بنُ جريال: قالَ: دعاني أوانَ غابَ الغباوةِ المغمورِ، إلى بيتِ المقدس المعمورِ، كفُّ زندِ الزمنِ الغَرورِ، ومُحيْعَلُ الطمَع مِنْ منارة الغُرورِ، فكتمت لذلكَ الغرض ما خفيْتُ، وأظهرتُ لَهُ ما كنتُ أخفتُ، ثمَّ أرخيتُ شُرُعَ الامتيار، وانتحيتُ لاختبارِ تلاتلِ الاختيارِ، وصِرْتُ بعُروض حَميدةِ الإحماض وعروض عريضةِ الأعراض، إلى أنْ أنْختُ بِها كلكل الكلالِ، ونفختُ في نار وقود ذلك الاستقلالِ، ثم بادرتُ قبلَ اتخاذِ الغرفةِ المنيفة، إلى زيارَةِ الصخرةِ الشريفةِ وحينَ صارمتُ مصاحبةَ الأمزارِ، وأمَّلتُ حَطّ حقائبِ الأوزارِ، أقبلْتُ على المبيع وأخذتُ في عَبِّ ربيع ذيّاكَ الربيع، وكنْتُ مَعَ ذلك الإلهام، ورَفْع تِيجانِ هذه الهام، عازمًا على مجاورةِ صخرتهِ، طامعًا في اقتناءِ ثَوابِ آخرتهِ، فَيسَّرَ اللهُ ما ارتجْيتُهُ، وقدّمَ القدرُ القدمَ الذي أرجيتُهُ، فلمّا انقضتْ مدةُ الأسبوع، وبَقي لبزوغ شمس الخطابةِ مسافةُ الأصبوع قصدْتُ المصلّى وصلّيتُ بحلَبةِ المبادرةِ مَعْ مَنْ صَلّى، وعندَ ما استبانَ طلوعُ الخاطب، وبانَ ظهورُ حفول المصاطِبِ، برزَ ساعيًا عَلى حسامه، راقيًا، إلى مراقى مَقامه، فحينَ وعَى الآذانُ، ودَعَا لدَعوةِ طيبِ خطبتهِ الآذانُ، عطفَ لشغْلِ يدهِ وقال، واَستوَى قائمًا على صَمْصامه وقالَ:
[ ٤٦ ]
الحمدُ للهِ المدركِ، العالمِ المهلكِ، الحاكم الراحمِ، العاصمِ الكاملِ، الطاسمِ الواصلِ، وعدُهُ المواصلِ، سَعْدُهُ السالم، عهدُهُ المسالم حدُّهُ المومَّلِ الإعطاءِ، الوعودِ المسؤولِ، لإسداءَ السعودِ، مسوِّدِ الحُمرِ والسودِ، ومرعرعِ الحُمُرِ والأسودِ، مسعسعِ، الأَسحارِ، ومعسعس الأسحارَ، عالَ عرام سَحِّهِ ولَمَّ، وأحالَ حلول حَسهِ ما ألمَ، ودَرَّ دَرُّ حَمْدهِ وساحَ، ومَد مدُّ وردِه وماحَ، هادم الأعلام، لا إله إلاّ هو الملكِ العلام، أحمدُه وهو المورودُ، وأسألُهُ وهو المُسْعِدُ المَودودُ، حمدًا ملأ دلوحه السماءَ، وسُحوحُهُ العَراءَ، أرسلَ رسولَكُمْ وسَحُّ السَّدادِ مسكور، وعاملُ الأعمال مكسورٌ، ومدارُ الصلاحِ مصلوم وصِدارُ الإصلاحِ موصومٌ، ورأسُ الأمةِ محسومٌ وسِراط السَعادةِ مطسوم وصوامعُ الإعلام مردودة، وطالعُ الإسلام مسدودة، وألْوادُ العَدالةِ مهدودة، وأولاد الدلالةِ موؤدة، سهل اللهُ مسالكَ مَعادهِ، وسوّرَ عساكر إسعاده، وكرَّرَ لآلهِ أكملَ الصَّلاةِ، وأركسَ لهام هِمَمِهِ هَامَ العُداةِ وأسعد الملسوعَ مساعدَهُ وعُمر، وأدامَ مَعْلَمَ علوهِما وعَمُرَ، وسما صِهراهُ صاهلُ السموِّ، وكاهلَ السَّعْدِ والعُلُوِّ، وعلاَ أهلُ دارهِ وآلُها، ما لألأ آلها، وطأطأ رأسُ المِلَلِ كمالُها، وطالَ هامَهُ المكارِم إكمالُها، إعلمُوا عمّركُم اللهُ واعملوا واعلموا عودَ عَمَمَ العَمَلِ، واعملوا وسرحُوا عروسَ إهمالِكُم، وأصلحوا رؤوسَ أموالِ آمالِكم وسارِعُوا لمحاسمةِ الكسَلِ الدِّروَاس، وادرسوا طرُوسَ دروسِ الوسواسِ، وسهِّلوا سلوكِ سراطِكم، واصرمُوا طِوَلَ طُولِ إلطاطِكم، اللهَ اللهَ ومَهالك الدُّولِ، وسمَاعِ مصارعَ الملوكِ الأولِ، حرِمُوا واللهِ محالسةَ الكِلَلِ، وعَدُموا مصادمَةَ الأسَلِ، وحاسَمُوا سُرورَ السُّرورِ، وصارموا صُدورَ الصّدورِ، وهدمَ دُوْرَهم المِحالُ وردمَ درُورَهُمُ الأمحال، وهدَر الدهرُ ما هدروا، وسطر المَلكُ ما أملَوا وما سَطُروا، كَمْ سلَّ مَهْلكًَا، وسدَّ مَسلكًا، وململَ العالمَ، ودمَّرَ المَعالِمَ، وكوّر الطاعمَ، وكدَّر المَطاعم، طالما أَلْهاكُمْ المَدَدُ، وأوهاكُم اللَّدَدُ وأصماكم المَللُ، وأعماكم العَلَلُ، ودهاكُمُ الطِّماحُ، وأعداكُم الاطِّراحُ، وأرداكم الراحُ، وحداكم المِراحُ، أما سدادُكُمُ السِّلامُ، أما رُوّادُكم الدِّمامُ. أما المعاد داركُم، أما الأرعادُ مدارارُكُم، أما حَسَمكُم العَدَمُ، أما أسلمكُمُ السدم، أما وعَدَ وأرعدَ، أما هدّدَ وأرعدَ، أما أسرَ الأكاسرة، أما كسرَ مِرداة المرادةِ الكاسرةَ، إلام أسعدكُم اللهُ سعادة سالمةَ الإكسارِ، ساملةَ الإسكار، أراهط طمعكِم طامرة، ومعاهدُ هلعِكُم عامرة، وأراء لهوِكم دامرة، وأمراءُ وهمكِم آمرةٌ، رُحمًا لكم حال حَسْم السّواءِ، وطمْس الحِواء، ومواصلةِ الصّلودِ، وعكس أدلةِ الصَّلود، ومساورةِ الوهادِ، ومحاورة الأصلادِ وهدم أساس الإحساس، وممارسة السدَرِ المرّاسَ، وصَلْصَلَةِ صوارم السَّام، وحَلْحَلَة حُمَام الحِمام، ألا احملوا سِلع عملكُم وعاملوه، واسأَلوه سدَّ سمِّ سدَرِكُم وسالموهُ، واسمعوا أَمرَهُ وأسمعوهُ، وأرسلوا سَلْمَ مُسالمةِ رَمْسِكم وأسمعوهُ، وامسحوا عُصْمَ معْصَم عدوِكُم واصدعوهُ، أهَّلكُمُ اللهُ لدعِّ المحارم، وردع أدواءِ الطَّمع العارم، وعصَمكُم سُوْر سُورة الإسراء، ومهَّد لكم سُرَرَ سَورة السَّرّاءِ، قالَ الراوي: فحينَ سقطَ لؤلؤ نِثارهِ، وغَبَطَ كُلٌّ بلاغةَ إكثارهِ، ورفَلَ في حُلَل حبره، ونزل عن صَهْوةِ منبرهِ، ألفيتُه المصريّ مُحَلِّي جيدَ النُّجباءِ، ومُجلِّي حَلْبةَ جنْد الخُطَباءِ، فأرجأتُ الاجتماع إلى فراغ المفروضةِ، إسْوة بالخطبةِ المأروضةِ، ولما فَصَم سجودَ مَسْجدِه، وعزَمَ على مُباينةِ مَسْجدِه بادرتُ إلى استلام يدهِ، واستلآم سلاح الأدب لسلِّ مهنَّده، فانطلقَ بي إلى وَكْرهِ، والغَدْرُ ينْضَخُ من سحائبِ نَكرَه ثم قَالَ: لأربَابهِ وَمنْ قصدَ لُبابَ بابهِ: الحمدُ للهِ الرَحيم، المتفضل بردِّ الصِّنْوِ الحميم، الذي كَفَّ عني حروبَ الحوادثِ، وعفَّ بعدي عن محادثةِ المُحادث، فمذ ذُقتُ مرارةَ نَواهُ، ومُزِّقْتُ بقَواضبِ ما كان نواهُ، ما مددْتُ يَدَ التودُّدِ إلى سواة، ولا شددْتُ
[ ٤٧ ]
ظهرَ المُظاهرةِ بسوى سواه، فهو الذي أطلعَ سُهى التنبه لمَنْ سَها، وزها ثمرُ اتحاده وانتهى، ونهى عن مُجانبةِ النّهي وانتهَى: الكامل: هرَ المُظاهرةِ بسوى سواه، فهو الذي أطلعَ سُهى التنبه لمَنْ سَها، وزها ثمرُ اتحاده وانتهى، ونهى عن مُجانبةِ النّهي وانتهَى: الكامل:
وهو الذي ذرأ الخُطوبَ فأَحجمَتْ من بَعدْ إقدام عليَّ ونَهْنَها
وهوَ الذي أهدَى الهدوء لخاطري مِنْ بعدِ ما رقدَ الدُّنُوُّ ونبها
خِلّ بهِ قَمَرُ الأخوَّةِ ما بَدا من قُبْح خَسْفِ خيانةٍ مُتشوِّها
قال: ثم لم يزلْ مدةً حَلِّ بِطاني، يُطمعنِي في مُقاطعةِ أعطاني، ويصرُفني مذ حَلَلْتُ أشطاني، عن مراجعةِ أوطاني، فبينَما أنا أفكِرُ في نَشْدِ جنَاح ضَوء الضَّواحي، وأخُطِرُ في مَسارح الأقاحي مِراحي، إذْ سَحَبَ طَرف مطرفي في مَساحب طَرق طُرَفي طِفْل أسرعُ مِنَ الجرْبياء وألطف من الجارية الجرباء وقالَ لي: أرى قد ضعفَ سببُ انسيابك في إحْضارِ إنسابك، وانقطَعَ صَبُّ صَيْب إرزامكَ عن جوازل ألزامَك فما هذا الفتورُ، وقد تناقَصَ قَرارُ قلبكَ المبتورُ، وما هذا الانفساحُ، وقد تقاصَرتْ خُطَى صبركَ الفسِاح، قالَ القاسمُ بنُ جريال: فلما سَمعْت قَعْقَعةَ تلك الصّواقع، وامتقعتُ بيْرقانِ ذاكَ القولِ الفاقع حَسِسْتُها مَنْحَسةً انسجَمْتْ من مَعينِ أبي نصرِ اللعين، فقلتُ لَهُ: أراكَ هِجْتَ ما بي بجرِّ جِلْبابي، واتَّهمْتُ بالي، بما لم يُؤذِنْ به بَلالُ بَالي، فار حتى من سُكْر هذا المُدام، وأطلعني على طليعةِ إكام هذا الكلام، فقال: اعْلَمْ أنَّ خليلَكَ الخطيبَ، ومَنْ سكَبَ من صِفاتِكَ القَرْقَفَ القطيب، أرسلني أمس عندَ الأثاربِ، إلى بعض أربابِ المراتبِ، برُقعةٍ رقعت من حالكَ ما انخرَقَ، وبرقعَتْ برقَ إملاقِك بعدَ ما بَرَقَ، فنَشْرتُها لأنْظُرَ سطَورَها، وما الذي أَودعَ مَسْطورَها، فإذا فيها: الطويل:
يُقبّلُ كفا عودت بثلاثةٍ بجُود، وتَقْبيلٍ وحَتْفٍ للإثم
فلا زال خافيها ثِمالًا لمُدْقِع ولا أنفَكّ ضاحيها مَحّلًا للإثم
ويُنهي إلى نُبله الواضح الآثار، ونَبْلهِ الصالح الأثأر لا برحَ محفوفًا بالأبصار، مصحوبًا بصوارم الأنصارِ عَريًّا عن العارِ، مليًّا من الغار أنَّ أخاهُ عازم على السِّفارِ، مجرِّد عضْبَ عَزْمهِ الماضي الشفار، لإحضارِ أشبالهِ الصغارِ. حذَرًا أن تنوشَهُم صِعَادُ الصَّغَارِ، لنُنفِقَ بقيَة الأعمارِ، في مُناسمةِ الأغمارِ، فلا خيرَ في شَيم الغِرارِ، لشمِّ العَرارِ، وتركِ العَمار، لقَطْع الغِمار، ومعلوم أنّه باعَ عُروضَهُ على التِّجار، والبنّاءِ والنَّجار، والنّساج والقَصّارِ، والطِّوالِ والقصارِ، وأصحاب الشرار، إلى غايةِ هذا السِّرار، والمُستَمَدُّ من إحسانهِ الدَّرارِ، العاري عن الذِّرار، وكَفّهِ الواكفِ الأسرار، المطفئ أشعةَ الأشرارِ، أنْ يتَطّولَ مَعَ النصَّارِ، بمائةٍ من النُّضَارِ، إلى أيام اليَسار، وانسجام مَسيل يُسْره والبسار، لا زِلتَ قانص التيّار، قابض البتار، دائرًا بصحَاف قدْركَ الأعشار، على ذَوى المذلَّة والإعسار، والسلام، قالَ القاسمُ بنُ جَريالِ: فَهرَولْت إلى الكِنِّ، لأعْرِفَ حقيقةَ الأمرِ المُسْتكنِّ، فألفيْتُ الخطيبَ قَدْ طارَ بأجنحةِ اغتيالهِ، وأوقعني في حِبالةِ احتيالهِ، وقد أرسلَ إلي أصيحاب المناصبِ، مِنْ حُسْن صِّيبهِ الواصب، عَشْرًا مِنَ الرِقاع، على نمط هذه الأسجاع، وقد فرس مِن أموالها ما فرسَ، وَالتمسَ بها ما بَها التمسَ، والجَلاوزة تُخرِّقُ مسايلَ سُمِّ الحَنَق القاتِل، وتُحِّرقُ علىَّ حِدادَ النيوبِ القواتلِ، فجعلْتُ أتوارى بوهادِ القُردودِ، وأظهرُ ظهورَ الخُفْدُودِ إلى أن نَسيتُ زَهْوَ العيشةِ الزاهرةِ، وأنسيتُ مَهْو الشبيبةِ الباهرةِ، ورحلتُ عَنِ الساهرةِ، رَحيلَ الوَسَنِ عَنْ مُقْلَتِي الساهرةِ.