[ ٧٩ ]
روى القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: أَلمَ بي أَحيانَ مجاورةِ الجآذرِ، ومسالمةِ الحذرِ الحاذرِ، طُوفانَ جَدْبٍ بَرقت لبَرْقهِ أساوِدُ الأبصارِ، وعرِقْت لأعبائهِ أظفارُ أولى الاصطبارِ، ونعقتْ لقِصرِ سيلهِ عُريانُ الأكدارِ، ونعَقَتْ لطولِ ويلهِ غِربانُ الإنكدارِ، إلى أنْ جزَّ جُرازَ الجَزَع وقطَّ، وحزَّ حسامُ حَرِّ الحُرَق واشتطَّ، وكَلَّ كُلُّ مُحتالٍ فدانَ، وأنكلَّ كلُّ مختال فهانَ، وأَذْعَنَتِ العِيالُ للإعلال، وتمسكنَتِ الأقيال للإقلال، وواصلَ القُعَدَةُ الارتحالَ، وتَغَيَّرَ الحالُ وحال، فلمّا أخذت البشر تتضاغى، وأخدرت خمْسًا لم أذقْ بها مَضاغا، أقبلتُ أفكرُ فيما ينقِذني مِن صبرِ ذاكَ الوصَالِ، ويستخلِصُني من مصائبِ صائب تلكَ النّصالِ، فبينَما أنا أضطَربُ لذاكَ التَّوَى، وأشتهِبُ لَشهب أنواءِ النوَى، ألفيتُ أبا نصرٍ المصري يتقلَّب على طَنَافس الإركاس، ويتَقَلْقَلُ لسَرَفِ سُكْر ذلكَ الكأسِ، فأرقلَ نحوي إرقال التَّبار، وأقبلَ إليَّ إقبال الأدبار، وقالَ لي: يا بنَ جريالٍ أراكَ تقومُ مِنَ النَّصَبِ فيما أقومُ، وتعومُ من الوَصَب فيما أعومُ، فأخْبرنِي ماذا ترومُ، لأخبركَ ماذا أرومُ، فَقلتُ لَهُ: أطوِّحُ المطامِعَ وأسوحُ، وأسِّرحُ سفينَ السَّفَرِ وَلَو سَحَّتِ السوحُ، علّ أنْ يُراشَ من جَنَاح الأملِ ما اَنْحَصَّ ويُخاطَ من قميص المَصالح ما اَنقَصَّ، فقالَ لِي: تاللهِ لقد نظرْتَ ببصرِ مُقلتيَّ ونطقتَ بلسانِ شفَتيّ فطالما رشَدَ مَنْ شَرَدَ، وقلمّا عَقَدَ مَنْ قَعَدَ، وإنْ كنتَ تُريدُ رُوْدَ مزاملِتي وتُديرُ مزاء دُور ملازَمتي، فاصبرْ عَلَى مفارقة مَهونكَ، ومواظبة أمونكَ، عَسَى أن يجزم الزمن طماحك، وينصب رماحكَ، ويخفضَ صُماحَك، ويرفعَ من ماحَكَ ولو ماحَكَ، فَمَنْ أحبَّ الحِبَرَ ركَبَ أماليتَهُ، ومنْ رامَ رَيْمَ العلاُ عطفَ نحوَ العُلا ليَتهُ قالَ: فتقبّلتُ قُبلَ تَيكَ العَروبِ، وإنْ كنتُ أدري أنَّ قمر مرافقتهِ يُفْضِي إلى الغُروبِ، ثُمَّ أقبلَ كلّ على مِنْسأتهِ، ونَدِم على ما فَرَطَ من إساءتهِ، ولَمْ يَحْضُرْني في المزادةِ المعدودة، سوى بدلِ لبنِ المُصَرَّاةِ المردودةِ، فأخذت بالدَّينِ، عددِ عضلِ العضُدَينِ، إلى سَعَةِ اليدينِ، أو بيع أحد البُرْدَين، ثمَّ لَمْ نَزل نجتذِبُ عرائِسَ المسايرةِ ونعتَبِقُ، ونصطبح بمفازة المناهزةِ ونغتبقُ، إلى أنْ نزْعنا سنانَ الرِّحْلَةِ بحِمْصَ، وقَدْ أخلقَ الخَوَرُ صِدارَ التَّصَبُّرِ والقُمْصَ، فلمّا وصلْنَا إلى عَرصَاتِها، واهتصرنا بذوائب ناصاتِها قال لي: أرى أن نَفْصِمَ حِبَالَ التحويلِ، ونصرِم وضين عويل هذا التعويلِ، ونطأ صعيد هذهِ المدينةِ، ونرقأ بسلم ما يسد خلةَ اليَدِ المدينةِ، فإلامَ نَخِدُ بخمائلِ الخُمولِ، ونرتَعُ بينَ الحُمولِ في حنَادس المُحُول، فإن كنتَ على عَهدِكَ السالفِ، وما عهدتُكَ من حُسْن التحالُفِ، فأخِّرِ الخَبَبَ اللازمَ، والتعبَ المُلازمَ، إلى أنْ ينكسرَ سمُّ سمُوم السَّغَبِ والحرورِ، وينهزمَ جيشُ دَيلم الكُرَب الكرور وإن كنتَ تَخشى أنْ يلحقَكَ رِقُّها، وتسحقكَ شُقّةُ مَشَقَةِ لا تستحقُّها، فعلىّ زامورُ المَكادح ورَقهُا، وراووق كأس المكاسب وزِقُّها، وإنباتُ ريش فراخِكَ وَزقُّها، وما مِنْ دابِة في الأرض إلاَّ على اللهِ رزقُهاْ، فقلتُ لَهُ: أنا بنَانُكَ إنْ رحلْتَ، وجنَانُكَ حيثما حَلَلْتَ، فأعرِفكَ لراحتي تجادلُ، ولرفع باحتي تقاتِلُ، ولكنْ كيفَ تَلجُهَا وأنتَ العُقربانُ القاتلُ، فَقْهْقَهَ قهقهةَ القَسيب، وشَكَرَ سَلْسالَ سَحِّ ذلكَ السِّيْب، ثم نهضَ يُنغِضُ هامتِهِ، وينفض ثغامتهُ، فجعلتُ أقتافُهُ وأتلوهُ، وأستنشق تَفَلَ تَفل نَكْره وأبلوهُ، حتى ولجَ بي غيرَ ضَجُورِ، إلى مسجد مهجورِ، تضارعُ وحشتَهُ القبورُ، وتسوقُ وكف جدرانهِ الدَّبورُ، فَربضَ كُل بزاويةِ واكفة، مِنَ الهتُونِ هاويةٍ، فعطفتُ لِيتي إليهِ، وأرسلتُ سِباعَ المعاتبةِ عليهِ، فقالَ لي: أظنّكَ تتبرَّمُ بمصاحبتي، وتحتقرنِي لعدم حَبَّتي، ففي غَدٍ تَحْمَدُ مسعاكَ، وتشكُرُ مَرْعَاكَ وتملأ عياب قَبْقَبك، وتُقامُ عروشُ ذَبْدبكَ فقلتُ لَهُ: قاتلكَ اللهُ أما يشغُلكَ اندفاقُ جُوعِكَ، وإباقُ موجوعِكَ وهجوعِكَ، عن علِّ هَذي الدُّعابةِ، وسلِّ
[ ٨٠ ]
سيوفِ هذي المداعبةِ، فقال لي: يا بنَ جريالٍ اجعلِ الصعيدَ وِسادَكَ، وتأسَ بمن بجُوعهِ شَرُفَ وسادَكَ، فما الفخرُ بنيلِ رِيِّكَ، ولا بما يلِجُ بمجارِي مَرِيك، وإنّما المفخرُ بالصَّبرِ عن الموائدِ، ونهلِ الصبْرِ عندَ نزول الشدائدِ، ثمّ إنَّهُ أقبلَ يعاملني معاملةَ الأطفال، إلى أن أعلنَ ظليمُ الظلام بالانجفالِ، وعندما بزغتِ الغزالة، ونفدَتْ لطافة المعاتبةِ والجزَالةُ، أقعدني وولّى، وطلبَ فوزَ فذِّهِ والمُعَلَّى، ثم عادَ وَقَدْ صبغَ لحيتَهُ، ودَبَغَ بقَرَظِ التّبحُّرِ حيلَتَهُ، فتنفّسَ المجهودِ، وقالَ: غيِّروا شيبكم ولا تشبَّهُوا باليهودِ وحينَ قعدَ واستقرَّ، وبردَ عَرَقُ مَفْرقِه وقَرَّ، وضَعَ شَمْلَةً مشحونة بثلثي عَرِيكَةٍ، وفخْذَيْ دَجاجةٍ وديكةٍ، ثمَّ حاذرَ الافتياتَ وقالَ: التقِمْ عَمَّا سَلَفَ وفاتَ، فأنا أحيَلُ مَنْ نفحَ بالطَّبنِ، وجَمَعَ لكَ بينَ الرئمانِ واللَّبنِ، فقلتُ لَهُ كيفَ نَعْطِشُ أو نَجوُع، وأنتَ الزَّادُ والماءُ النَّجوعُ، ومَعَ هذهِ المِيرةِ اللطيفةِ، ونَشْرِ ألويَةِ ألوَّةِ هذِي الطريقةِ، فإلى أينْ انتهى بكَ سبَبُ الرسيم، ومن أينَ حصلَ في انتهابِكَ طِيْبُ هذا النسيم، فقالَ لي: خَلِّ ما يؤدِّي إلى الانفصالِ، وجَلِّ فيما يُزيلُ ألَم تفرُّقِ الاتصالِ، فقلتُ لَهُ، قَسمًا بمَنْ رَفَعَ السِّماك، وحَباكَ بأحسن الكُنَى وسَمَّاكَ، ونشرَ شوازبَ شَذاكَ، ورَّوَعَ رُوعَ الضّبارم بذاك، لا صرفتُ إليهِ جَنابي، ولا لطختُ بغَمَرهِ بناني، أو تعرِّفُني من أينَ قصدتَهُ، وبأيِّ حِبالةِ الحِيلِ صدْتَهُ، فقالَ: اعلم أننّي حِيْنَ أزمعْتُ الرواحَ ورُحتُ، وحثّني على فِراقِكَ السُّحْتُ وسُحْتُ، جَعَلْتُ أفَصِّلُ وأجملُ، وأتّقحُ وأجْمِلُ إلى أنْ وقفْتُ بالقَلْبِ القَليِّ، بباب الباقليِّ، فاكتنفتُ كفَّ فُولٍ مُضطَبع يَهمُلُ، يَسعَى بينَ مروَتَيْ القصْعة، ويرمل فملْتُ لعدَ ذاكَ إلى المَيْن، وقلتُ: هذا لا يذودُ جُوعَ يومين، فوردتُ الحمّامَ، وأردتُ الاستحمامَ لحِيلةٍ أضعُها، أو مَكيدةٍ أَصنعها، فإذا أنا بخادم قادم، ظاهرِ الكِبَرِ متقادم، فجثَمَ قُبالتِي، وأقبلَ يَرمُقُ كِبَرَ آلتِي، فلمَّا رأيتُهُ وارفَ الهمولِ، دائم النظرِ إلى الغُرْمُولِ، دلَفْتُ إليهِ، وعلمتُ أنَّهُ يَغْبُطُني عليْهِ، وقُلْتُ لروُحي: هذهِ فرصةٌ ساقَها القدرُ إليَّ، وقُرْصةٌ سَمحَ بها تَنًّورُ الظَفَرِ عليَّ، ثم إنّي مِلْتُ إليه مَيْلَ الحَنونِ، ودُرْتُ لمخاتلتهِ دَوَرانَ الجُنونِ، فلمّا أَنَسَ بموانستي، وآنسَ من جانبِ طُورِ الطَمَع نارَ موالستِي، قالَ لي: حينَ حنأتُ لحيَتي، وهنأتُ بمقدَمهِ حيلَتي، تاللهِ لقد جُدْتَ بالمناسمةِ فأحسنتَ، وأذبْتَ جامدَ القرائح وألنْتَ، وأذنْتَ بولوج جامع زُبَدِكَ وأذَّنت وآذنت، بحُلْوُ ملحِكَ وأذْعَنْتَ، وأنعمتَ بالمفاكهةِ فأمعنتَ فباقعةُ أيِّ البقاع أنتَ، فقلتُ لَهُ، أمَّا الموطنُ فطوسُ، وأمَّا الاسمُ فأبو الطُرَفِ فَطوسُ، وأمّا الصناعةُ فطِبّ يُبرئ الأسقامَ ويطفئُ العَرَّ العُقَامَ، ويُنطقُ السبّارَ، ويُنبِتُ الغَراميلَ الكِبارَ، فلمّا سِمعَ مقالتي، وشكر مِقتي، واستنفِد المحْمَدَة لمقامتِي، قالَ: سِرْ مَعي إلى الدّارِ، فلنا حاجة جليلةُ المِقدارِ، فأَجَبْتُ كواعبَ دَعوتهِ، تأملتُ مطائبَ دِعوتهِ، ولمّا فصلتُ إلى دُورهِ وقصلْتُ عصائدَ قُدورهِ، قالَ لي: أيها الحاذقُ المجرِّبُ، والكاملُ المتدرِّبُ، سَمِعْتُكَ تقول حينَ خلوْتُ بِكَ، وبلوتُ خرائدَ نُخَبِكَ، أنَا مِمَّن يُنطِقُ السِّبارَ، وينيتُ الغَراميلَ الكِبار، فإن كنتَ تقدرُ على ذلكَ، وتتجنَّبُ مواردَ آنذاكَ، فأنا أحُسِّنُ عاقبةَ حالِكَ، وأقُوِّمُ حَدَبَ ارتحالِكَ فقلتُ لَهُ: ستَرى مَقْدَمي إليكَ، نِعمةً من الدَّهْرِ المساعدِ عليكَ، وتنظرُ بين فخذيْكَ لديَّ، عَصًَا تتوكأ عليها إليَّ، وتجمَعُ شوارِدَ نَعَمكَ، وتَهشُّ بها على غنمِكَ فأعجبَهُ الكَلامُ، ولم يدرِ أنْ سيتبعُ الكَلامَ الكِلامُ، فعمدْتُ إلى مُدْيةٍ ماضيةِ الغُروبِ، مجرّبةِ المضاربِ في الحروبِ، فقالَ لِي: ما تصنعُ؟ قُلْتُ: أشُقُّ ما سَفَلَ مِنْ عَانتِكَ، ومِنَ اللهِ صولُ إعانتك، وأَضعُ مِنَ الدَواءِ حَولَيْهِ، ما يكونُ سببًا لإنباتِ المُشَار
[ ٨١ ]
إليهِ، فقالَ: دونك وما تريده، ففي يَدَيْك أخدَعُ المخادعةِ ووريده، فبادرتُ لرعانتهِ، إلى شقِّ عانتهِ، فجر إليهِ رجْلَيْهِ وخَرَّ مغشيًّا عليهِ، فوثبتُ وثبةَ الواقبِ، أو القَسْور المُراقبِ، مخافةَ أنْ يُحْرِقَني نفطُهُ، أو يُدرِكَني رَهْطُهُ، وهذا آخِرُ ما توخَيْتُهُ، من طُولِ حَبْلِ الحِيْلَةِ الذي أرخَيتُهُ، قالَ القاسمُ بنْ جريال: فلمّا حَذَقْتُ قِيلَهُ، وحَملْتُ مِنْ حَرِّ الحَذَرِ ثقيلَهُ، جَذَبْتُ بيديَّ أخدَعًيّ، وضربْتُ براحَتيًّ، على ركبَتيَّ، وقلتُ لَهُ: قَبَحَكَ اللهُ يا مُضْغَةَ العائبِ، وعيبةَ المعائبِ، وذُبحةَ الطيالسة، وسُبْحةَ الأبالسةِ، أفَما تَحْذَرُ مِنْ وَرْطة هائلةٍ، وغُرة غائلةٍ سائلةٍ، فلا ردَّم للهُ مَنْ ردَّمَكَ، وقَدَّ قَدَّ مَنْ قَدَّمكَ، وخدَّ خدَّ مَنْ خَدَّمَكَ، فلقد ضَلَّ من نادمَكَ، وفازَ منْ صَادَمَك، ورأى قَدَمَكَ، فأراقَ دَمَكَ، فالتفتَ إليَّ وقال: يا للعَجَبِ العجيب، والغضبِ الغريب الغريبِ، أجْنِي لكَ وتلتَقِمُ، وتجني عليَّ وتنتقِمُ، وأرفَعُكَ وتخفِضُني، وأَحملُكَ وتَحْفُضِني وأصلُكَ وتَحرِمُني وأواصلُكَ وتجزمُني، وأروِّقُ شرابَ حِبابكَ وتُدَفِّقُ لديَّ حبابَ حُبابِكَ، بعد أن رَهَزْتُكَ وهززتُك، وأَعْزَزْتُكَ وعزَّزْتُكَ، ومارستُكَ أحسنَ مِراس، وأوقدْتُ لاَنقيادِكَ أشرَفَ نِبراس، وزِدْتُ فَم عدِم فَهمِكَ أربعةَ أضراس، ولَمْ يكْفِ أنْ سعَيْتَ لانتصارك، مَع انحسارِكَ، حتّى تَجْعلَني عندَ مسارِكَ على يسارِكَ، فأفّ لِمَنْ يَلْمِزُ بمقلتيهِ، ويضَعُ مِلْحَهُ على رُكْبَتَيْهِ، وحيثُ قد أجْبَنْتُكَ عِندمَا عجنتك واَستهجنتُكَ بعدما اَحتجنتُكَ، فلا حاجة لي في مُحاججتِك، وطُول زمجرةِ ممازجَتِك، قال: فبينا نحنُ نتنازعُ عُقارَ الشقاق، ونتضرج بوَخزِ هاتيك الدِّقَاقِ، ألفينَا الخادِمَ يَدورُ، والجلاوزِةُ حولَهُ تمورُ وشِواظُ الصُّراخ يَتّقِدُ، وعجَاجُ العِياطِ ينعقدُ، فما لَبِثَ أنْ نَقَبَ الجِدارَ، ونقَضَ الأحجار، ثُمَّ انسربَ خلفَ المحرابِ، بحُسام الحِيَلِ والحِرابِ، فتبِعْتُهُ وَرِيْفَ الغُلواءِ، وارفَ العُرواءِ، وبينَما نحنُ نَهربُ ونتكَفَّتُ، ونُهْرِبُ ونتلفّتُ، إذ زَلِقَتْ قَدَمهُ، فانفجرَ دَمُهُ، فقلتُ لَهُ: هذا عُنوانُ قصَاص يوم الوعيدِ، ذلكَ ما قدَّمَتْ يداكَ وأن اللهَ ليسَ بظلاّم للعَبيدِ، ثم احتملتُهُ بينَ العاتقِ والوريدِ، وجريتُ بهِ جَرْيَ خَيْلِ البريد، ولما استوى على عاتقي استواءَ الظاعنين، قالَ: سبحانَ الذي سخَّرَ لنا هذا وما كناَ له مقرنينَ، فقلتُ لَهُ: أتهزأ بي والفِرَقُ خلفَكَ يتألبون، وللقيانِك فقالَ: دونك وما تريده، ففي يَدَيْك أخدَعُ المخادعةِ ووريده، فبادرتُ لرعانتهِ، إلى شقِّ عانتهِ، فجر إليهِ رجْلَيْهِ وخَرَّ مغشيًّا عليهِ، فوثبتُ وثبةَ الواقبِ، أو القَسْور المُراقبِ، مخافةَ أنْ يُحْرِقَني نفطُهُ، أو يُدرِكَني رَهْطُهُ، وهذا آخِرُ ما توخَيْتُهُ، من طُولِ حَبْلِ الحِيْلَةِ الذي أرخَيتُهُ، قالَ القاسمُ بنْ جريال: فلمّا حَذَقْتُ قِيلَهُ، وحَملْتُ مِنْ حَرِّ الحَذَرِ ثقيلَهُ، جَذَبْتُ بيديَّ أخدَعًيّ، وضربْتُ براحَتيًّ، على ركبَتيَّ، وقلتُ لَهُ: قَبَحَكَ اللهُ يا مُضْغَةَ العائبِ، وعيبةَ المعائبِ، وذُبحةَ الطيالسة، وسُبْحةَ الأبالسةِ، أفَما تَحْذَرُ مِنْ وَرْطة هائلةٍ، وغُرة غائلةٍ سائلةٍ، فلا ردَّم للهُ مَنْ ردَّمَكَ، وقَدَّ قَدَّ مَنْ قَدَّمكَ، وخدَّ خدَّ مَنْ خَدَّمَكَ، فلقد ضَلَّ من نادمَكَ، وفازَ منْ صَادَمَك، ورأى قَدَمَكَ، فأراقَ دَمَكَ، فالتفتَ إليَّ وقال: يا للعَجَبِ العجيب، والغضبِ الغريب الغريبِ، أجْنِي لكَ وتلتَقِمُ، وتجني عليَّ وتنتقِمُ، وأرفَعُكَ وتخفِضُني، وأَحملُكَ وتَحْفُضِني وأصلُكَ وتَحرِمُني وأواصلُكَ وتجزمُني، وأروِّقُ شرابَ حِبابكَ وتُدَفِّقُ لديَّ حبابَ حُبابِكَ، بعد أن رَهَزْتُكَ وهززتُك، وأَعْزَزْتُكَ وعزَّزْتُكَ، ومارستُكَ أحسنَ مِراس، وأوقدْتُ لاَنقيادِكَ أشرَفَ نِبراس، وزِدْتُ فَم عدِم فَهمِكَ أربعةَ أضراس، ولَمْ يكْفِ أنْ سعَيْتَ لانتصارك، مَع انحسارِكَ، حتّى تَجْعلَني عندَ مسارِكَ على يسارِكَ، فأفّ لِمَنْ يَلْمِزُ بمقلتيهِ، ويضَعُ مِلْحَهُ على رُكْبَتَيْهِ، وحيثُ قد أجْبَنْتُكَ عِندمَا عجنتك واَستهجنتُكَ بعدما اَحتجنتُكَ، فلا حاجة لي في مُحاججتِك، وطُول زمجرةِ ممازجَتِك، قال: فبينا نحنُ نتنازعُ عُقارَ الشقاق، ونتضرج بوَخزِ هاتيك الدِّقَاقِ، ألفينَا الخادِمَ يَدورُ، والجلاوزِةُ حولَهُ تمورُ وشِواظُ الصُّراخ يَتّقِدُ، وعجَاجُ العِياطِ ينعقدُ، فما لَبِثَ أنْ نَقَبَ الجِدارَ، ونقَضَ الأحجار، ثُمَّ انسربَ خلفَ المحرابِ، بحُسام الحِيَلِ والحِرابِ، فتبِعْتُهُ وَرِيْفَ الغُلواءِ، وارفَ العُرواءِ، وبينَما نحنُ نَهربُ ونتكَفَّتُ، ونُهْرِبُ ونتلفّتُ، إذ زَلِقَتْ قَدَمهُ، فانفجرَ دَمُهُ، فقلتُ لَهُ: هذا عُنوانُ قصَاص يوم الوعيدِ، ذلكَ ما قدَّمَتْ يداكَ وأن اللهَ ليسَ بظلاّم للعَبيدِ، ثم احتملتُهُ بينَ العاتقِ والوريدِ، وجريتُ بهِ جَرْيَ خَيْلِ البريد، ولما استوى على عاتقي استواءَ الظاعنين، قالَ: سبحانَ الذي سخَّرَ لنا هذا وما كناَ له مقرنينَ، فقلتُ لَهُ: أتهزأ بي والفِرَقُ خلفَكَ يتألبون، وللقيانِك
[ ٨٢ ]
يتقلّبونَ، وأنا إلى ربّنا لمنقلبونَ، ثم ألقيتُهُ فصاحَ، وسبَّ نفسهُ والفِصاحَ فغشيني يم رحمته، وأدركَنيُ مدركة مضر مرحمته، فاحتملتُهُ احتمال الأجواد، وأعدتُهُ إلى مكان النجادِ، فأنشدَ بعدَ ما صبَّ صيِّبَ صًبْرهِ صبًّا، وضممتُ إلى فِتْرِ رأفتي بُصمًا وَرتْبا: الطويل:
تجملْ رعاكَ اللهُ لا تُظهرِ العَتبا ولا تُسكنِ الأحزانَ منْ صَدْرِكَ القَلْبا
ولا تلبس الأوجالَ إنْ لاحَ مكْسَبٌ فتُمسِي وقد أهْدَتْ إلى قلبِكَ القُلبا
فأفٍّ لليثٍ لا يعفِّر أنفَهُ بعِثْيَره حِرصًا إذا ساور السِربَا
وتُفٍّ لَه إنْ ضاقَ ذَرعًا وخِيْسهُ خَلِيٌّ من الأشلا إذا شاهدَ السَّربا
وليس بعار أنْ يبيتَ وجوعُهُ يضِبُّ وفيضُ الرزقِ قد يشبع الضبا
فما عزَّ من أمسى من الذّلِّ كاسيًا ولا سادَ ذو ضَنٍّ على المالِ إذ ضبَّا
قال: فسِرت تحته سير الجليدِ، إلى تربةِ خالدِ بنِ الوليدِ، وقلتُ لهُ: أقسِمُ بمسخِّرِ الرِّيْح، وجابرِ القَلْبِ القريح، لَئِنْ لَمْ تجتوِ هذهِ الإحساءَ، لا صحبتُكَ أو يصحبَ صخرُ الخنساءَ، ويعتري النِقْرسُ النساءَ، ثم إنّي رقدتُ رِقدةَ الأجير، واضطجعَ لإدبارِ جيوش الهَجيرِ، فاستيقظتُ وقد ولَّتْ قنابل الوقودِ، فألفيتُهُ قد أرقَلَ إرقالَ القرودِ، فبتُّ وأنا منَ الكُرَبِ صادٍ، مِنَ الوجلِ على مِرْصاد، كأننَّي صريعُ فِرصادٍ، لا أنطقُ بحاءٍ وميمٍ وصادٍ.