حَدَّث القاسمُ بنُ جريالِ، قالَ: وصلت مذ رفضتُ الزّورَ، وركضتُ الجزور وهجرتُ المزورَ، إلى بعض أعمالِ شهر زورَ، مع رفقةٍ ما احتلبُوا ثُدىَّ ثوابٍ ولا انقلبوا إلى جَزالةِ جوابٍ، ولا عرفوا بجَمْل الجوائح، ولا وصفوا بحَمْلِ مرهفاتِ الصفائح، تلدغ لدغَ الرقيبِ، وتَفِرّ فِرارَ اليَعاقيبِ، وتمْعنُ في التنقيبِ، على اقتناء النقيب: الطويل:
تُجلَبْبُني وخزًا وتحسُبني وزًا وتصحُبني غَمْزًا وتذكرُني رَمْزَا
وتُوسِعُني نَبْزا وتعقِدُ لي عَزًا وتطلُبني هَمْزًا وتورثُني لَمْزا
[ ٥٤ ]
قال: فلم أرَ لردعَ ذيّاكَ الضلالِ، وتعاظُل ذاك المرض العضال سوِى حسمٍ ريح تيك النبيثةِ ومبايَنةِ تَفَل أعراضهم الخبيثة، ففارقتهم مفارقة من غنم وفاز، وظفرَ بنيل مطلبهِ واحتازَ، ولمّا اتقيت قشف حالي وألقيت عصي ارتحالي جعلتُ أقتنصُ المعائشَ، وأعاشرُ الثابتَ والطائش، وأسبرُ القارسَ والسائل، وأخبر الراجحَ والشائلَ، إلى أنْ عادَ سِدْرُ الإفادةِ مخضودِا، وطَلْحُ المُطالحةِ منضودا، فبينما أنا أميلُ عن تلكَ الصِّحاب، وألتمُس محادثة ذوي الاصطحابِ، وأسيرُ مع مكابدةِ الكُروبِ، سيرَ المُهْرَبِ الهَروبِ، ألفيتُ دكة مرصوفة وعصبه مصفوفة ورتْبةً معروشة ومصطبةً مفروشة شيخًا يشير بيِدْيِهِ إلى غلمان لديه ظاهر الكرامةِ وافرَ الصرامةِ، تعرَق لوطأتهِ الأصلاد وتفرق لسطا سطوته الألواد فدنوتُ دنوَ الفَروقةِ، إلى فتيانهِ المفروقِةِ لأعرف من القِاعد، ولم أسست هاتيك القواعد، فقيلَ لي: إنَّهُ محتسبُ هذي المَدَرة وجاذب برة هذه البررة الذي نبْلُ نبل عَدْلهِ وفاق، ومهّدَ بحسن سياسته الآفاق فقلت تالله لا أزائله إلى مساورةِ النوم، لأنظر كيف إيالةُ ولايته بين القوم، ثم إني قَعدْتُ تلقاءهُ، لأبصِر جَودَة حكمه ورُواءهُ، فما بَرِحَ يَنْكُثُ ويُبْرِمُ، ويُخْمِدُ ويُضْرِمُ، ويصل ويصرم، إلى أنْ تَصَف شباب يومه، وعصف هبُوب نومهِ، وحينَ هوم رأسه، واستحوذَ نعاسُهُ، نهضَ من مَصْطَبتهِ، إلى صهْوةِ رَكوبتهِ، طالبًا طريقَ عقوته ضاربًا بحسام صولتهِ، فانثالت الأعبدُ بينَ يديه، وتكاثفتْ كتائبُ المهابةِ عليه، فلم استطعْ الوصولَ إليهِ، فتركتهُ حتى ولجَ في مَضيق، ووقفتُ له وقفة مضيق ثم جعلتُ أجتليهِ، وأسرحُ بسابح التبحُرِ فيهِ، فإذا هو السِّيْدُ القملّسَ، والسيِّدُ العَمَلس الغَمَلّس، أبو نصر المصريُّ شامةُ عرْنين زمانهِ، وأسامةُ عَرينِ إزمانِه، فأحجمتُ إلى أنْ أفَلَ في حجابهِ، واتّصلَ بإنجابه، ثم وقفتُ ببابهِ، وأنشأتُ من سيْبِ ما اكتسبتهُ من عُبابهِ، ما يتضَّمنُ ورودي. ومحاسمةَ كِنِّي ورودِي وكثرةَ الاصطفاقِ، ومعاشرةَ تيكَ الوجوهِ الصّفَاقِ، ثم دفعتُها إلى خُدّامهِ بعد إحجام رأى الرَويّةِ وإقدامهِ، فدخلَ بها أحدُهمَ وعادَ، وفَهمَ مضمونَها واستعادَ، ولَما أذِنَ بولوجيَ واستبشر بمباعدة علوجي وبَصُرَ بحضوري، وسُرّ بتزايد سروري أقعَدنِي مَعْ صرامتهِ، وطولِ مصارمتهِ، وشدّة شذَى حُمتهِ، أمامَ مسَاند مناسمتِه، ثم قالَ لي: تالله لقد ساءني سفهُ رفاقكَ، وراءني الزَّوَرْ مزورًا لخوفِ إخفاقِكَ، أو ما علمتَ أنّ مَنْ عاشرَ الأوشاب، صدِئَتْ مرآة مرؤته أو شاب وإني لأظنّكَ كنتَ تظُنُّ، أنّني بحلوِ محاضرتِكَ أضن، فلستُ بقالٍ قريني، إذا احلولكَ دَريْني، أو لاوٍ عن جليسِي، إذا أعظوظمَ عَليسي، لا ومَنَ سيرَّ الدرى، ورفع الفلكَ الكُرىَّ، بل انتصفُ لعصفورِي، منْ تعاوِر نسوري، وأنصبُ جسوري لطالب ميسوري، ثم أنشد: الطويل:
وحقِّكَ مأكلّ امرئ مُدّ بَاعُه بذاكرِ عَهْد أو صديق مُصاحبِ
فلا تنسَ إنْ مُدّتْ يداكَ بدَوْلةٍ تقادمَ ودٍ من خليلي وصاحبٍ
قال الراوي: فلمّا بنْيتُ على حلائلِ مُغاصهِ، وثنيتُ جيدي لجآذر اقتناصِه، أثنيتُ عليه ثناءَ الحدائقِ على النسيم، والناظرِ على الناضرِ الوسيم، ثم إنَّه حَمِدَ مهْد المُهادنة والقماطِ، وألقَى قِنَاعَ قطْرِفتهِ وأماطَ، وعَرَّضَ بحضورِ مائدتهِ، ونشرَ مطائب عائدته، فأقبلنا عليها إقبالَ من اقتلَع البَشامْ، وخلعَ الأحشامَ، فحينَ استرفعت الصحافُ، واندرأتْ ضخامُ الخِدمة والنِّحافُ، وهجمتْ جحافلُ الإمساءِ، وانسجمتْ سحائبُ ليلتِنا الطّلْساءِ، أمرَ بسدِّ الطريق، وفتح أفواهِ الأباريق، وإحضار العَبهرِ الوريق، واستحضارِ العَطرِ الرِّيقِ، ولمّا جالتِ الأكوابُ، ومالتِ الرقابُ، ونُشرَتِ الرموس، وتنمّرتِ النموس، وقلتُ له: أما سئْمتَ مع ارتعاش بنامِكَ، طولَ ارتشافِ مُدامِكَ، ومللتَ مَعْ بياض الذوائبِ، احتساءَ النضارِ الذائب، فإلام تدَّرع عاركَ، وتُخمدُ استعاركَ، وتمحو وقارَكَ، وتحملُ زقَّك وقارَكَ، قال القاسمُ بنُ جريال: فحل لح لَهُ متَابى، ولَمَحَ مُلَحَ عِتابي، حرق أسنانه، وغيض رئمانه وغضغض مرجانه وأنشد والدمع يرحض أجفانه: السريع:
[ ٥٥ ]
لاَ تلُم المرءَ على شُرْبهِ رحيقَ صِرْفٍ خافضٍ شَانَه
فأنْفَسُ الناس الذي زانَهُ مَلابس الفَخْرِ وإنْ شانه
قال: فلما سلمتُ من سُموم اَنزعاجهِ، وعلمتُ أنّهُ لا يفرق بينَ أبنوسهِ وعاجهِ، ملُتُ إلى تسكينِ عَجاجهِ، وتحريكِ مُجاجهِ، وطَفِقَ هو يقضِّف خَصرَ مخاصمتهِ، وينظِّفُ دارَ دأماءِ منادمتهِ، لئلا يُعمَّنا إعراضٌ، ولا يَغُمُّنا غَضَبٌ وانقراض، ولَمْ يزلْ يُسكّنُ هُوج حَردِهِ ويُثقَّفُ عوجَ لَدَدِهِ، إلى أن أزالَ استيحاشَنا، وضمَّنا مخدعُ المخادعة وإحتاشنا، ثم إنّنا عُجْنَا على تجديدِ درَيسنا، وتخديد خدودِ خندريسِنا، حتى طربَ الحزينُ، واضطربَ العقل الرزين، وجنحت النواقبُ، وملّ القلبُ الناقب ولمّا وصلَ إلى المُقَلِ نصيبُها، وحَصَلَ من سحابِ الوَسن ما كانَ يصيبُها، هَبَّ من رُقادهِ، وشكَر نشوةَ عنقادِه، فسلّمْتُ عليه سلامَ مَنْ عرَجَ في مَعارج دارهِ، ودرجَ في مدارج استهتارهِ، ثم استأذْنتُهُ في ذَهابي، مخافةَ ملل إسهابي، فرمقني بطرفهِ، ورشقني بسهام ظرفهِ، وقالَ لي: يا بنَ جِريال أتطمعُ أن تسهل بلا حَزْنٍ، أو تسكر بهذهِ الدسكرة من غيرِ وزْنٍ، لاَ واللهِ حتى تزنَ ما حصك، أو ترهنَ على ثمنِ ما ارتضعتَهُ قُمْصَكَ، أو ما علمتَ أنَّ مثَلَك أرصدُ، وأننّي أحصدُ ولا أزرع، فكيف أزرعُ ولا أحصدُ، فخفِّضْ من بأسِكَ، وسَلِّ نفسَكَ في مخالعةِ لباسكِ، قالَ: فأقبلتُ أقْلبُهُ في قالبِ المزاحةِ، وأسلكُهُ في سُلوكِ الاستراحةِ، وهو يتصلبُ، ويتقلبُ ويتألبُ، إلى أن علمتُ أنَّهُ لا بدَّ من استلابي، وكسفِ بياض صَفَا مصافاتي ولابي، فسمحتُ له بصّرتي، وحسرتُ له ما بين ثنتي وسرّتي، فأبىَ إلاّ أنْ أشفعَها بأثوابي، رهنًَا على رحيق أكوابي، فألقيتُ إليهِ الصّفيَّ، وأظهرتُ له الخفيَّ، وخشيتُ أرشيةَ شرِّهِ، والنّفيَّ، وحينَ عضَضتُ كفي، وقبضت وقفي، وبايعتُ واللجُّ على قفيًّ، لعنت عقبي ذلك التخويلِ، وَذَممت طالعَ ذلك التَّحويلِ، وَجَرِعْتُ عَلْقَمَ ذيّالكَ التَّنويلِ، وخَرجتُ مِنْ بيتهِ وأنا لا أمْلك سوى السراويلِ.