[ ١٠٨ ]
حكى القاسمُ بنُ جِريالِ، قالَ: حَمَلَني صَفْوُ الزمَنِ الباهرِ، المبيِّضِّ الأباهرِ، وحُبُّ الليلِ الساهر، لمنادمةِ النديم الماهر، فلم أزلْ أزعجُ النَفور وأجاورُ الكفورَ، وأقري العالمَ، واستقرى المعَالمَ، وأُسامرُ الأعوجيَّ، وأُصادُم اللُجِّيَّ، إلى أنْ نزلتُ بساحل قيسَ، وقد ضارعت ابنَ الملوح قيس، وسئمت الهيسَ، وأنضيتُ السوابحَ والحَيسَ، فوردْتُها وأنا خفيفٌ ذفيفٌ، وارفُ الإفادة عفيفٌ، أردُ مواردَ الموداتِ، وأشهدُ مواسمَ المشاهداتِ، وأُوقدُ مصباحَ المَرَح، وأُخمدُ أنفَاس أفراس التَّرح، وأمرجُ بانسكابِ مكسبٍ هام، وأجمَحُ بأقدام إقدام مقدرة وهام، وأرفُل في بُلهنية شهيّة، وأسبلُ ثوبَ رفهنيةٍ هَنيّة، فبينما أنا أنوس لجَدِّ جُدودِ الدِّبار، وأَبوسُ بأخمص الخَبَب خدودَ حدود الديار، عَلّ أن أظفرَ بكُوع كرمٍ وساعد، أو نديم على سَدَر السَهَرِ مُساعِد، لأطَفئَ من ضَرَم الضرَرِ ما التهبَ، وأردّ إلٌى شرخِ شبيبةِ النشبِ ما اشتهب، ألفيتُ فتًى يسيرُ سيرِ السَيلِ السَائح، ويترّنّحُ ترنّحَ النزيفِ المتمائح، ينطِقُ بالفضلِ إنعطافه، وتهزأ بأعطاف الحدائق أعطافُهُ، فملْتُ إليهِ مَيْلَ الشيِّقِ إلى الوصالِ، والأجيرِ إلى راحةِ الأوصال بالآصال وقلتُ له: هل لكَ يا ذا الوجهِ الوَضيِّ، والجَدِّ الحَظي، في أن تُعرفَني مخرجَ أغصانِكَ، ومدرج صبيانِك، لأكونَ خادمًا لحوائك، أو منادمًا تحت ذوائبِ لوائكَ، فإنّني مِمَّنْ يتجمّلُ بالتعاليلِ، ويتحمَّل مِنَّة عَلِّ هذه اليعاليل، فقالَ لي: أمَّا المَدَرة فهذِي، وأما العِتْرَةُ فَكُلُّ فَذٍّ غير هاذي، وأَّما مرام المواصلةِ فإليكَ، وزمامُ هذه المصاحبة ففي يديكَ، قالَ: فصلَّيْتُ تِلوَهٌ وجلّى، وتمليت بما تمنيتُهُ إذْ تجَلى، ولمّا وصلَ بي إلى فِنائهِ، وأدهشني بشيد بناءه، أحضر منْ أصحابه المعارفِ، أولي السُّؤدد والعوارفِ، عدد ما لا ينصرف في النكراتِ والمعارفِ، تَتيهُ على المُبادَر بالنَوادرِ، وتنصبُ بالصَّوْبِ الصادرِ، نصْبَ المصادرِ، ثُمَّ إنَّهُ أومأ برأسه لإحضارِ نبراسِهِ وإلى إمائهِ، بتبريدِ مائه، وإلى أنماطهِ، بإظهارِ سِماطهِ، فمِلْنا إلى أطعمتهِ، وشكرْنا سوابغَ نعمتهِ، حيْنَ سالتِ المسائل، وأدالتِ الدلائلُ، ألفيتُهم مِمَّنْ يُوصفونَ، إذ للمنح، يعصفون وتطور بهم المزَاهرُ فلا يعزفونَ، وتدورُ عليهم كؤوسُ مناسمة لا يِصدعون عنها ولا ينزفون: البسيط.
نهدي وتَهدِي جُمانًا منْ تهذُّبهم وحسنِ مذهبهم خَلقًْا إلى الرَّشد
كأنهم شُهبٌ في الأفُقِ طالعةٌ تَسْري الأنامُ بها للمنهج الجَدَدِ
[ ١٠٩ ]
فلم نزلْ نَحْضُرُ بجامع اجتماعِه، ونشكرُ عَرْفَ عرائس اَستماعه، إلى أن دخل ذاتَ يوم بعضُ وصفائِه، وقد أحدقَتْ به عيونُ أصفيائهِ، وقالَ: أراك متثبطًا عن عيادةِ خطيبكم، المُظهرِ ما يفوقُ نفحاتِ رطيبِ طيبكُم، فقالَ له: تاللهِ لقد استدعيتَ بكاءَ الثواكلِ، وهديْتَ الضيفنَ إلى مهيع المآكلِ، وطلبتَ القُبَلَ من العاشقِ، وسكبتَ الغالية لدَى الناشقِ، ثم قالَ لهم: هَلْ لكم في اقتناءَ هذه المندوية واجتناءَ ثمارِ هذهِ المثوبةِ، فقالوا له: قَسَمًا إنَّكَ لَكَمَنْ سألَ النارَ الوقودَ، والفُهودَ الرقودَ، والحُمام الحِمامَ وإلْفَ طِيْبِ مَوطنه الحَمامَ، فقلتُ لهم: أتأذنونَ لي يا أولي الضِّمار، أَنْ أكون فِسْكَلَ هذا المِضمار فقالوا: بل إنْ هويتَ اهتمامنا، فكن إلى إمامِنا أمامَنا، فتقدَّمَ إذ ذاك قلبي مَعْ وفاقه، خاليًا مِنْ نفاقهِ، تقدُّمَ النَّعْتِ على رفاقِه، ولما خَرَجْنَا لجَلْهةِ الأدَبِ وواديه، وولجْنا مِنَى أَياديهِ، مَعَ التيمُّنِ بيُمْنِ مُنَى مناديهِ، ألفيتُ المشارَ إليه، والمشتارَ منْ ضُرُوب الضَّرَبِ لدَيه، الليثَ المِدْرَهِيّ، أبا نصرِ المصريَّ، فمِلْنَا إلى إعمالِ واجبه، واستلام رواجبه، والقعودِ بإذْنِ حاجبِ حاجبهِ، وحينَ احتلسْنا بِساطَهُ، وحَمِدْنَا محاسنَ سَمْتِهِ وسراطه، جعل يلحظ طلاوة تلافينا، ويُقلِّبُ كَفَّيْ وكْف طَرَفهِ فينَا، ثمَّ قالَ لي: يا ابن جريالَ جَرعتُ جريال الجَرَض المبرّح، ولَقِمْتُ لقَمَ نِقَم المَرَض المُقَرِّح، وأنا ْبسلع لسع السقم مقيم، وأنتَ بهذه البقعة مقيمٌ مستقيمٌ، ثم إنَّه تتابع أناُنهُ، وتهافت ذُنانُهَ، فقلتُ لهُ: لم أشعُرْ بدائِكَ، لعدمِ ندائكَ، وها أنا بحذائِكَ، لحملِ حذائكَ، فعليَّ ما تشاءُ، وعليكَ الإجابةُ فيها أشاءُ، ثمَّ إنّي عَمَدْتُ إلى نَبْضِهِ الخَفوقِ، فوجدته مشتملًا على الطولِ والعَرْضِ والشُّهوقِ، فعلمْتُ بفِطْنَةٍ فاردةٍ، أنَّهُ عن حاجةٍ داعيةٍ، وآلةٍ مساعدةٍ، فقلتُ له: ما صنعتَ في حُمّاكَ، جُعِلْتَ من حُمة هذه الحمى حِماكَ، فقالَ لي: أرقْتَ من دَم الباسليقِ، ما أشرفَ بي على مفارقةٍ الفَريق، مع معرفتي بإسعافِ المُنَّةِ والسّنِّ، والوقتِ الصائف وصحة الذهنِ، واستعمالِ الملائِم أيام البحارين، وإهمال لطيفِ الأغذيةِ والمتين، وتناول المتوسطِ من الغَذاء، لحِفْظِ القهوةِ ووقوف الداء، فقلتُ له: بِمَ يساعدُكَ النّطاسي، وبطولِ ساعدِ يمينِ علاجك تشهدُ الأناسي، وفي غدٍ تتسنّمُ معارجَ منبرِكَ، وتترنَّمُ البَشَرُ بإنشادِ لذيذِ مَخْبرِكَ قالَ القاسمُ بنُ جِريال: فَلم يمض يومانِ، حتى واصلَ كواعبَ الأمانِ، وفارقَ شرة نَدمانِ ذلكَ الإدمانِ، ومُصِحَ عَرَضُ حُميّا حَمْوهِ فحالَ، ومُسحَ حَمَمُ مُحيا حاله فاَستحال، واعتدلَتْ عَضَلُ أعضائهِ الموؤفَةِ، وعدلَتْ إليهِ الأعراضُ المناسبةُ بعدَ المخوفةِ، غيرَ أنَّ الحُمَّى غادرتْ بشفتيهِ بَثْرًا يَشُقُّ بهِ تحريكهما عليهِ فحمِدتُ اللهَ تعالى على نزع أغلالِ أعلالهِ، وَحيْعَلةِ أذان بِلالِ إبلالهِ، وقلتُ لَهُ: تالله لقد أحسنتَ في التدبيرِ، وعرفت صَوْبَ القبيلِ والدَّبيرِ، فلذا نجوتُ من غيابةِ هذه البيرِ، فقالَ لي: هذا نماءُ عافية من عِلاجكَ بَذْرُهُ، وانتماءُ سُمُوِّ سلامة من سماء انعياجِكَ بَدْرهُ، قالَ: فبينما نحن نتفاوضُ، ونذكرُ النّخُبَ ونتقارضُ، إذ برزتْ دعاةُ الجُمعَةِ بإعلامِها، متبرجةً ما بينَ أعلامِها، فقلتُ لَهُ: إنَّ وقْتَ الخطابةِ قد أطلّ، وانتظر صيِّبَ لُبابِكَ والطَّلَّ، ولا بدَّ للجمعة من صَلاةٍ، كما لا بدَّ للموصولاتِ من صِلات، فكيفَ تستطيعُ تحريكَ شفتيكَ، لأداء دُرَرِ خطبتيكَ، فقالَ لي: أنشِئُ خطبةً حنيفيّةً، ناصعةَ الفصاحةِ صفيّةً، يعجزُ عن عديدِ وصفِها الحاسبونَ، وتخضَع لوصيد باب خطبها الخاطبونَ، تسكنُ بحركةِ فَم قائلها الشِفاهُ، ويجدُ بها سليمُ أساوه الشظَف شِفَاهُ، لا يمرُّ شُهدها بدَنفٍ إلاّ شَفَاهُ، ولو أشفَى على جِزْع وادي الجَزَع وشَفاهُ ثم نهضَ يتبرنَس، يتدربسُ ويتبهنس، إلى أن صعدَ منبرهُ، وخَمَرَ قَرنَ قوّته وسَبَرهُ، فقامَ لإعلانها، بعدَ إكمال أذانها، وقالَ: شَكر لساني الصادقَ القديرَ، القاهرَ النصيرَ، الرازقَ الخلاقَ الخالقَ الرزاقَ، العزيزَ
[ ١١٠ ]
الحنّانَ، العادل الديّانَ، قاسر سِقَاط الساقطينَ، كاسرَ عساكر القاسطينَ، ساطحَ هالةِ الهدايةِ، ناشرَ راية الدرايةِ، ناسخ آيةِ الغيابةِ، ناحض داحض الإيالةِ، قارضَ عارض الجَهالةِ هاديَ العهد الهاطل، أهل العدل الآهلِ، ذا الظلِّ الظليلِ، العالي الجَدِّ الأثيلِ، الذي شَرعَ الصلاةَ، إذ ذللَ لآياتِ آياتهِ اللات، أرسل جَدّ الحسنين، عاريًا عن الشَّين، عالمًا على النيّرين، نذيرًا إلى الثقلين، جادعًا عرنينَ العنادِ، رادعًا إرعادَ الأندادِ، طالعًا كاهلَ الشَّدادِ، قاطعًا أعناقَ الأضدادِ، نازعًا أسنَّةَ الاختلالِ، قادعًا نِضالَ آلِ الضَلال، صلّى عليهِ صلاةً رائجةً لا انقضاءَ لرشَدِها، غاديةً لا انتهاء لعددها، خاليةً لاَ انحلال لحلالِ حَلالِها، عاليةً لا اَعتلالَ لجلائلِ جَلالِها، خدينَ الخِداع ذا الخِتلِ الخدَّاع، تذكَّرْ هِزّة الرحيلِ، حالَ ارتحالِ الجسدِ النحيل، حالَ صكَّةِ القَلَقِ، حال شِدَّةِ الشرَق، حالَ شَدِّ الخِناقِ، حالَ اعتناقِ خَيْلِ الانخِناقِ، آهًا عليكَ، أرسلتَ رائدَ الدَّنَسِ لديك، هَلاّ تدثرتَ صاهلَ صلاحكَ، هل انتجعتَ غَيْثَ إغاثة إصلاحكَ، هلاّ نتقت جانحَ جناحِك، هَلا حَدَجْتَ ساجحَ نجاحِك، لترِدَ السَّاهرةَ عريًّا عَنِ الدينِ، خليَّ الأخدَعَينِ، أيَّدَك لإهداءَ هَدْي هذي الشريعةِ، لا لنَحْرِ حِقِّ حَقِّ هذه الشيعةِ، قالَ الراوي: فحينَ تخلَّى مِنْ نَشْرِ صُحُفِ فَصاحته، وتَحَلَّى مَنْ تَحَلَّى بحَلْي حُسْنِ مُناوحتهِ، أخذَ بِرُدْنِي أخذَ المُباهِي، وقالَ: فإذا قُضيتِ الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغُوا من فَضل اللهِ، فأقمتُ عندَهُ تتمةَ نهاره، راتعًا في خمائلِ أزهاره، ثم استأذنتُه في ذهابي إلى مصاحبةِ صِحابي فقالَ لِي: قُمْ يا نُصيِّفَ أدبهِ، ووصيِّفَ قبقبه، الراغبَ في خَبَبه، الزاهدَ في نُخَبهِ، عبدَ الطعام عندَ المطعام، السائرَ إلى الأنعام بأكارع النَّعام، فانهَضْ نهوضَ مَنْ حاذرَ الغَبَنَ، واَضطغَنَ ضفْثَ ضغنه واضطبنَ، الصيفَ ضيعتِ اللبَن، ثم أنشدَ: الطويل: ّانَ، العادل الديّانَ، قاسر سِقَاط الساقطينَ، كاسرَ عساكر القاسطينَ، ساطحَ هالةِ الهدايةِ، ناشرَ راية الدرايةِ، ناسخ آيةِ الغيابةِ، ناحض داحض الإيالةِ، قارضَ عارض الجَهالةِ هاديَ العهد الهاطل، أهل العدل الآهلِ، ذا الظلِّ الظليلِ، العالي الجَدِّ الأثيلِ، الذي شَرعَ الصلاةَ، إذ ذللَ لآياتِ آياتهِ اللات، أرسل جَدّ الحسنين، عاريًا عن الشَّين، عالمًا على النيّرين، نذيرًا إلى الثقلين، جادعًا عرنينَ العنادِ، رادعًا إرعادَ الأندادِ، طالعًا كاهلَ الشَّدادِ، قاطعًا أعناقَ الأضدادِ، نازعًا أسنَّةَ الاختلالِ، قادعًا نِضالَ آلِ الضَلال، صلّى عليهِ صلاةً رائجةً لا انقضاءَ لرشَدِها، غاديةً لا انتهاء لعددها، خاليةً لاَ انحلال لحلالِ حَلالِها، عاليةً لا اَعتلالَ لجلائلِ جَلالِها، خدينَ الخِداع ذا الخِتلِ الخدَّاع، تذكَّرْ هِزّة الرحيلِ، حالَ ارتحالِ الجسدِ النحيل، حالَ صكَّةِ القَلَقِ، حال شِدَّةِ الشرَق، حالَ شَدِّ الخِناقِ، حالَ اعتناقِ خَيْلِ الانخِناقِ، آهًا عليكَ، أرسلتَ رائدَ الدَّنَسِ لديك، هَلاّ تدثرتَ صاهلَ صلاحكَ، هل انتجعتَ غَيْثَ إغاثة إصلاحكَ، هلاّ نتقت جانحَ جناحِك، هَلا حَدَجْتَ ساجحَ نجاحِك، لترِدَ السَّاهرةَ عريًّا عَنِ الدينِ، خليَّ الأخدَعَينِ، أيَّدَك لإهداءَ هَدْي هذي الشريعةِ، لا لنَحْرِ حِقِّ حَقِّ هذه الشيعةِ، قالَ الراوي: فحينَ تخلَّى مِنْ نَشْرِ صُحُفِ فَصاحته، وتَحَلَّى مَنْ تَحَلَّى بحَلْي حُسْنِ مُناوحتهِ، أخذَ بِرُدْنِي أخذَ المُباهِي، وقالَ: فإذا قُضيتِ الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغُوا من فَضل اللهِ، فأقمتُ عندَهُ تتمةَ نهاره، راتعًا في خمائلِ أزهاره، ثم استأذنتُه في ذهابي إلى مصاحبةِ صِحابي فقالَ لِي: قُمْ يا نُصيِّفَ أدبهِ، ووصيِّفَ قبقبه، الراغبَ في خَبَبه، الزاهدَ في نُخَبهِ، عبدَ الطعام عندَ المطعام، السائرَ إلى الأنعام بأكارع النَّعام، فانهَضْ نهوضَ مَنْ حاذرَ الغَبَنَ، واَضطغَنَ ضفْثَ ضغنه واضطبنَ، الصيفَ ضيعتِ اللبَن، ثم أنشدَ: الطويل:
تركنا لكَ الترحالَ حينَ تركتَنا على قلَق عاري الأضالع عائرِ
[ ١١١ ]
ترّكناكَ لا ترجعْ إلينا لأنَّنا عهدناكَ خِدْنًا للقِصاع الصغائرِ
قالَ: فشُدهتُ بإنشادِ البيتينِ، العريَّيْنِ من تحرُّكِ الشفَتينِ، وأقبلتُ بعدَ انحرافهِ، على تقبيلِ أطرافهِ، إلى أنْ سكَّنَ هَمَّهُ وسكَنَ ما أهمّهُ، وجعلتُ أكتفي بكؤوس مُضْحكاته، وأَصطَفي من لَبُوسِ حِكاياته، ما نسيتُ بهِ مغازلةَ الأوانس، وهويْتُ فيهِ مجانبةَ الموانس، حتى أمالني، إلى الغُوطةِ شَطَنُ شَيطانِ التشيُّط المَريدِ، واستمالَني نَيْرِبُ نَيْربِ بابِ البريدِ، فعرّضت بمعاودةِ العَطَنِ، وتخفيف أثقالِ فَقَارهِ والقَطَن، فقالَ لي: إنْ كنتَ تطمَع في المسيرِ، وتقنعُ مِن مصاحبتي باليسير، فأطعْ إرادتَكَ ودَعْني، ومَنِّني بطِيبِ عَوْدِ عَوْدِكَ وعِدْنِي، ثمَّ أَمَرَ بإحضار أصحابي، بعد تتابُع انتحابي، وسردَ عليهم سورةَ العويلِ، وعرضَ لديهم زنجيَّة ذلكَ التعويل، فأظهروا كنوزَ بكائهم، وأبرزوا مكنوز برحائهم، وهطلَتْ مدامع ذلكَ العبقريِّ، وجَرَى الوادي فطمَّ على القَري ولما مضّهُمْ ضَيْمُ ذلكَ الرُّداع، وتفاءَل كلٌّ بقَلْب ذاكَ الوَداع، أقالَ وقالَ وهَجّرْتُ بالهواجر وقالَ: الطويل:
أفارِقُهُ والنفسُ ليسَ تُفارق وأصدُقُهُ الصَّفْوَ الذي هو صادقُ
وأصْفِي له ودِّي وإنْ ظلًّ ظاعنًا تُسامِرهُ دونَ الرِّفاقِ الأيانق
وأغضِي على لَذْع الرحيلِ وأنثنِي على طُور ذا التَّفريقِ والقَلْبُ صاعِق
وإنِّي وإنْ عزَّ اللقاءُ وأترِعَتْ بحارُ الجَفَا راج جَنَى العَوْدِ واثقُ
قالَ: فرثيتُ لُهزالِ ذاكَ السمينِ، وإظهارِ جَيْش ذيَّاك الكمينٍ، وأذريتُ لآلئ الدمع الثمين، وفارقتُهُ مفارقَةَ النكاح مِلْكَ اليمينِ.