[ ١٣ ]
حكى القاسم بن جريال، قال: عكفت أيام مواظبة الكفاء ومداعبة الأكفاء، ومعاندة العفاء، ومعاهدة الضعفاء، ومساومة الهيفاء ومداومة النعمة الوحفاء، على نديم زافر أعباء السخاء، نافر عن ركام الطبع والطخاء، يجود بغير الجفاء، ولا يدري ما شميم ريح الجفاء، متعرض للإعطاء غير متعرض بكشف الغطاء: الطويل:
فكان لي الجود الجموم وجوده أحب جموح جانح لإخاء
وكان لي الخل الخدين وخيره أحب رخاء خافق لرخاء
وكنت له الصنو الصدوق مصاحبًا بصدق صلاح صادق وصفاء
وكنت له الحب الخفي محالفًا بفيح فلاح فائح ووفاء
قال: فأقمنا مدة ذلك الارتواء، نرتع في حدائق الانضواء، ونجتلي بين جدد الاجتراء، عروس البراعة العذراء، ولم نزل مع مصاحبة الاصطفاء، ومقاربة الوصفاء، ومعاشرة الشعراء، ومخامرة العشراء، ومسامرة الرؤساء، ومعاقرة لاحتساء، نرتضع أخلاف الإسداء، ونفترع إحقاب المودة، المرداء حتى امتزجنا لمباينة النواء، امتزاج الرحيق بالأمواء، والأعضاء بالدماء، والحور بملحم الظبية الأدماء، ولما انسكبت إسبال تلك الدلاء، ونشبت بيننا شصوص قرابة المقاربة والإدلاء، أقبلنا على الاصطلاء، بنار هاتيك الطلاء فما برحنا نمتطي ذروة غارب الغرابة والسيساء، ونحتسي صافي فصيح الفصاحة والكساء، ونختطف بخزائن اللغيزاء، أقداح القهوة المزاء، بمجلس واضح الاعتزاء، سام بازاء الجوزاء، مع عصبة قصروا ممدود مدد الرياء، واقتصروا على ورود ماء مآثر الأباء والتحفوا بمروط الوقاء، وأتحفوا المعاند بمقانب العنقاء، وألحفوا في إثارة الإثراء، لسد خلل خلة الفقراء: الكامل:
فكأنهم شربوا لبان فصاحة من قبل ما شربوا لبا حسناء
وكأنهم ركبوا متون بلاغة من قبل ما ركبوا مطا وجناء
تنتابهم حزق الوفود لأنهم وردوا الزلال بروضة غناء
حق لقد طربوا بنأمة سائل من قبل ما طربوا بصوت غناء
فبينما نحن نعتور فوائد الظرفاء، ونعتمر ربوع صفاء الانكفاء في ليلة مخلولة النداء، محلولة الأنداء، مغلولة العياء معلولة الضياء، مشلولة الأعداء، مسلولة الرداء، حسنة الحواء، مستملحة الاحتواء، عميقة الشواء مستقيمة السواء، إذ شد شادينا أوتار الغناء، وقد بإطرابه أعناق العناء، وقال: الكامل:
كأس لها سجد النسيم وأسفرت في الكأس تجلى في أجل وطاء
شمطاء يلثمها الفتى ومن رأى حدثًا يقبل وجنتي شمطاء
قال: فآل بنا الطرب إلى الإغماء، وأمال لإطرابه جوانب الغماء، ولما عني بقطع أغنيته العنقاء، وغنى بما أغنى عن نغمة الورقاء، تقدمت أوامر الأجلاء، بإعادة الجلاء، وارتادوا نديمًا يمر تلو هذا الولاء، ويجر إليه ثناء هذيا الولاء، فتجرد كل لعناق فكرته الزجاء، وأحجم إحجام قامعة يوم مواقع الهيجاء، وبينا نحن نرجو قنص مشاكهته العنقاء، ونسدم لفوت عرق وزيرة الغرض والانتقاء، طرق باب الفناء كف لم يخل من خيانة القرناء، قد اشتار علقم الدهاء وطار بأجنحة ريحه الورهاء، وقال: الكامل:
راح لها ارتاح الحكيم لكونها في الراح راح حشاشة الأحياء
حلت بها راح المسيح فأصبحت حصن الحياة وراحة الأحياء
[ ١٤ ]
قال الراوي: فخلنا قد انفجرت ينابيع السماء، أو انبجست لنا أراييج نسيم السماء، وقلنا له: قعدك الله خالق العصماء، وفالق الصخرة الصماء، إلا ولجت لعل هذا الدواء، وفل جيوش هذه الأدواء، فولج لجابة الهداء، ودلج لإجابة الاستهداء، ثم سلم سلام أولى الاختلاء، وتسنم أسنمة الاعتلاء حذرًا من الرقباء، كالقد في القباء، فقعد قعدة الأدباء، وبيده إناء من الدباء، أرق من الهباء، مملو من المزة الصهباء، فألفيته حين راجع حلائل الاستخذاء، وجثم بحذاء الحذاء - شيخنا المصري ذا الاجتناء، المحبو بحناء الانحباء، فدعوت له بالبقاء، وعجبت من عذوبة لقاء ذلك اللقاء، وأخذت أثني عليه ثناء الظمآن على الماء، والصمان على انسجام السماء، وأخذ هو لتصديق، وريق الثناء، وتحقيق تزويق ذياك البناء، ينثر لؤلؤ جرجته البجراء، وينشر رحمة حسن إجادته العجراء، ويمعن في توطيد دعام دعوته والوطاء، بعد امتطاء مطا المطيطاء، وأقبل، الشرب على الاستشفاء، بذيالك الشفاء، بعد أن بوؤه أشرف الخباء وشكروه على حلاوة رفده والحباء، وما فتيء يطفح من سيب جده والجداء، بما يغني عن الجداية الجيداء، ويمنح من جيب جوده والرداء، بما يلهي عن الغادة الغيداء، فلما تكوكبت جرباء أمل ذلك الإرجاء، واعشوشبت لديه إرجاء سباسب الرجاء، ودارت عليه مفاكهة السجراء، واستدارت عليه فواكه الخميلة الشجراء، تقلقل للاغتداء، وأعرض عن معاطاة الاجتداء، فاستمسكت ببزته الحمراء، ولثمت حجر شفوف شفته السمراء، وقلت له: أقسم عليك بباسط الثراء، وفاطر البرى والبراء، إلا زدتنا من قريض هذا النماء، قبل توديع السادة العلماء، لتجول بين هذه الضوضاء، لآلئ عقود منتك البيضاء، فأجاب سائل الاستدعاء، وبادر إلى حل وكاء فضله والوعاء، وقال: الكامل:
روح ترى الأحداق تحدق حولها شبه القلاص لدى فنيق رغاء
روح متى انسكبت بندوة آدب أهدت هدايا الفهم للبلغاء
باتت تغازلني وبت مغازلًا لجمال بهجتها مع الخلصاء
خلعت علي محاسنًا من نورها فلذا رفضت محاسن البوصاء
بكر بها اهتدت السقاة لكونها في الشرب شبه أشعة الأنواء
فهي التي كانت لموسى جذوة في طور مطلبه إلى الأضواء
وهي التي كانت لعيسى مهيعًا يشتار نشوتها مع الحبساء
تجلى على سرر السرور لأنها في الكأس عرس مجالس الجلساء
قال القاسم بن جريال: ثم إنه هم بالانجلاء، بعد جلوة عروسه النجلاء، فعرقنا بمدى مدى البكاء، وغرقنا بذرور ذكاء ذلك الذكاء.