أخبر القاسم بن جريال، قال: شعفت مذ نزر شناري، وشرف مناري، وكمل عذاري، وعظم حذاري، بإصلاح القصائد، وإعمال الفكر الصائد، ومداومة الشعر المجيد، ومصاحبة ذي الشعر الفاحم والجيد، فلم أزل أمارس فرسانه، وأخادن أخدانه، حتى علقت منه بسبب متين، وشربت شراب شهاده بأشرف وتين، فبينما أنا أنادم أضواء الشوابك، وأشابك شناتر الخشفان المشابك، إذ حذفت بمنجنيق التباعد، وقذفت بساعد القدر المساعد، مع صحبة ممردين، ورفقة متمردين، إلى مدينة ماردين، فولجتها خاليًا من النزيل، بالطرف الهزيل، لأكتنف كنًا يكنفني من جثول ثلوجها، إلى أوان خروج مروجها، لعلمي أن دخان هوجها، أطيب من طيب يلنجوجها، فحين برقت بروق جبابها، وشرقت علي فضائل أربابها، وسعيت في تورابها، إلى ملاعب أترابها، ألفيت أبا نصر المصري يتبرنس ويريس، ويتبهنس وبهيس، فلما أبصرني صرخ صرخة المهضوم، ومسح عني متوسط فضلات ثالث الهضوم، فانفتح من باب المسرة ما انسد، وابيض من وجوه المواجهة ما اسود، وانقبض باع المباعدة بعد ما امتد، ووهى قطع المقاطعة عندما اشتد، ثم قال لي: ما الذي أسلمك، وخفض في مسلك المكاسب سلمك، حتى أفنيت درهمك، وأضويت أدهمك، ثم مع هذه السفرة الصالحة، والروية المصالحة، علام تعول بهذا السكن، وتؤمل من استيطان هذا الوطن، الذي تستجدي باستحمامه الماء، وتستلم به سلامى الساكن السماء: ويلقى به الوقور، وتصادم صدور عقبانه عقابه، فلتجدن من قرة اللازم وصره الملازم ما ينسيك حرارة الوحيم، ويمنيك ولوج نار الجحيم، فقلت له: لا أعبأ به مع عب العقيق، وضم كشح الشادن الدقيق، ودفء الخدور وانضاج القدور، ومع هذا التحذير، ورفع أهداب هذه المعاذير، فما الذي تعرفه من اتفاقهم، وتغرفه بمغرفة انتفاء نفاقهم، وتصفه من طهارة أخلاقهم، واجتناب اختلاقهم، وكرم أعراقهم، واشآمهم في الشرف وإعراقهم، لأستلئم ما يليق لوطيسهم، وأترنم بما يروق قلوب عيس تعريسهم، فقال لي: يا ابن جريال أما اتفاقهم فقديم، وأما نفاقهم فعديم، وأما أخلاقهم فذكية، أما أعراقهم فزكية، يغمر وكف، كفوفهم المكفوف، وتصافح كف عرف معروفهم المعروف، يتهافتون مع الحمية، والمآثر الحاتمية، إلى جبر كسر المسود، تهافت النوب على نور ربى الخمائل السود، حتى لقد أنسيت لعدم عابهم، صعود صعابهم، وشاهدت من سهولة اتباعهم، ما أنساني خشونة رباعهم، وأنا برسالة مسائلتك أصدق سفير، وبوادي ودادهم، أرفع شفير، لأنني فيهم ابن سمير، وأعز شمير، وأكرم جبير، ولا ينبئك مثل خبير: البسيط:
قومًا علوا عاتق العلباء واعتصموا بمعقل من رفيع العزم ممتنع
يمسون يسمون بالسرو السني على سعد السعود بسعد ساد متسع
[ ٣٦ ]
قال القاسم بن جريال: فقلت له: هل لك في ارتشاف قرقف المرافقة، والاعتكاف بجامع هذه الموافقة، لنطفئ بماء المواصلة نيران البعاد، ونرفئ قارب المقاربة إلى ساحل قطع هذا الإصعاد، ونهزم بين أفياء الفتاء، عنترة عنبرة شدة هذا الشتاء، فقال لي: قسمًا بمن يسر طيب هذا الإلمام، وبرقع برقعًا ببراقع الغمام، لقد نطقت بلسان مأربتي، وطرقت باب الأرب، بأنامل لبانتي وأشرت بما نشر لواء سعادتي، وخزق نبال الغرض بغرض إرادتي فأشرت رهطك من إذا زجرته تاب، أو هجرته انتاب، أو سللته جاب، أو سألته أجاب، ثم إنه مرج لتحصيل البيت، وإحياء قربنا الميت، وبيع الأدهم لشراء الكميت ولما أخذ في تحويل أداته وإصلاح لحمة الأدب وسداته، وشرع في نقل دوياته مع حسن أدواته، كنت بحمل جلائله من المجلين، وبقبلة مقابلته من المصلين، وحين حصل بها الخندريس واتصل بنا الأنيس، وبدت مسرتنا تميس، كأنها لميس، جعلت أكشف بها خمار المخامرات، وأضرب بصولجان الفكر كرة المذكرات، وأوقد مصباح مصاحبته في مشكاة مشاكهته وأسرح ببستان مناسمته آمنًا من صرامة مصارمته، وأنصر خمائل عسرته، بنصر يمين الميمنة ويسرته، إلى أن دفؤ جسد الزمان، وورد من ديوان الزعازع توقيع الأمان، ولما انسلخ البرد انسلاخ الأرقم، وانفدخ الروض عن السوسن المزرقم، وتجلل الورد بغلائل الدم، وانجلا الشقائق في الوشاح المعندم، وطاب طلب التزاور والمزار، وأعلن بالدوح نوح الهزار، اقترحت عليه الخروج إلى بعض الحدائق في يوم مزن مشقق البنائق، مع صحابة صرموا وصال المصارم، وربوا بين خفق الألوية، وسل الصوارم تسمح بالهجان الأوراك، وتشمخ بأنف الأنفة على أولاد الفوارك: البسيط:
كأنما خلقوا من درة فعلوا فرق السماك بفضل فائض نضر
لا يلبس الباس قلبًا في قلوبهم يومًا ولا انخفضوا من خافض وضر
ولما تخيرنا مقاعد الجلوس، وتحيرنا لصفاء تلك الكؤوس، أقبلنا نستوي على خلوف خلفة المفاخرات، ونشتوي سمك المكاسرة في لهيب نار حريق المحاورات، إلى أن اتصل بنا ما لا يعود بعسكه سدى، كقولك: أدبك بدا، قال الراوي: فأشار إليه من بحذائه بأن يحذو مواقع حذائه، فأقبل بوجهه إلي وقال لي: يا بن جريال، فز بحل إشاح هذا الضحضاح، وتوق لذع رماح مر الافتضاح، فقلت له: أنى مع صدا شدة النقصان، أحدث روحي باجتناء هذه الأغصان، أو ما علمت أن الإنسان أخبر بوسمه، وحسان أعرف باسمه، أفتفخر بين الأبيضاض؟ من أزاهير الرياض، خميلة خاملة، بل أظري فإنك ناعلة فقال لي: تالله لقد أصبت بنصال مصداقك، وقرنت بعذق المصادقة حلاوة أعذاقك، ثم إنه انكفت لاستخراج كمينه، والتفت إلى من عن يمينه، وقال: إلفك فلايا من يجوز الفلا فلا ثم أجج المناظرة لمصليه وأزعج ضرام المفاخرة لمصطليه، وقال: يا من بربع المعاني يلم، منتك لك تنم، ثم أرقل إلى مسليه، وأقبل يرمق من سيليه، وقال: يا من به قمر المعالي يتم من يمل لم ينم، ثم اسمهر طرفه إلى التالي، واستمر على ذلك التوالي، وقال: يا منعمًا قد أطواق الشقاق وشق، قد بلاء إذا ألب دق، ثم لوى، ليته إلى المرتاح، واستوى استواء المرح المرتاح، وقال: يا ذا الذي شرف الشرب بلطف قد قرب، بحر سنا فنك كنف أنس رحب، ثم عطف للشادي العاطف، العطر المعاطف، وقال: إني لأعجب مع امتداد طيل تلافيك كيف يلذ لك، إذا كل ذلي فيك، قال القاسم بن جريال: ثم إنه نفحهم بنظمه المجيب، ومنحهم به على ذا النمط العجيب، وقال: الرجز:
افصل خلًا إذا وجا واجد إذا الخل صفا
أفر أذًا إذا فرا وارف أذًا إذا رفا
افعل علًا إذا كبا وابك إذا العل عفا
أفل سنا مجالب بلا جمان سلفا
افرج ملما ذا أذًا إذا ملم جرفا
[ ٣٧ ]
فلما عمهم بنضارة نضاره، وخصهم بخصائص اختصاره، بوؤه نمارق الإجلال، وخولوه أيانق الإفضال، ثم إنه انبسط فضله وانتشر، وانخرط في مسامع الملك واشتهر، وأحب بأن يتحفه بدرة من فاخر لبابه، أو بدرة من زاخر عباد، فمال إلى مراده، وأملى له من لطائف إيراده، ما يخضع لصحيح فضله الصحاح، ولا ينكح لؤلؤ إفصاحه النصاح، فتدبرتها وقد حلت أجياد المردمين، وجلت بحلبة قريض المتقدمين، وتأملتها إذ زانت، وأعجزت الأفاضل وازدانت، وتغطرست وما استكانت وضوع عرف عبيرها فكانت: الخفيف:
أترع الكأس أكؤس الندماء أضحك النور أدمع الأنواء
بسقاة برت بحسن بنود بل بدور بدت بأوج بهاء
تلني لم تلوها تموج تلال تتهادى تطيل تيه توائي
ثيبات ثوابهن ثلوثي ثملات ثمالهن ثرائي
جابرات جنانهن جناني جائرات جحيمهن جفائي
حط حالي حؤول حب حبيب حاكم حاسم حوا حوبائي
خائن خاذم خدين خداع خادر خاتل خفي خباء
دائل دائم ديار دلال دار دهما دنية وهماء
ذابل ذابل ذميم ذرار ذي ذمام ذميمة ذناء
رافل راقد ربيع رواء رزم رائع رثيث رفاء
زائغ زيغه زواه زميع زاجر زاخر زبى زمعاء
سائغ سابغ سحوح سداد ساكب سامع سني سناء
شاكم شاكر شموس شموس شبع شهبا شديدة شقاء
صارم صابر صديق صفاح صادق صالح صحيب صفاء
ضرب ضارب ضراح ضيوف ضيغم ضامر ضليع ضياء
طافح طاهر طليق طباع طارق طاعن طريد طلاء
ظلف ظاهر ظهر ظليم ظالم ظالمًا ظبى ظرفاء
عالم عادل عروف عزوف عاصم عارف عظيم علاء
غائر غائم غرير غمام غدق غيره غثيث غثاء
فطن فاخر فريد فرند فارس فيلق فتي فتاء
قرع قارع قريع قراع قاهر قاسر قضيب قباء
كاشف كاسف كمي كفاح كامل كافل كريم كفاء
لقم لسلس لجين لبان لؤلؤ لهذم لهيم لواء
ملك مالك معين معين مانح مانع مبيد مراء
نائل نابل نبيه نضال ناصر ناضر نبي نماء
هاطل هائل هموس هجان هاتم هاثم هزبر هباء
وزر واكف وراء ودود ورد ود وديمة وطفاء
لاحق لاذ لائذوه لإعلى لاحب لا لأفة لأواء
يقق يافع يفاع يفاع يوح يوحى يتيمة يهماء
قال: فلما تمطرت إلى جنابه، وعطرت بأنابها فائح إنابه، نفحه بخلعة مسهوهبة الميدان وخلعة مغدودنة الأردان، وأحله لهذا الإبداع، ونفاسة هذيًا الإيداع محل الأنفة من القارن، والقصبة من المارن، فصائح بشثن ثنائه، وكفوف اكتفائه، بطون رواجب سمائه، وفض ما فض له على ندمائه، ثم إنه قصد المرحاض، فما آض، فغاض المرح بعدما فاض، وإنهاض ساق السعادة إذ أفاض فحصلت منهم على كثب، وفصلت عنهم عن كثب، فلم أر أزهر من ليلة قدر ذلك القدر، ولا أعطر من نكهة ثغر ذلك الثغر.