روَى القاسمُ بنُ جريالِ، قالَ: ما فتئتُ مُذْ حَرَصْتُ على النَّضَارة والنضَالِ، وخلصتُ مِنْ قِسيّ الجهالةِ والنِّصالِ، واَعتليْتُ قُنَّةَ الإقبالِ، واَحتذيتُ قبائلَ الأقتالِ، وقَلَلتُ قُلَلَ الجَنَفِ والاحتيالِ، وخلعتُ خاتِمَ خِنْصِرِ الخديعةِ والاختيالِ، أتوخَّى قليلًا لا يَحتذي لاحبَ خيانةٍ، ولا يحتذِي رَواحب جنايةٍ، ولا يَجْحَدُ لي إيالةً، ولا أحمِلَ من ثِقَل إبَّائه إبالةً، إلى أن ظَفِرْتُ بخلٍّ مُخْضَرِّ النعال، غير مُتَقَلْقِلٍ لمفارقةِ البِعالِ، ذي جَنان مِزْحَمٍ، ولسانٍ مِرْجَم، يسبحُ العائمُ في لُبَابهِ، ويركع إيوانُ كسرى لِبابهِ، لا يميلُ عنْ حِبابهِ، ولا يستنجعُ محارِمَ جَنابهِ، ولا يَفْري بغَابهِ، عِرْضَ منَ اتَّشحَ بعَابهِ: الطويل:
فكانَ على أزْم الخَنا وخِطابهِ أخا خَفَرٍ لا يَخْتَلي غيرَ طابهِ
وكانَ على رَشْفٍ الشرى ورُضابهِ أبا سَفرٍ لا يَجْتلي ضَيْمَ ظَابهِ
[ ١١٦ ]
فلم أزلْ منذُ أحسن وَربي، وخوَّلني رُخالًا ورُبِّي أشكرُ شَيْمَ تلك الخلالِ، وأسكنُ في وَسيم ذاكَ الحِلالِ، وألتحِفُ بشف تِيْكَ الشِّمالِ، وأتصف بسَف سَفوفِ نَسيم الشمالِ، إلى أنْ مجَّنا فَمُّ قَزوينَ بعدَ طُولِ النَّقلِ، واَحتمالِ الصَّارم الثقيلِ، فولجتُها بقَلْبٍ قلّبَ ما نَضبَ وَدرَّ، وقلّبٍ جرَّبَ ما غَرَبَ وذَرَّ، لنكتَسِبَ ضَرَبَ زُبدِها، ونَخْتَبرَ شَرَفَ رُبَدِها، فحين طافتْ علينا طوائفُ إبداعِهم، واَصطافَتْ أسماعُنا في طرائف إيداعهم، ألفيتُهم سِّن يفضِّلونَ أصواتَ الجُدَاةِ، على طِيبِ نَغَماتِ الحُداةِ، لا تَنسى بمناسمةِ وسنانِها، مصادمةَ عاملِ الغيِرَ وسِنانِها، ولا تَسْتُرُ مَرأى عيانِها، مخافةَ انتجاع عَنانها: الكامل:
فَهُمُ السحائبُ إنْ تعذَّرَ هاطل يومًا وأقلعَتِ السماءُ وشحَّتِ
ومَتى ترنَّقَتِ المواردُ أو خَلتْ جادتِ بثجَّاج النَّوالِ وسحَّتِ
وإذا تزاحمتِ الحروبُ وحَمْلَقَت قامَتْ على قمَم القُبول وشَجّتِ
وإذا تهتكتِ السُّتورُ ومُزِّقَتْ سدَّتْ كُوى بِدَع الهَناتِ وسَجَّتِ
قال القاسمُ بن جريالِ: ثم لم نزلْ نرتعُ في حِمَى حِوارهِم، ونَرْبعُ حَجرَ حِجْرِ جودةِ جوارِهم، ونَشْتارُ مِنْ شهْدَةِ نشاطهم، ونَمتارُ من زُبْدَةِ سَعَةِ بساطهم، حتَّى بُهتنا بَهتونِ هباتهم، وشُدِهْنا بشيْم شآبيبِ هيئاتِهم، ولمَّا حانَ حِيْنُ الارتحالِ وطابتْ بوصفهِم جلائلُ الارتجالِ، عَرَضَ لَهُ دِقٌّ اندقَّتْ فيهِ صِعادُ صَبره وبارتْ، وهاجَتْ بهِ هُوجُ ريْح تَباريحهِ وثَارَتْ، واَنجزلَتْ حِبالُ حِدَّتهِ وحارَتْ، وانخزَلَتْ جِبالُ جدَّتهِ وخَارتْ، فلمَّا عالَ عَناؤهُ، واستطالَ عياؤهُ، وتغيَّرت سحناؤهُ، وكرَّتْ من كَمينِ الكُرَبِ شحناؤهُ، واَنشقَّ مِنْ مشقَّةِ المَرَض شقَّاهُ، وسَقاهُ كأسُ السَّقَم ما سقاهُ، وعَزاهُ إلى الرِّمَم ما عَزَاهُ، وغَزاهُ مِنْ غُزاةِ الرَّزايا ما غَزاهُ، طاحتْ عليهِ رَحاَ الحِمام، وناحَتْ على آدابهِ وُرْقُ الحَمام، فبادرتُ إلى إحضارِ، حنوطهِ وغِسْلهِ وتنظيفِ رداءَ دَفْنهِ وغسْلهِ، ولمّا ضمَّهُ بُهرة لَحَدِهِ والحوافي، وأنبتَ الأسف عُوجَ قوادم الجَزَع والخوَافي، حَضرَ واعظٌ قَدْ لوَّحَتْ حَرورُ الهَرَم وجوهَ قطَنهِ، وصوَّحتْ رياحُ الحِكَم حدائقَ فِطَنهِ، فقعدَ من حيثُ نرقُبُه ونرَاهُ، وقد تَبعَ قَرَنَ المقاربةِ وتَراهُ، فلمّا قطعَ القارئُ ألحانَهُ وقُرانَهُ، وحسَمَ وضَين تَرجيعهِ وقرانه، حمِدَ اللهَ تعالى وشكرَ، بعدَ أنْ جَدَّ سُيولَ انسجامهِ وسكر، ثم قالَ: صدقَ اللهُ العظيمُ.
[ ١١٧ ]
الحفيّ الكريم، الخفيُّ رازق الأنام، وغافرُ الآثام، رافع الجرباء، وساطحُ الحزباء، الوافر الحياء، المتضاعف الحباء. مُخَدِّدُ الخدودِ، الواضحُ الحدود، ذو الجدِّ الفاصل، والحدِّ القاصل، والمِنَنِ الظاهرةِ، والسُّنَن الطاهرةِ، الذي أوعدَ أربابَ الفُجورِ، وأرعدَ لتَرْك زَكاةِ الفجور، وتَعْتَعَ المساكنَ وذمَّر، وزعزعَ الأماكنَ ودمَّرَ، أحمدُهُ على تكاملِ نِعمِهِ، وتَزايُدِ نَعَمِهِ، وإفضالهِ المعروفِ، ونَوالهِ الغامرِ المَغروفِ، وأشفعهُ بالصَلاةِ على خيرِ مَنْ خَلَقَ، وعَجَّ بتَطوافهِ إذ حلَقَ، عِبادَ اللهِ ما لكُم أهملتُم الخُشوعَ، وأعملتُم الأملَ الجَشوعَ، وغفلتُم عَن انجذاب زمامِكم، وأَغفلتُم ذكرَ مكاسرةِ رِمامِكُمْ وسُحْتُم، إلى جِفانِ الجَهْلِ واغتذيتم، ورحتُم بارتياح راح الحَنَقِ واَغتديتُم، طالما ذكَرتُم حلاوةَ منافستِكُم، ونسيتُمْ مرارةَ مناقشتكُم، وقلَّما نَفِدَ أعياؤكُم، أو خفَّتْ أعباؤكم، لا تتَّعظونَ بمالكٍ غَبرَ، ولا تعتبرون بهالكٍ عَبر، ولا تكترثونَ بمصادمةِ المآتم، ولا تحترثونَ لحَصْدِ مُنافثَةِ المآتم، همّكم أَكْلُ القاترِ، ومحاضرةُ الطَّرْفِ الفاترِ، ومَنْعُ الإعانةِ والأَعطيةِ، وهَتْكِ سُتورِ الفواحش والأَغطيةِ. هًلاّ ادكرتُمْ السَّيْبَ الذي نَقَضَ جُدُد جُدودكُم وحَطَّ، والشَّيْب الذي وخَطَ بعَرْض عَارضَيْ خُدودِكُم وخَطَّ، والسَّهو الذي مَقَلَ مَقْلَ عقولِكم وغَطّ، والمَهْوَ الذي نَقَلَ نُقَلَ قَمَر اقتداركم وعطَّ، فإلامَ تختالونَ، وعلى حَقير الحُطام تَحتالونَ، أفٍّ لما تتركونَ، وتُفً لعَطنِ عُطلةِ بهِ تَبركونَ، وتَبًّا لِمَا تجلُبونَ، وعُسِّ سَفهٍ بهِ خِلْفَ المخالفةِ تَحلبونَ، إنكم لفي بحرٍ من الحِيَلِ سابحون وَبرٍّ من عَدَم حُسن بِرِّكم سائحون، ثُمَّ أنشدَ: الكامل:
يا مَن تروَّح بالمُنى ثم اغتدَى وبدايَتَيهِ ببغْيهِ لمّا اَعتدَى
إنْ كنتَ مغرورًا بتنقيس المَدى فَلعَنْ قريب تَرتوي منكَ المُدَى
ببنانٍ حَينِكَ إنْ تراهُ قد سدا حتّى تَصيرَ بعَرْقِها العاسي سدا
[ ١١٨ ]
فحينَ قَضبَ جريرَ جرَّتهِ، ونَضَبَ ماءُ مَسيلِ حرَّتهِ، وأَلجم أسَد وعظهِ القَضْقاض، وألجمَ سَدا فضلهِ الفَضْفَاض، وقدَّ قميصَ يُوسُف عِظتهِ وقَصّ، وسدّ ما انسجمَ من سَحَ سحابهِ وفصَّ، قالَ: أًلهمكُم اللهُ الصبرَ الجميلَ، وأتبعَ في دَعَ سَيْلِ مصابكم الحًميلِ، وجعلَ هذا الرُّزء فِسْكِل أتراحِكم والهموم، وآخِرَ ذَمّة أحزانِكم والهموم. ونفَحكُم بأَجْرٍ تضيقُ بهِ متونُ العَراءَ، ويَصْغُرُ في جَنبه كبَرُ هذا العزاءَ، بطولهِ السابغ الذُّيولِ، ودَوح إحسانهِ المنَّزهِ عَنِ الذّبولِ، قال الراوي: فلمّا غَبَطُوا جودَةَ فيضه النجيبِ، وأغبطوا الأنفسَ حَلَّ نظام لآلئ النحيبِ، جَبرُوه عندما خَبرُوهُ، وشبروه بعدما سبروهُ، فكنتُ أولَ مَن حضرَهُ وحيّاهُ، وحل بمحضره حباه وحباهُ، وكنتُ أرجَي حينَ سكرتُ من سلافةِ شموله وشكرْتُ تألقَ ضياءَ شُمولهِ، مَعْ ما أمارسُ مِن مُزاحمةِ العَمِّ، وسَورةِ سُكْر مزاحمة الغَمِّ، حصولَ معرفتهِ، وما الذي حَصَلَ برفع غَوْرِ مِغْرفَتِهِ، لأعرفَ من أي سحاب انسكب سيبُهُ، وفي أيَ شِعْب شَعْبِ انتشرَ شَيبهُ، فم أستطِعْ للجَلبةِ إبصارَهُ فما ثلت بالأثنيةِ أنصارهُ، وأمهلتُه إلى أنْ قرَّ المجلسُ وتَسَعْسعَ، ورقَّ قَرْقَفُ المطاللةِ وتشعشعَ، وتَقَهْقرَ النهارُ ويرَفع وجهَ الغزالةِ البَهارُ، ولم يبقَ معه من الخَلْق، سوى سدس عددِ أحرفِ الحَلْق، فألفيتُهُ النّهْشلَ الشريَّ، والسَّميدعَ السريَّ، ذا الفضل المضري، أبا نصر المصريّ، صاحب البطش الضرّيَ، وعاشقَ الدَرهم الصريَ، فأقبلتْ أمورُ مَوْرَ الخائم، وأتردّدُ تردد الحائم، إلى أنْ سلّمْتُ عليهِ تسليمَ مَن ظفَرَ برجائهِ، وقرن هُوجَ هَجُوم جَذَلهِ برُخائه، وقلتُ لهُ: إلامَ معْ سَعَةِ سأوكَ، وشَرَف شِنْشنَةِ شأوك، وتطاولِ سِنِّكَ، وتضاؤل شَنِّكَ، تُظْمئُ وتعُلُّ، وتَسرِق وتَغُلُّ، وتَنْقُصُ وتَحيس، وتنقضُ وتخيسُ، وتزهدُ في نديك، وتُزعجُ أوابدَ بديِّكَ، وتَروضُ ضُبارمًا وعامرًا، وتخوضُ عامرًا وغامرًا، وتَلبِسُ أسماطكَ والأسمالَ، وتستأصِلُ الباكورةَ والأشمال، وتلتقمُ التقام الناهِش، وتتأوّد تأوّدَ النزيفِ الباهش وتجيء بالصُقْرِ والبُقْرِ، وتهزأ بالأسودِ والبَقرِ، فحينَ جُرحَ بحسام سام مَعْتَبتهِ، وعُقِرَ بعُقارِ قارِ مَعْيَبَتِهِ، نظرَ إليَّ نظر الأسدِ الباسلِ، وانهمرَ كالسيلِ الناسل، وزفَر زفرةَ المُعل، ونفثَ نفثةَ الأفعوانِ المُغِل، وقال لي: خَلَني من نِمْنَمَةِ فُصولكَ، وحلِّني بحلْي قَضْبِ فائض فُضُولِكَ، واذهب بداءَ غُلِّكَ واكفني غَلْغلَةَ غَلَلِ غِلّكَ، فلستَ لي بصاحبِ ظريفِ، ولا باذلِ تالدِ ولا طريفٍ، وحيثُ لا تُعِينُ، ولا تسامح ولا تغِين، فأنتَ أولُ مَنْ مَنَّ ودَّهُ وجَبَّ، وكسرَ ساعدَ مساعدتهِ وخبَّ، فلا خيرَ في مساترتِك، وخساسةِ مُسايرتِكَ، ومعَ لَسْع سِفّ سَفائكَ، وطُولِ طِيَلِ شُقَّةِ شَقائكَ، لو مَنَحتني من تكملةِ إفصاحِكَ سطرينِ، لجعلتُ صِلَة هذهِ الموعظةِ بيننا شطرينِ، فالَ: فكأنه نَدِمَ على كَلامه، فطفق يداوي مواضع كلامهِ، فألقاهما إلي وسكع ونسأ بعيرَ عزمه وشكعَ، وقال لي: إلى كَم بالغرامة أغطِّيك، فتارة آخذ منك وتارةً أعطيكَ ثم إنَهُ جالَ جَولَ المقاطعةِ وحامَ، وأحجمَ عن خيول المخاتلةِ وخامَ فتظنيته أقتنصَ بحبائلِ الحِن، أو احتُنِك بأناملِ جحافلِ الجن.