أخبرَ القاسمُ بنُ جريالِ، قال: قرمتُ إلى مناهزةِ الابتهاج، أيامَ ضيقِ الانتهاج، وسئمتُ مرارةَ العلاج، أيانَ انزعاج المزاج، وكنتُ حينئذٍ ضئيلَ النياطِ، جزيلَ الاحتياطِ، ألِجُ من شدّةِ العِياطِ، في سم الخياطِ، فلم أزل أنْغِضُ لمباينةِ الغَرَض، وأستعرضُ عساكرَ العَرَض، وأتسلَّى بالحَرَض، وأحتملُ ثقلَ مضض الجرض، حتى آل بي إلى الانتصابِ، وجرَّعَني عُصارةَ ذلكَ الصَّاب، فلّما جاوزْتُ البحارينَ، وأعجزت بتَفَلِ العرقِ مسكَ دارينَ، واستجثتُ المعين، وبلغتُ
[ ٦٧ ]
في العددِ الأربعينَ، كرهتُ محادثةَ الملازم، كراهيةَ تقدّم الكسرةِ على الضم اللازم، ولمّا مِلْتُ لإصلاح ما جنيتُهُ، وقَدِمتُ إلى ما اقتنيتهُ فأفنيتُهُ، لعلمي أن مَنْ تخَلَّفَ عن مُعْسِرٍ حَسَرَهُ، ومن خلَّف مالًا لغَيْرهِ خَسَرهُ، وكنتُ حين شُبوب هذا الهُبوب وشِدةِ الهُوب، ذلكَ الشؤبوبِ، معمورَ الفِناءِ، عاكفًا بالكوفة الحسناءَ التي تُخْطبُ لجمالِها، وتسجُدُ جباهُ وجوهِ الأجلَّةِ لإحلالِها، فبينما أنا أجانب الرجالَ، وأكافحُ بذلكَ المجالِ الأوجالَ، إذ ولجَ ممِّرض المُجابُ، ومَنْ رُفِعَ لهُ دونَ الحَجْبَةِ الحِجابُ، وبيدهِ فِلْذَةُ جُزازةٍ، تُبرئ منْ به حرارهُ حَزازةٍ، وقالَ لي: إنَّ شيخًا من جُملةِ مَنْ غُمرَ بسيْلِكَ، وعُمرَ مَرْبعُهُ بنَيْلِكَ، دَفَعها إلي، وقالَ: مُرْ مريضَكَ، ومَنِ ارتضى لمرضهِ تمريضَكَ، بأنْ يُعَلِّقها على عاتقهِ اليمينِ، متوِّسلًا بالغُرِّ الميامين، فإنّهُ متى غفا، عاد من ربع عافيته ما عفَا، قال: فصبوتُ لقَوْله، واعتمدْت على قوة الله وحوله، ولما أقبلتْ قبائلُ الاضجاع، واَستقَبلتْ يدُ المَحْمدةِ حَلاوةَ ذلك الانتجاع، واسترحتُ من مكافحةِ الأحلام، ألفيتُ قد أجفلَتْ قنابلُ الآلام، فحمِدْتُ اللهَ على غَورْ ماءِ ذاكَ السِّقَام، وغؤورِ عيونِ انتقام ذلكَ السَّقام، ثمُّ إنِّي فَضَضْتُ الرّقعةَ فضَّ المخالس، لأنظر سِرَّ برئها المُحالس، فإذا فيها: يا منْ تَوَى لهيبتهِ الملوكُ، واستوى في حِمامهِ المالكُ والمملوكُ، وقَصرَ قَيْصرَ لتقصيره، وكَسرَ كسْرَى مَعْ عِظَم كسيره، ونكَّسَ رؤوسَ الوجوه الباسرةِ وأركس قِمَمَ القُيولِ الناسرةِ، وثَّمرَ أعمالَ عبدّائهِ المُقسطينَ، ونضرَ عمال أعدائهِ القاسطينَ، وأترعَ حِياضَ أفضاله للغارفينَ، وأوقدَ مِصباحَ مَعْرفتهِ في قُلوبِ العارفينَ، أسألُكَ بكتابكَ المتين، ومحمد الطاهر الوتينِ، أن تَحْرُسَ حاملَ المَسْطورِ بالذارياتِ والطُّورَ، وأنْ تُخْرِسَ لسانَ ضَرَرِ أعضائهِ البُور، بالوَحْي المزبورِ، وأنْ تكفَّ هَوْلَكَ عن أكفِّ مِنَنِهِ، وتَحُفَّ حولَكَ حوْلَ أمْنهِ ومأمنهِ، واَرَزْقهُ الصَّبْرَ عندَ نزولِ مَتربتهِ، ولا تُذِقْهُ الصَّبِرَ حال حلول تُربتهِ، وثَقِّفْ لَهُ صِعادَ الإصعادِ، وهَدِّفْ لهممهِ سُعادَ الإسعادِ، وأغنهِ عن الأساةِ، وَأعِنْهُ على سلوكِ سَنَنِ المواساةِ، واحم حوزَتهُ عن البُغاةِ والطُّغاةِ، وارم مَنْ رَماه بالعُدَاةِ والمُعانَداتِ، ولا تسلِّطُهُ على فَك فِدامهِ لإعدامهِ، وأسَعدِهُ على رسُوخ أقدامهِ يومَ اصطدامهِ، واسْبُرْ سيَرَ تهتانه لا بُهتانهِ، واستُرْ محاسنَ حِسانهِ لا إحسانهِ واَرفعْ سَقَمَ سويدائهِ، وادفع عنهُ شَررَ أعدائه، ودَائه برحمةٍ منكَ يا أرحمَ الراحمينَ، وأكرمَ المتكرمّينَ، قال القاسمُ بنُ جريالٍ: فلّما وقفتُ على دُعائهِ المُستجابِ، وَعَرَفْتُ يَقَقَ ذلكَ التِّجابِ، قُلْتُ للأعبُدِ: عليكم بكَشْفِ نِقْبَتهِ، ولو باستكمالِ حقبته، فمَنْ أمعَنَ في رِقبته، أنعمَ اللهُ بحَلِّ رقبته، فحينَ مثلَ لديَّ، وأقبل مسلِّمًا عليَّ، ألفيتهُ المصريَّ، شيخَ الأعاجيبِ، وسُبَحَ أنامِل المَكْرِ المُجيبِ فقمت إلى لقائهِ، لأتُبعَ شِناقَ قِرْبَةِ قُربهُ بِسقائهِ، ولمّا سَمحْتُ لَهُ بالمَكفورِ والنابت، وفديتهُ بالغصونِ والمنابتِ، قلتُ لَهُ: قد بَرِئْتُ بحمدِ اللهِ من سَقَمي، وأحضرتُك لتحِلةِ قَسَمى، ولأجازيَك بما يملأ بوحكَ، ويُصلح صبوحَكَ، ثم إنِّي استوصيته بعد أنْ كنت عَقَقْتْهُ وعصيْتهُ، فقالَ لي: عليكَ بالتأسِّي ولو نَابكَ رَثْمُ، وإياكَ وسوء الظن إن بعض الظن إثم، وصف نضار ظنك ببوطة الخلاص، واعلم أنك ستعرض يوم القصاص للاقتصاص، فقلت له: وأنت فيجب أن تتجنب موارد الانتقاص وتقلع عن مصايد الاقتناص، فقال لي: كم لام قبلك فما عبأت بالكل، ومن احتمل الوابلَ لا يكترثُ بالطَّلِ، وهِرٌّ تعوَّدَ رَشْفَ سُلافةِ الحَل، لا يأكل البصلَ بالخلِّ، ثم إنَّهُ نشرَ طُرْفَ ربيع، نيسانِه، وطَوى طَرَفَ رفيع طَيْلَسانهِ، وأنشدَ: الراجز:
دَعِ الملامَ واحسِمِواقطع آذاكَ واجزمفليس يُدْمي مَنْ رُمي
بلومِكَ المُذَمَّمَ
كم لائمً رفضتُهُوجازم خفضتهُوصائمٍ ركضتهُ
إلى النًّوالِ المُسْجَمِ
[ ٦٨ ]
وكم جَزَمْتُ عِفَّةوكم نصبتُ كِفَّةًوكم خفضتُ خِفّةً
خوف الخبيثِ المُجرم
وكَمْ تلوتُ السُّوراوكَمْ علوتُ المِنْبَراوكم جلَوْتُ الدُّرَرا
على النَّدِىِّ المُفْعَم
وكم خَلَبْتُ خلَّةًوكم حلبتُ حِلَةًوكم جلبتُ جِلَّةً
برُمحِىَ المُقَوَّمَ
وكَمْ حضرت ناديًاوكَمْ خَصَرْتُ باديًاوكم حضرت واديًا
بطِرفيَ المُطًهّم
وكم فلاةٍ جُبْتُهاوكَمْ صِلات جُزتُهاوكم صَلاَةٍ قُمتُها
لنَصْبِيَ المتمَّم
وكم فتحتُ مَربْعًاوكمْ سددْت مَرتَعًاوكم شددْتُ ما ارتعا
لغدريَ الغَشَمْشَم
وكم سرقتُ مَنْ سرىوكَمْ شَرَقْتُ في اَلسُّرىوكَمْ رَشَقْتُ مَنْ برىَ
رَبُّ الوَرَى بأسْهُمي
وكم مددت شارةوكَم جددْتُ قَارةًوكَم ردَدْتُ غارة
روْمَ الثَّنا بِمخْذَمي
وكم قَطَعتُ مَنْشِمًاوكم وصلتُ مَبْسمًاوكم سَبَقْتُ منسما
حُبَّ السَّنا بمنسِمي
وكَمْ حللتُ حانةًوكم قتلْتُ عانةًوكَمْ فَلَلْتُ بانةً
لسَرحيَ المسوَّم
وكم نظمتُ المُلحَاوكم لثمتُ القَدحاوكم عذلتُ من صحا
عذل العذول المُبْرم
وكم حسيس رعتهوكم خسيسٍ عبتُهُوكمْ نفيس بعتهُ
في الأهيفِ المُنعَّم
وكم خلال خُنْتُهاوذِمَّةٍ أخفرْتُهاوخِدمةٍ أظهرْتُها
لخدهِ المُعَنْدَم
وكم سحيق ساقنيوكم رشيق شاقنيوكم عقيق عاقني
عن زورةِ ابنِ أدهِم
وكم صبيح صَادنيوكم مُليح عادنيوكم مَليح قادني
لحُبِّهِ المُتيَّم
وكم نَصيب صَابنيوكم مَعيب عابَنيوكم مهيب هابني
للفِظَى المنظِّمِ
وكم سَجَرتُ من طغىبشدَّتِي لمّا بغىوكم سحرت من صغى
لوعظِيَ المُعظَّم
وكم قطعتُ من سَعَىلمحفلٍ لما ادَّعىوكم أجبت من دعا
لجفنَة ومَطْعَم
وكم ختلتُ مَنْ عَدابحيلَتي لما اعتَدَاوكم قهرت من غدا
يبغي الوغَى بأدهَمي
وكم آثرتُ مكسبًاوكم سبرت سبسبًاوكم عذرت من سبا
كاسَ السّلافِ المُضرم
وكم جذمتَ مَنصبابمَنصِبي ومُنْصِبَاوكم خذمت من صبا
إلى خِبا المخدَّم
وكم رحلتُ مركَباوكم أسلتُ مُنَكِباوكم أشلت من كبا
بكفِّي المُكَرَّم
وكم تركتُ القَسِماإياكَ أغني القَسِمابورطتي المقاسما
ومكريَ المُهَيَّم
فلا تَلُمْ فصبيَتيمِنْ أمسِنا بزُبْيَتِيتطوي الحشا لغيبتي
طَيَّ القَميص المُعْلَم
قالَ الراوي: ثم إنَهُ زَهَرَ زهَرُ إبداعهِ، وبَهَر نَهَرُ اختراعهِ، ومَكُثَ عندي إلى ظُهورِ النَّجم، وانقضاض النَّجم للرَّجم، فلمّا احلولكتِ الدُّروبُ، وسُلَّ سيْفُ الغَسَق المَقُروبُ، طفَر كالنَّبْض الغزاليِّ، وخرجَ خُروجَ نغبِ الوَليِّ، فأوحشَ الأحامس، وشاكَهَ المتعامسَ، وامتطَى الطريقَ الطامسَ، واحتذَى النقيلَ الشامسَ، وألبسني الحظ العُكامسَ..