[ ٦٤ ]
حدّث القاسمُ بنُ جريالٍ، قالَ: نزِعْتُ عن مُنازعةِ الجَليس، وقطعْتُ عُنُقَ رؤوس الأماليس، وبرَعتُ بالحمْدِ الحَبيس، مُذْ خَلعتُ لِبَاسَ التلبيس، فما فَتئْتُ أعجُم أعوادَ هذهِ المغارس، وأرجُمُ شَجراتِ المناظرةِ قبلَ الغَارس، وأسعَى بفِطْنَةٍ مُباهيةٍ، وأسبابِ هِمَم غيْرِ ساهيةٍ، حتى خَبَرْتُ نُخَبَ المُحاضر، وحضرتُ مُلَحَ المُناظر، فلما بَهرتْ بُهْرة خِيْرتي، وزَهرت زهره ذخيرتي، واشتهرتْ رُقومُ حَضارتي، وظهرتْ نجومُ مُحاضرتي، طفِقتُ أحاضرُ حَضَارِ وأعالجُ أخلاقَ العَنْس الحِضارِ، لأضمَّ إلى ذلك الضَّرَبِ نُغْبةً غراء، أو ألمَّ إلى ذلك الشَجرِ روضةَ غَضْراء، فلم أزل مدّةَ جَذْب المحرانِ وشدِّ القران، أعانقُ عقائلَ المُرَّان، حتى أنحفني الأمرّان المُرَّان، فلما استوى لديَّ الوَجَارُ والبَسابسُ، والمنارُ والمُنابسُ قادني إلى شيرازَ قائدُ القدرِ الرفيقِ، وصادني إلى صيدِها صائدُ شَرَفِ الأملِ الشفيقِ، فقدمتُها قدومَ نِحريرٍ، وولجتُها ولوج مَنْ ظفرَ بمعدن نضير، فَحينَ نفختُ بضرام الرحلةِ واحتويتُها، وطبختُ بها عَيرانةَ الأشر واشتويْتُها جعلتُ أهبُّ هبوبَ الزَّعْزَع الذاكي، وأشُبُّ شُبوب الضمر المذاكي، ولمّا آن انكِفاءُ المواكبِ، وحان طلوعُ مراكبِ الكواكبِ، ومال كلٌّ إلى سكنِه، وآل كلُّ محترف إلى مسكنِه، رمتْني حبائلُ الانحدارِ، ودهمتني بوادرُ الانكدارِ، وازدحمتْ ركائبُ الأكدارِ، ووحمتْ قتلي قَنابلُ تذكُّرِ الدار، حتى توسّدْتُ الحسامَ، وتمنّيْتُ لانسجام سام السَّيْلِ السامَ، فبينما أنا أفكر في هُجوم المنام، وأنظرُ في احتلاس سنسِن ذاك السّنام، إذ أقبلَ إليّ رَجُلٌ ارتجلتْ وصفه الصفاتُ، وضارعَتْ شِدّةً إعصافهِ الرياحُ العاصفاتُ، يَرْتَعُ في ربيع شبابهِ الزاهي، ويخطر في ميدانِ ميدان شُبوبه المتناهي، فالتفتَ نحوي التفات المريب، ولحظني بعين عقله الأريب، وقالَ لي: أراك مُتَّشحًا بشعار الاستشعار، وعلى صَدْرِ صَدَركَ صدار الاصفرارِ، وسيمياءُ الفضائلِ فائضةً لديْك، وكيمياءُ المكارم متراكمة عليك، فَقُمْ وفَّقَكَ الله إلى موائد مُتْرعةٍ، وعوائد مُمْرعةً وريْعٍ نماؤه مرحٌ، ورَبع فناؤهُ فسيحٌ، وغَمْر يغمَرُ بغَمرهِ المحرومُ، وقَرْم تقرَمُ لِلَثْم وَطْءِ مقرومهِ القُروم، لتشكرَ مَنْ لَهُ حجبْتُ، وإجلال إجلاله رجبتُ، وبمعازفِ معروفه اعتجبتُ، ولَوْ دُعِيْتُ لكُراع لأجبت، قال القاسمُ بن جريالِ: فجَذبني رَسنُ حُسن أوصافه، لا حَسَنُ وصفِ صحافه، وغرائبُ بَريْع هيئاته، لا رغائبُ ربيع هِباتِه، ثم إنِّي نهضتُ أغذو غذوه، وأحذو حذوَهُ، إلى أنْ وصلتُ إلى مرْبعهِ، واتّصلتُ بمشارق مَطْلعه، ولمّا بَرِقْتُ لرَوْقِ رواقه، وعسقت بما عشقت من مخائلِ أخلاقه، وحمدت شِنْشِنَةَ أبنائه، وشمِمْتُ نَشْرَ ألوَّة أبنائه، ألفيتُ أبا نصر المصريّ مِمَّن شَدَّ ظهرَه شِدَّة ذاك الدِعام، وضمَّ شملهْ ضِمامُ ذلك الإنعام، فتمطَّقْتُ لعذوبة إلماعه، ونقطت وجه عروس جَلوةِ اجتماعه، ثم أخذتُ أساله عن رب ذلك الفسطاط بعدَ رفع الدُّعابة والانحطاطِ، وأخبرتُه بما نشرَ حاجِبُهُ من الاشتراطِ، وضمنَ لي حاجبهُ منَ حلاوةِ الاستراط، فقال لي: إنّهُ مِمن يرفعُ عن محيّا الأمل براقعهُ، ويُعطِي خَرْقَ الخَلَقِ راقعهُ، ويوقعُ بُرّ برِّهِ مواقعَهُ، ونحن عندَهُ مقيمون، وعلى قَدَم هذه المِقَةِ قائمون، ما وصمنا مُذ عَصَمنا ولا سئمنا مذ رئمنا، قال: فبينما نحن نرتشفُ شَمولَ المخاطبة، ونلتحف بملاحف المداعبة، إذ دخلَ صاحبُ فنائنا، وجامع أعنائنا، فنهضنا إلى مصافحته، واستلام حجْر راحته، فحينَ رمقني بطرْفه، وصافحَ مطرفي كفّ مُطَرفه، قال لهم: أنَّى لكم هذه المنحةُ، ومن أينَ تسنَّتْ لمجلِسكُم هذه الملحةُ ومن الذي تفوحُ أراييحُ فصاحته، وتلوحُ مصابيحُ صباحته، فقال له أبو نصر: هذا الذي أدهشَ الغرباء، وناقشَ العرب العرْباء، وكَلَمَ المناسمَ، وكلم المباسمَ، واخترعَ المُكوسَ، وارْتضَعَ الكؤوسَ، وهتمَ القائلَ، وهزمَ القبائلَ، وجالس الولاة، وأخرسَ القضاةَ، وأعجزَ الغابرَ، وطرّزَ المنابرَ، وشرّفَ المدارسَ، وأحيا العلم الدارس، وادّرعَ السماحَ، وأعطى من استماح، وجانب الصماحَ، وكافح الرماحَ وماح، قال: فلمّا أفاضَ حياضَ امتداحه لديَّ
[ ٦٥ ]
وشحَا فَمُ ثنايا الثناء عليَّ، بادرَ إلى استخراج النُخب من غَمامِها، والنكت من كمامها، مترنحًا كالسيلِ الدافقِ. والقيلِ النافق والطَّفَل البارز، والبطل المبارز، حتى أذعَن الأدب لطاعته، وشغف البشرُ بفيض براءته، ولم نزل برهة من الدهور، نسح في زلال المنزل الطَّهور، وتتردَّدَ علينا أباريقُ الولائدِ، وتتولَّدُ من الجماعة والاجتماع اجتماعُ الفوائدِ، وبينما نحن نتقبّلُ أرْيَ قبَلِ المقابلةِ والعضاض ونرتع في رياض ذلك الابيضاض، وتَحترفُ ثمار أنعامه العميم، ونعتكفُ بجامع أجماع تلك الأضاميم، قال لنا: إنَّ لي صاحبًا بحُلوانَ، ما أضمرُ مصاحبٌ له السلوانَ، وقد بلغني التحافُه بالإحرام، وإيجافُه مِنَ البيت الحرام، وإنِّي لأحِبُّ أن ينشئ أحدُكم رسالة إليه، تهنئةً بما أنعم الله به عليه، وليعرِّضْ بطولِ جفائِه، وأفول فَلَقٍ وفائه، ومواصلةِ صدوده، ومخالطة طيب فاكهة مفاكهته بدوده، فقلنا لَهُ: دونَك الهونَ الهائلَ، والسحابَ السائلَ، الذي أودع الأدب لُبَّهُ واللَّبانَ، واستلَّ سلسلَ لسانه لسانَ سحبانَ، فالتفتَ إلى أبي نصر وقال له: قد ألقوا إليك زمام التفويض، واعترفوا بفضلِكَ العريض، في هذا التعريض، فقالَ لهُ: أنا وعيشِكَ لمثلِ هذا الإرعادِ، ونشر رُفاتِ هذا المعادِ، لكنَّني مِمَّنْ يخرُفُ لفراخه، ولا يسمَنُ جسدُه من صِماخه، قالَ: فظنَّ أنَّه يشغله لانصلاته أو يسألُه سحَّ مسيلِ صِلاته، فقالَ له: إذا طفحَ نُبوعُكَ، اسهوهبَ بوعُكَ، ومتى هَمَعَ يَنبوعُكَ أفعوعمْت ربوعك، فلما سَمعَ تلويحَهُ، وطمعَ فيما يودِعُهُ رِيْحَهُ، أفشأ الطاعة حميَّةً، وأنشأ رسالةً جيمية، وهي: افَمُ ثنايا الثناء عليَّ، بادرَ إلى استخراج النُخب من غَمامِها، والنكت من كمامها، مترنحًا كالسيلِ الدافقِ. والقيلِ النافق والطَّفَل البارز، والبطل المبارز، حتى أذعَن الأدب لطاعته، وشغف البشرُ بفيض براءته، ولم نزل برهة من الدهور، نسح في زلال المنزل الطَّهور، وتتردَّدَ علينا أباريقُ الولائدِ، وتتولَّدُ من الجماعة والاجتماع اجتماعُ الفوائدِ، وبينما نحن نتقبّلُ أرْيَ قبَلِ المقابلةِ والعضاض ونرتع في رياض ذلك الابيضاض، وتَحترفُ ثمار أنعامه العميم، ونعتكفُ بجامع أجماع تلك الأضاميم، قال لنا: إنَّ لي صاحبًا بحُلوانَ، ما أضمرُ مصاحبٌ له السلوانَ، وقد بلغني التحافُه بالإحرام، وإيجافُه مِنَ البيت الحرام، وإنِّي لأحِبُّ أن ينشئ أحدُكم رسالة إليه، تهنئةً بما أنعم الله به عليه، وليعرِّضْ بطولِ جفائِه، وأفول فَلَقٍ وفائه، ومواصلةِ صدوده، ومخالطة طيب فاكهة مفاكهته بدوده، فقلنا لَهُ: دونَك الهونَ الهائلَ، والسحابَ السائلَ، الذي أودع الأدب لُبَّهُ واللَّبانَ، واستلَّ سلسلَ لسانه لسانَ سحبانَ، فالتفتَ إلى أبي نصر وقال له: قد ألقوا إليك زمام التفويض، واعترفوا بفضلِكَ العريض، في هذا التعريض، فقالَ لهُ: أنا وعيشِكَ لمثلِ هذا الإرعادِ، ونشر رُفاتِ هذا المعادِ، لكنَّني مِمَّنْ يخرُفُ لفراخه، ولا يسمَنُ جسدُه من صِماخه، قالَ: فظنَّ أنَّه يشغله لانصلاته أو يسألُه سحَّ مسيلِ صِلاته، فقالَ له: إذا طفحَ نُبوعُكَ، اسهوهبَ بوعُكَ، ومتى هَمَعَ يَنبوعُكَ أفعوعمْت ربوعك، فلما سَمعَ تلويحَهُ، وطمعَ فيما يودِعُهُ رِيْحَهُ، أفشأ الطاعة حميَّةً، وأنشأ رسالةً جيمية، وهي: جُدِّدَ جلالُ المجلس الجليلِ. الأجلِّ الجميلِ، الشَّجاع الأمجدِ، الجحجاح الأجودِ، الجَسودِ المرتَجى، الماجد المجتَبى، الأجدلِ الأمجديِّ، المجّدِ المجديّ، جمالِ الأمجادِ، جوادِ الأجوادِ، جنان المجتدين، جَنانَ المنجدينَ، جُنّةً الجناة جنَّة الجفاة، وجلَّت جلالتُه جَهالةَ الجُهلاءِ، وتجمّلَتِ بِجِدْواهُ مجالسُ النجباءِ، ورجَمَ بنجوَم اجتهادهَ جن تهجده الجموم، وجزم بجراز محجتهِ جؤجؤ الجاهل الجزوم، وتوج الحجيج بتاج حجته، وسرج للمستنجدين سراج حجته، وجمل بجمل أجر حَجِّهِ، وأجزلَ لجنابه نجاحَ عَجِّهِ وثَجِّه الطويل:
جوادُ جلا جونًا جلالةُ جُوده جَرِيّ جَليٌّ جاذمٌ وجده وَجْدا
جرى بجياد النّجح جَرْيًا ليجتني جَنى جُمَلِ التمجيدِ واستجملَ المجدا
تجللِّ بالإجلال والحِجر والحجى وعاجَ لجمع المجد واستعجل المُجْدَى
[ ٦٦ ]
وعج ضجيجًا بالحمار فتوجتْ جباحَجون الحجْر واستجودَ الأجدَى
جبرُكَ المجبوذُ بجريرِ جُودك العجيلِ، وجَوْدِكَ المبجَّلِ التحجيلِ، ولجام جُمانِكَ العجيبِ، وانسجام مرْجانِكَ النَّجيبِ، ينتجعُ مجاني اجتماعك، وينتهجُ منهجَ الترجي لجلائل أَسجاعِكَ، راج مجاورةَ وجارك البهيج، مُتَبَجِحٌ بِيَلنجج نِجارك الأريج، متجلِّل عجلزَةَ انزعاجهِ الجارح، متجملٌ بعجائب إعجازكَ الراجح، جَدّلَهُ جَحْفَلُ حُجَجكَ، وجَلَّلهُ جَلَلُ لجج لَجَجِكَ وأجهدهُ معاجلةُ جموح جنابك، وأضجَرهُ معالجةُ جوَى جَنَف اجتنابكَ، يتجلببُ بعجاج الانزعاج، ويتجرَّعُ جمَّ أجاج المجاج، ويُراجعُ زوجاتِ الاجتياح، ويُضاجعُ مزدوجاتِ جزْمِكَ المُجتاح، ويمجّ لُجِّيَّ جزَعه الجانح، وتَضِجّ لجيوش جَذْمِكَ جوارحُ الجوانح، وتموجُ هُوجُ وَجَله وتهيجُ، وتعوجُ عُوجُ ضَجَره والعَناجيجُ الطويل:
وضرَّجَهُ جُرْحا أجاج وجفْوةٍ وأجَّجَهُ جَمْرا جُناح وناجس
وأزعجه جانا اجتنابِ وجولة وأعجزهُ جَيْشا جُنونِ وراجسَ
فتجنّب مجالسةَ التجافي، وجُدْ برجوع جَنانكَ الجافي، جُزيتَ برَجم جَمَراتِكَ جزاء جزيلا، وأمجَدَ موجِدُكَ لمجدك جِدًًّا عجيلًا، وجَدًًّا وجيلا، قال الراوي: فحينَ عَرَضَ عروضَ ما استعرضَهُ ووافقتِ الرسالةُ غَرضَهُ، أثنى عليه ثناءَ الزَّهَرِ على الوابلِ، والبلابلِ على تغريد البلابلِ، ثم وعَزَ له بحُلَّةٍ وسيمةٍ، وصرّةٍ جسيمة، فلمّا ربضَ مكانَهُ، وتحقَّقَ إمكانَهُ، وفارقَ إملاقَهُ، وعاقرَ من لاقَهُ، قالَ لي: قدْ عَزَمتُ مذ نجح فالي، بأن أتحف بهذا اللفاء إفالي، فهلْ لكَ في أنْ تساعدني لطلب رفقةٍ تَحْملُها لهم، قبلَ أن يحسَّهم حُسامُ المسغبة ويستأصلهم، ثم نرجعُ إليهم كلموع البارق الباهر عليهم، فقلتُ لَهُ: أتمكرُ بي حينَ واتتْكَ الوعودُ ووافاكَ الصعود، وقد علمْتُ أنَّكَ لا تعودُ، أو يُورقَ بعدَ اقتضابهِ العُودُ، فأطرقَ نحوي وأزبدَ، وأشرق شَرْق قَلقهِ وأنشد: السريع:
أوصيكَ إذْ تعرفُني ناصِحًا لن أطْغِيَ الخِلَّ ولن أهلكا
لا تطلِ المكْثَ كثيرًا ولو في منزلي يُمْلأ مِنْ أهلِكا
لذا تراني لم أزلْ سالمًا لن أخسر الدهرَ ولن أهلكا
ثم إنَّه أقلع عن الاعتنان، وأشرعَ شباسنانِ الاستنانِ، بعدَ أن شدا لشد نيته وارتدَى برداءِ خسيس نيَّتِهِ، وخلَّفني بعدَ قُفولهِ وسرعةِ جُفوله، كمقترٍ عطف بعد حُفوله على التقام قشورِ فولهِ.