[ ٤٨ ]
رَوى القاسمُ بنُ جريال، قالَ: لمّا اشتملتُ بشَمْلَةِ شأو الرَّشاد، وارتحلْتُ حِلالَ الحلاوة الإرشاد، اطَّرَحَتُ محاورةَ ذلك الجَناب، وسَرَحْتُ بينَ أطناب ذيّالكَ الإطنابِ، وجعلتُ أستنشِقُ ريْحَ البَرَم والبانِ، واستنجع لبِانَ ذيّاكَ اللَّبانِ، وألازُم حِمَى المناسماتِ، وأنادمُ دُمَى المنادماتِ، وأنتَهِبُ ذَهَبَ أباريقِ المِزَاج، مِنْ يَدِ أشكالِ أباريقِ الزَجاج، وأجتَنِي مَعَ مجانبةِ الظَابِ، شُهْدَ مَراشفِ العَطَر الرضابِ، فما برحَ ذلكَ من نَطافةِ شِعارِي، وشهامةِ عشارى، وسلامةِ يُعاري، ومباعدة عَرِّى وعاري، عِلاطًا لانخراطِي، وسِراطَا لاختراطي، إلى أن عُدْتُ عرَيفَ كَلِ دسكرةَ، وغريفَ كلِ مُسكرةٍ، وجليفَ كلّ حانة، وحليفَ كل ريحانةٍ، وأليفَ كلِّ عانةٍ وخليف كلِّ مِظعانة، فبينما أنا ذاتَ يوم على ثَبجَ المسروج، أتنقلُ في بروج المروج، ألفيتُ سيّارةً تسرحُ في رفاهَةِ، وتنفحُ بنسم نبَاهةٍ، شارعةً هوادِيَ الألهوب، راتعةَ في ذلاذل الذُهوب، فسألتُهم عن العَطَن والحلول، وغبَرّ ذلك الجفولِ، فقالوا لي: أمّا المعهدُ فغانة، وأما المقصدُ فعانه، فقلتُ لَهم: يا للَعجب أتنضون مِنَ المغارب سَمنَ الغارب، وتنصّون طَلبَ المآربِ، بإثارةِ الأثاربِ، أفٍّ لِمَنْ يعجبهُ الإهرابُ وتضوي به العِرابُ، ويستخفّهُ الإترابُ، ولا يملأ عينَه إلاَ الترابُ، فقالوا: يا هذا نراكَ غيرَ مكترثٍ بخَجَلي، ومشرقًا من العجلةِ على وَجل، ولكنْ خُلِقَ الإنسانُ من عَجَلِ فقلت لهم.: إنني مِنَ المسرفينَ، ولهذهِ الجرأة من المقترفين، فاصفحُوا رعاكم الله حيثُ ترعون ولا مُنعتُمُ العون أين تسعُون، فقالوا لي: أما إذ زجرتَ نفسكَ بالإنذار، وسَدَلْتَ لهفوتِكَ ستورَ الاعتذار، فسننبئكُ بتأويلِ مرادِنَا وطلوع شُموس أرادنا ثم قالُوا: اعلمْ بأنِّنا ممَّنْ فارقَ ولائد الكِناس، لمواصلةِ خرائدِ الكأس، وباع بدائعَ الأحلاس، لشراءِ جلائلِ الجُلاّس، فأنت مِمَّنْ يستضيء بضوءِ هذا النبراس، ويسُلُّ سيوفَ المنافسةِ ليوم هذا المراس، فقلتُ: أنا مِمّنْ اعتلَى ظهور الجلامدِ، واشترَى الذهب الذائب بالجامدِ، وأنفقَ صُرَرَ آلافهِ على ألافه، وأراقَ دمَ سُلافهِ لدى أسلافهِ، فهلْ لكُم في مرافقتي، مع وجودِ نفقتي، وامتطاءِ مطيتي، معَ صَفَاءِ طويّتي، وامتلاء سابي، معَ سَعَةِ اكتسابي، فقالوا: أهلًا بمرافقتك، ولو مع فاقتِكَ، وسهلًا بانتسابِكَ، ولو بعدم اكتسابِكَ، ومرحبًا بحسْنِ اكتسابِك، ولَوْ بفسادِ سابِكَ، قال القاسمُ بنُ جريال: فانسلكتُ بأمراسِهم، وشكرتُ نفائسَ أنفاسهم ولم نزلْ نشقِّقُ شِمَال الشمالِ، ونخرّق بنائَق جدُدِ الجُدَد والأسمالِ، إلى أنْ ولجْنا عانة، وأنضْينا العيرانةَ الريعانةَ، ولمّا كسْرنَا عُصِيَّ الإدلاج، وأسرْنَا فوارسَ عساكر الإدلاج، طفِقْنا نسرحُ لرَبّات الرَّناتِ ونتصفحُ صَحائفَ الحاناتِ، معَ منادمةِ الرَذاذِ والوابلِ، واليراع والنابل، حتى حَوَيْنَا ألبانَ تلك الحُلوبِ، واهتديْنَا لهدايةِ الخائنِ الخلوبِ، ثمَ إنْ صيتَنا اتَّصلَ بأمير مكانها، وسائس سكانِها، فأرسلَ إلينا أحدَ أتباعهِ، ليجعلَنا مِمّنْ يَنعمُ بمرباعهِ، ويُنعُم بكرائم رباعه على رباعه، فحينَ حصًّلنا إلى حِوائهِ، وحصَلْنا على لطائِف حِبائه، وأعجبهُ جَنىُّ منافستِنا في مناسمتِنا، وأطرَبهُ حَبِيّ محالفتِنا على سُلافتنا، نَفَحنا بصحةِ النيّةِ، وأتحَفنا بالخلع السنيةِ، مشفوعةً بذواتِ الأرسانِ، والسوابح الحسان، فبينا نحنُ ذاتَ يوم بندوتهِ، متجِّملين بجلابيب جَلْوتِه، وقد أَزَّرَ الزَهرُ بَراحَهَا، وسلَّتِ السحُب على الحدائِق صِفَاحَها، خرجَ بجِفان كالأزهارِ، وفتيانٍ كالأقمارِ، وأبكار كالبدورِ، وأخدان خارجينَ من خلالِ الخُدورِ، فلَمّا قعدْنَا لتناوُل شرابهِ المشمولَ، وشملنا شفه الحَسَنُ الشمول، وألفينا سرابيلَ المسَّرة تَسْدكُ، وجمائلُ التجمّل ترْتك: الكامل:
والكأس يَنْهضُ والقَناني تَبْرُك والمُزْنُ يبكي والحدائقُ تَضْحكُ
والشُّرْبُ يَشربُ والمَغانِي تَطْرُبُ والخَمْرُ تُسكَبُ والمعاني تسُبَكُ
[ ٤٩ ]
لمحنَا الأميرُ لَمْحَ مَنْ حَنَّ إلى قَرينه وهن، وسَنَّ سنان قَلقه وأنَّ، وقال لنا: اعلموا أنّهُ ورَد عليَّ بهذهِ الأيام القريبة، رَجُلٌ مُستحسَنُ النقيبةِ، ما أغمضَ جَفْنُ مجالستهِ ولا جفا، ولا لَبسَ خِفاءَ مخالفتهِ مُذْ خَفَا، ولولا أن أشُقَّ عليهِ، لأشرْتْ بالخروج إلينا إليه، فقلنا له: إنّنا ممّنْ يرعَى حقوق حديثه وقديمهِ، ويستر معائب نديمهِ بأديمهِ، ومعَ ذلك فنحنُ لا نُؤثِرُ استدثارَ سلوتكَ، ولا نستأثر عليهِ بخَلْوتكَ، بل نخلعُ على مَجْلَسكَ وصالَهُ، ونَتْرُكُ طيبَ نسيم هذه الصَّبا لهُ، فقال: معاذَ اللهِ أن أفارقَكُم أو أقايضَ بالعَسْجَدِ وَرَقَكُمْ، بَيْدَ أني أعرِّفهُ، بما انسَرى مِن حِفْظِ سّركم وأصِفهُ، ثم إنه أرسلَ إليه من حالِه، برُقعةٍ خاليةٍ عن انتحالهِ، فلمّا حقّقَ قَرْطسة نبَاله، ودقّقَ بصرَهُ لإقباله بأقباله، تجلَّلَ جَنانُهُ بالمَرَح واحتيج إلى العلاج بالترحَ، لشدةِ مصافحةِ ذلك الفرح قال الراوي: فألفيتُ حينَ لاحَ قمر إرقالِه، وفاحَ أرجُ حَلّ عِقالِه في مَقَاله، أبا نصرَ المصري شيح سرورِ الأمير، وشيخَْ معازِف تلكَ المزاميرَ، فأظهرتُ البشاشةَ خَوْفَ التنغيصِ، وخْلِتُ أنْ قًد ظَهَر عليَّ الأسدُ مِنْ مَغَابن العِيص، فضمَّني ضَمَّ المشيمةِ الجنينَ، وأخذَ يبثُّ شوقَهُ والحنينَ، وأقبلَ يُعَرِّفُ الأميرَ دماثَة ودادِنا، وملاحةَ عروس اتّحادِنَا، واحتلابَ عنقادِنا، ونشرَ عَرْفَ عبير اَعتقادِنا، فلَّما فَهِمَ كلاَمهُ، وعلم أنْ قد أسعدَ القَدَرُ أقلامَه، قالَ لنا: الآن يجبُ بأنْ نجولَ حول هذا الميسورِ، ونفْترعَ ذروةِ هَذَيّا السورِ، لمناسمةِ هذا السُّرسورِ، قال: فعدلْنا عن الخِلافِ إلى جَرِّ ذَيلِ الجَذَلِ والخلافِ، ومِلْنا في ذلكَ الانعطافِ، إلى كلّ عَزّة ناعمة الأعطافِ، وأبو نصر يسُحّ لذَلك الذّرور، سُحوحَ المُسْبِل الدَّرور، ويُظهرُ بينَ تلكَ الصُّدور، ما يُعجزُ لسانَ المِصْقَع القَدورِ، حتى أنساني بألفاظهِ القُسِّيَّةِ، علَّ عَلْقَم الوَقْعَةِ القُدسيّةِ، هذا والأميرُ منعطفٌ إلى لُبَدهِ، متعطشٌ إلى معرفةِ بلدهِ، والمصري يزجرني برفع حاجبهِ، ويُسكَتني بنَصْبِ نصْبِ رواجَبهِ، إلى أن ألانتْ لُبَّ الأمير سُحبُ سحْرهِ الهطّال، وآنَت منه طَلِبَةُ مدح أزهاره والرّطالِ، وجَعلَ يعرِّض بوصفِ الرياض، وحمرة خَدِّ خَنْدَريسنا والبَياض، فالتَفتَ أبو نصر وقالَ لي: كُنْ كما أعرفُكَ مجلُيَّ الإعصافِ، والصِّدْقُ عندي من جملةِ الإنصاف، فقلتُ له: كَلا، ومن أنزلَ سُورةَ السكينةِ وهل يُفْتَي ومالك في المدينةِ، فأطرقَ لقولي أطراق المستري، وصافَحْت يدُ جَوْدةِ إجادتِه شناتِر المشترِي، وقال: الكامل:
شرب السلافةِ في الربيع المُزْهرِ بين الرَياض على غِناءِ المِزهر
وبنفسج بينَ الخَمائِل حفَّهُ أنفاسُ سَوْسنهِ كمِسْكٍ أذفر
فالنُورُ من نوْرِ الحدائقِ ساطعُ يحكي بياض سبائبٍ من جوهر
في أحمرٍ قانٍ وأبيضَ مُشْرق يقق يَروقٍ وفاقع من أصفر
والياسمينُ معَ البَهارِ كأنَّهُ مضنى يُعاتبُ شادنًا في عَبْقَريَ
والبان ذو الرَّنْدِ الذكيِّ كأنَّه مِسْك تأرجح في صَلايةٍ عنبر
والنرجسُ الغضّ الجنيّ كأنّهُ حَدَق تُراقبُ غادةً مَعْ جُؤذَر
وتضُّرجُ الوَردِ النضيرِ مُنْضَّد حولَ الزلالِ ورائقِ اللينوفر
من أزرقٍ يَحْكِي السماءَ وأصفِرِ شِبْهِ النُّضَارِ على بِساطٍ أخضَرِ
أو وَطْءِ أخفافِ المَطِيِّ وقَدْ غَدتْ تحت الأحبةِ في الصَّعيدِ الأعفرِ
ووجداولٍ شِبْهِ السيوفِ كأنَّما شُهرَتْ بيوم كريهة وسَنَوَّرِ
ما بينَ منبجس وبينَ مُسلَسلٍ ومجَعِّدِ ومَصفِّق ومكسَّرِ
وجآذرٍ مثلِ البدور خوامصٍ ما بَيْنَ مُدَّرعٍ وبين مُحَسرَّ
تحكي الشُموسَ إذا قرُبْنَ بمغرَبٍ في جَرِّ أذيالِ الحَرير الأحمرِ
[ ٥٠ ]
أشهَى من الأمن الشَّهيِّ وقد بدا بِعدَ التشتُّتِ في العَراءِ الأغبرَ
في ظلِ مولانا الأمير ومَنْ علا فرقَ السِّماكَ على المَحَلِّ الأكبرِ
فاللهُ يَحْرسُهُ ويَعْصِمُ مجْدَهُ مِنْ أنْ يزولَ إلى قيام المَحْشَرِ
قالَ: فلمّا اجْتلَى الأمير لُمَعَ وميضها، وابتَلى زبدَ اغريضِها وعبقَ عَرْفُ أسجاعها التي وكَفتْ وكفَتْ، وسمعَ من بدائع إبداعِها ما وصفَتْ وصَفتْ امتطىَ صهْوةَ الطّرَبِ، وألقَى إليهِ صُبرتين مِنَ الذهبِ، فدفعَ إليَّ صُغرى الصُّبرتينِ، بعدِ الذّبّ عن أنْفِ أنفَتهِ واللُبدتَيْن، وقالَ لي: خذْها إليكَ، واعلم أن الحربَ تارةً لكَ وتارةَ عليكَ، ثُمَّ إنّهُ نهَضَ إلى الخَلا، وقد راقَ وقتُنا وخلاَ، ففرَّ من وقته وجلاَ، بعدَ أن جَلا مِن عرائسهِ ما جلا، فغادرَ وعساءَ آَنْسِنا كالصَّفا، ورنَّقَ من عيشنا ما صفَا، وغَرّقَ فُلْك الفُكاهةِ عندما طَفَا، وطلّق حَصانَ مِصْباح اصطباحِنا فانطفأ.