فى مقطوعات من قصائد أخوانيات، وكلها مما خاطبنى فيه أخوان الصفاء والاحسان، فيما تجولت فيه من البلدان ا، ب النور الأسعردى «١» كتب إلىّ من دمشق إلى حلب قصيدة منها:
إليك حنينى لا إلى الكأس والصّبا وما زال دهر قد قطعناه من ذكر
ولطفك يقضى. أن تكون ببلدة حكت جنّة الرّضوان قبل مدى الحشر
وأين قويق من مقاسم أنهر على درر الحصباء قد أصبحت تجرى
فديتك لا تهمل حقيق نصيحتى وكن لا محا بين النّجوم سنا البدر
أجلّق فى الدّنيا فيختار غيرها وما هى لى أرض ولكن سبت فكرى «٢»
وما زلت مختارا لأهل مودّتى جميع الذى أختار من تحف الدّهر «٣»
أتصبر عن أرض ينوح حمامها غراما وتختال الغصون من السكر
[ ١٦٠ ]
يمرّ اختلاسا فى رباها نسيمها فأحسبه من روضها سارق النّشر
لدى عذب الأغصان فوق فوارس ال حمام وموج النهر كالجحفل المجر «١»
وقد ألبسته الرّيح محكم سردها وألقت عليه الشّمس درعا من التبر
إذا لم أضع عمرى على رغم حاسد بنيل المنى فيها فواضيعة العمر
ا، ب أيدمر التركى «٢» كتب إلىّ من مصر بإشارة سيدى وزير الجزيرة محيى الدين بن ندا وهو أحد المنعمين- أحسن الله إليه. «٣»
يا رافعا للمعالى راية الأدب حتى متى لا تزال الدّهر فى حلب
من كان مثلك لم تقعده همته بالفضل والجد والتّشمير فى الطلب
ولا يزال كطير الدّوح منتقلا بين المناهل والأدواح فى طرب
قضيت مهنة أرض الشام فاثن إلى مصر العتاق وجدّد عهد مغترب
[ ١٦١ ]
واذكر معاهد قضّيبنا أصائلها بين المذانب والأغصان والكتب
فكم لنا بذرى الأهرام من نزه أبدى لنا الدهر منها كلّ ذى عجب
والصالحيّة حيث النّهر عانقها كم قد قطعناه من جدّ ومن لعب
وعطفة النّيل من روض القلانش فى عطف لنا بعد فصل الوصل عن كثب
وبركة الفيل لا تنسى لياليها والشمع فيها يضاهى زينة الشّهب
سقى ديارك ما يروى معالمها من عامر الفضل أو من هاطل السحب
ولا يزال طراز الملك يلمح من نعمى حلاك مدى الأيام والحقب
ا، ب أبو العباس الغسانى «١»: كتب إلى من حضرة تونس إلى المشرق قصيدة منها هذه القلائد «٢»
يا نازحا عنى أجب كتبى كما صدح الحمام إذا الحمام ترنّما «٣»
[ ١٦٢ ]
وأجل جفونك فى سطور لم تكد لولا تصعّد زفرتى أن تفهما
بالله طارحنى الحديث فإننى أهوى حديثك مفصحا ومجمجما
واستبق بالنجوى الخفيّة بعض ما أبقيت لى إذ لم تدع إلا ذما
باق على حفظ الوداد وطالما أمسى بأيدى الحادثت مقسّما
أتراك عن نادى السّرور سلوت أم ما زلت مثلى فيه صبّا مغرما
نتجاذب الأشواق قلبى كلما أبصرت فيه مكانك المتوهّما
ويطول ردّى للكئوس تذكّرا فإذا شربت شربت فيها علقما
إذ ليس يعذب مورد حلّئت عن أرجائه ولو ان أموت من الظّما
ويحا لهذا الدّهر فوّق أسهما للحادثات فكنت أول من رما
ما كان يقنعنا التواصل دائما فاليوم يقنعنا الخيال مسلّما
ا، ب فجاوبته:
أطلعت فى ليل التّشوّق أنجما لما بعثت مسائلا ومسلّما
[ ١٦٣ ]
لولا كتابك ظلت فيه حائرا حيث اتجهت رأيت جنحا مظلما
وافى وأفقى حالك فأناره وأوام شوقى مؤلمّ فشفى الظّما
أودعته قلبى ففاح نسيمه فكأنما نور بجمر ضرّما
فرددته فى ناظرى فكأنما زهر الرّياض سقيته ماء السّما
فرددته فى مسمعى فكأنما طير أمال الغصن حين ترنّما
عهدى بصدرك مثل بحر زاخر لا غرو أن أرسلت درّا نظّما
عهدى بكفّك مثل غيث هاطل لا غرو أن أهديت زهرا نمنما
إيه أبا العباس بعدك لم أزل مهما تدر مشمولة متجّهما
متمنّعا من شربها إذ خلتها سمّا إذا ما خلت كأسك علقما
ولقد بكيث فلم أجد فى الجفن ما أبكى به إن كنت أبكيت الدّما
[ ١٦٤ ]
اابراهيم بن سهل الاسرائيلى: «١»: كتب إلىّ من أشبيلية إلى الجزيرة الخضراء
قل لمن أسهر بالبين الجفون مثلك الإصبار «٢» عنه لا يكون
- خفق النهر بحرصى بعد ما بنت والطير بدت منها شجون
والليالى بعد ما كنّا بها فى نهار ألبست داجى الدّجون
يا أخا الفضل ويا ربّ العلى والمعانى الغرّ فى تلك الفنون
أين عيشى بك فى ظلّ المنى فى فنون دائمات وفتون
بخليج لم تزل تجرى به قصب السّبق بغايات المجون
حيث مدّ النهر منه معصما يتمنىّ لثمه زهر الغصون
وجرى الظّلّ عليه سجسجا مثل ما أبصرت كحلا فى العيون
أترى الخضراء تنسى مثله رجّم الإخوان فى هذا الظّنون
ينقضى العام ويتلو آخر والنّوى لا ينقضى، هذا جنون
إن أساء الخلّ منه أدبا فبفرط الشّوق والوجد يهون
[ ١٦٥ ]