ألطف من صحبته فى هذا الشأن بحلب من أهل الود والأدب:
ا، ب النور الأسعردى «١» خرجت معه مرة إلى باصفراء، وهو مكان عجيب على نهر قويق «٢» متكاثف الظلال، مصطخب الأطيار، وبتنا فى جوسق بالقرب منه، ثم جعلنا نصابحه ونماسيه أياما إلى أن قال الأسعردى
لله عصر ببا صفراء طاب لنا فيه العصير على ما يقتضى الأدب
روض ونهر وظل وارف وشذا زهر وألحان طير فيه تصطخب
وأوجه تضحك الدّنيا ببهجتها ويدرك المرء من نعماه ما يجب
كأنهن بدور تستنير بها لنا غصون زهت من تحتها كتب
[ ١٥٦ ]
أنجد وأنهم رعاك الله مجتليا فحيث ما جئت منها منزع عجب
ولى نديم قديم الودّ ذو أدب يبدى إلىّ حديثا كله طرب
كأنه كأس راح من لطافته ودرّ ألفاظه من حسنها حبب
لا يعرف الخلف فى شىء يعنّ ولا يبدى إلينا سوى ما يقتضى الحسب
أشهى إلىّ من الدنيا مصاحبة مخلص لا تدانى أرضه الرّيب
تحاسد الأرض فيه فهى تطلبه من كلّ أفق وقد فازت به حلب
ا، ب ولا زمنى فى دمشق الفخر بن عز القضاة «١»، وهو ما خط عذاره، ولا خسف ابداره، وله من الفطنة والذكاء ما أربى به على أكابر الشعراء والأدباء.
كتب لى مرة من جنّته على نهر بردى:
يابن سعيد دمت فى أسعد هل لك فى طيب لنا سرمد
فى جنّة قد جنّ سلسالها إذ مرّ بالدّر على الجلمد
والورق التّبرىّ من حوله يميل أو يسقط لا تهدى
[ ١٥٧ ]
أبدى خريف الفصل فيه لنا عشّاقه كيما بها نقتدى «١»
ولىّ ربيع الأرض عنها وقد أولى جميلا كلّ وجه ندى
فالنهر قد حاك له حلّة من صبغة الدّوح بها يرتدى
وقد طوى الريح على المسك كى يفوح منها نشرها فى غد
وطوّق الورق بإحسانه ولثّم الشّحرور بالعسجد
فصل وواصل مسرعا منعما فكأس كلّ واقف فى اليد
وحاش للمجد بأن يرتضى خلفا لما أسلف من موعد