وقد يفعل العرب ذلك أنفا عن قول الهجاء لما فيه من سوء الأثر، وتدع جواب الهجاء تنزهًا عنه. وقال معيذ بن علقمة:
فقل لزهير إن شتمت مراتنا فلسنا بشتامين للمتشتم
ولكننا نأبى الظلام ونعتصي بكل رقيق الشفرتين مصمم
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وإن التمادي في الذي كان بيننا بكفيك فاستأخر له أو تقدم
وكان الأعور بن براء يهجو بني كعب بن ربيعة فأتت بنو كعب تميم بن أبي ابن مقبل، فقالوا ألا ترى ما يصنع الأعور بقومك؟.
[ ٢٥٥ ]
فقال: ما تشاءون؟. قالوا: نشاء أن تهجو بني فلان قال: انصرفوا، فإذا أتاكم الشعر فادووا. واندفع وهو يقول:
ولست وإن شاحنت بعض عشيرتي لأذكر ما الكهل الكلابي ذاكر
فكم لي من أم لعبت بثديها كلابية عادت عليها الأواصر
فسمعت بذلك بنو كعب فشتموه، وسمعت بنو كلاب فركبوا إلى الأعور فنهوه عن بني كعب، وقالوا له: العجلاني خير منك أتوه بنو كعب يأمرونه بهجاء بني كلاب، فمدح بني كلاب. فقال الأعور:
ولست بشاتم كعبًا ولكن على كعب وشاعرها السلام
ولست ببائع قومًا بقوم هم الأنف المقدم والسنام
وكائن في المعاشر من قبيل أخوهم فوقهم وهم كرام
ولم يقل الأعور بعدها شيئًا. وقال آخر:
كم من لئيم ود أني شتمته وإن كان شتمي فيه صاب وعلقم
وللكف عن شتم اللئيم تكرمًا أضر له من شتمه حين يشتم
وتعجب أن حاولت منك تنصفًا فأعجب منه ما تحاول من ظلمي
أبا حسن يكفيك ما فيك شاتمًا لعرضك من شتم الرجال ومن شتمي
إذا شئت يومًا أن تسود عشيرة فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم
وللحلم خير فاعلمن مغبة من الجهل إلا أن يشمس من ظلمي
وهجا الحطيئة، واسمه جرول بن أوس العنسي الزبرقان بن بدر فقال:
[ ٢٥٦ ]
دع الكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وكان الزبرقان شاعرًا مفلقا، فلم يرد على الحطيئة، ولا رضي لنفسه مناقضته، كما فعل بالمخبل القريعي إذ كان الحطيئة دون المخبل في الشرف، واستعدى عليه عمرًا فأنصفه منه. وكان الزبرقان شريفًا، ولم يرتد بمنع الزكاة كما فعل نظراؤه، بل كان أول من دخل المدينة على الصديق بعد وفاة رسول الله (ﷺ) بصدقات قومه، فقدم بإبل كأنها عروق الأرطى. والأرطى شجر له عروق حمر، فجهز بها أبو بكر ﵁ خالد بن الوليد إلى أسد وغطفان، وهم على بزاخة مرتدين مع طليحة بن خويلد الفقعسي وفيهم الحطيئة، وهو مرتد، وهو القائل:
ألا كل أرماح قصار أذلة فداء لأرماح نصبن على الغمر
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا فيا ليت شعري ما لدين أبي بكر
أيورثها بكرًا إذا مات بعده فتلك لعمر الله قاصمة الظهر
ثم حسن إسلامه بعد ذلك.
وقال الزبرقان:
وفيت بأذواد الرسول وقد أتت سعاة فلم يردد بعيرًا مجيرها
وإني لمن قوم إذا عد سعيهم أتى المخربات حبها وقتيرها
وقال الفرزدق إن الطرماح يهجوني لأرفعه. إيهات، ايهات! عليت دونه القضب.
عليت: ارتفعت. من عالت الفريضة أي ارتفعت. والقضب القصائد، وأحدها قضيب، أي مقضوب. والذي هجا به الطرماح الفرزدق قوله:
[ ٢٥٧ ]
لا عز نصر امرئ أضحى له فرس على تميم بحب النصر من أحد
إذا دعا بشعار الأزد نفرهم بما ينفر صوت السبع بالنقد
أفي تميم تسامينا وما حلفت حتى مضت قسمة الأحساب والعدد
لو جاء ورد تميم ثم قيل لها حوض النبي عليه الأزد لم تعد
أو أنزل الله وحيًا أن يعذبها أن لم تعد لقتال الأزد لم تعد
لا تأمنن تميميا على جسد قد مات ما لم تزايل أعظم الجسد
وكل لؤم يبيد الدهر سوأته ولؤم ضبة لم ينقص ولم يزد
لو كان يخفى على الرحمن خافية من خلقه خفيت عنه بنو أسد
قوم أقام بدار الذل أولهم كما أقامت عليه جذمة الوتد
واسأل قفيرة بالمروت هل وجدت سوط الحطيئة بين الكسر والنقد
أم كان في غالب شعر فيشبهه شعر ابنه فينال الشعر من صدد
لولا قريش وحق في الكتاب لها وأن طاعتها تهدى إلى الرشد
دنا تميمًا كما كانت أوائلنا دانت أوائلهم في سالف الأبد
وإنما نسب الطرماح الفرزدق إلى الحطيئة لأن الفرزدق لما هرب من زياد أتى سعيد بن العاص وهو على المدينة أيام معاوية فاستجاره فأجاره،
[ ٢٥٨ ]
وعنده الحطيئة وكعب بن جعيل، فأنشده الفرزدق شعره الذي يقول في سعيد منه:
ترى الغر الجحاجح من قريش إذا ما الأمر في الحدثان غالا
بني عم النبي ورهط عمرو وعثمان الأولى غلبوا فعالا
قيامًا ينظرون إلى سعيد كأنهم يرون به هلالا
فقال الحطيئة: هذا والله الشعر لا ما يعلك به منذ اليوم أيها الأمير. فقال كعب: فضله على نفسك، ولا تفضله على غيرك. فقال: بل والله أفضله على نفسي وعلى غيري. يا غلام أدركت من قبلك، وسبقت من بعدك. ثم قال له: إن طال بك عمر فستبرز علينا. ثم قال: يا غلام. أنجدت أمك!؟ قال: لا بل أبي. يريد الحطيئة إن كانت أمك أنجدت فأنا أصبتها، فأشبهتني فألفاه لقن الجواب، فنعى ذلك عليه الطرماح بقوله:
فأسأل فقيرة. . . البيت
وقال الطرماح:
أتجعل يا ابن القين أوسًا وحاتمًا كذى مرجل عند أسته وقدوم
قال ابن شبرمه: كان الطرماح جليسا لنا، وإذا فقدناه قمنا جميعا ننظر ما دهاه فلما كنا قريبا من منزله إذا نحن بنعش عليه مطرف خز أخضر، فقلنا: من هذا الميت؟. قالوا: الطرماح. فقال بعضهم، والله ما استجاب الله حيث يقول:
[ ٢٥٩ ]
فيا رب لا تجعل وفاتي إذا أتت على شرجع يعلى بدكن المطارف
ولكن بصحراء فريدًا، وعصبة يصابون في فج من الأرض خائف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وصاروا إلى موعود ما في المصاحف
وكان الطرماح يرى رأي الخوارج، وكان أعرف في الشعر من الفرزدق لأن جده نفر الذي يقول:
ألا قالت أمامة ما لنفر أراه غيرت منه الدهور
وأنت كذاك قد غيرت بعدي وكنت كأنك الشعرى العبور
وقال ألطرماح:
فلما دركناهن أبدين للهوى محاسن واستولين دون محاسن
ظعائن يستحدثن في كل بلدة رهينا ولا يحسن فك الرهائن
وكان الطرماح أليفا للكميت بن زيد على بعد ما بينهما في المذهب، والعصبية. كان الكميت عدنانيا كوفيا شيعيا، والطرماح قحطانيا شاميًا، صفريا. وقيل لهما: ما ألف بينكما؟ قالا: بغض العامة. وكانا معلمين. وهما أحد من اجتمع له المنثور والموزون وقال بعضهم:
أرادت وذاكم من سفاهة رأيها أن أهجوها لما هجتني محارب
معاذ إلهي إنني لعشيرتي ونفسي عن ذاك المقام لراغب
[ ٢٦٠ ]
وقال صخر بن عمرو بن الشريد:
وعاذلة هبت علي تلومني ألا لا تلوميني، كفى اللوم ما بيا
تقول ألا تهجو فوارس هاشم ومالي إلى أن أهجوهم ثم ماليا
أبي الذم أنى قد أصابوا كريمتي وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
الشمال واحدة الشمائل وهي الخلائق.
وكان معاوية بن عمرو بن الشريد فارسًا شجاعًا، فأغار في جمع من بني سليم على غطفان فبدرته القوم فانبرى له دريد وهاشم أبنا حرملة فانطرد له أحدهما وطعنه الآخر فقتله، فقال خفاف بن ندبة: قتلني الله أن رجعت حتى أباريه، فحمل على مالك بن حمار سيد بني شمخ بن فزاره، فقتله. فلما دخلت الأشهر الحرام ورد عليهم صخر فقال: أيكم قاتل أخي، فقال له أحد ابني حرملة: استطردت له فطعنني هذه الطعنة، وحمل عليه أخي فقتله فان قتلته فهو ثأرك. أما أنا فلم أسلب أخاك. قال: فما فعلت بفرسه السمى. قالوا: هاهي تلك فخذها،
فانصرف بها. وقيل لصخر: ألا تهجزهم؟. فقال: ما بيني وبينهم أقذع من الهجاء، وأنا أصون لساني عن الخنا. ثم خاف أن يظن به عيى فقال الأبيات المتقدمة، ومنها:
إذا ما امرؤ أهدى لبيت تحية فحياك رب الناس عني معاويا
وهون وجدي أنني لم أقل له كذبت ولم أبخل عليه بماليا
[ ٢٦١ ]
فلما أصاب دريدًا زاد فيها.
وذي اخوة قطعت أقران بينهم كما تركوني واحدًا لا أخا ليا
فلما انقضت الأشهر الحرم جمع لهم، فنظرت غطفان إلى جمعه فقال بعضهم: هذا صخر على فرسه السمى، فقيل: كلا السمى غراء، وكان خمم غرتها فأصاب فيهم. وقتل دريد بن حرملة، ثم غزا صخر بعد ذلك بني أسد بن خزيمة، فنذروا به، فاقتتلوا، فارفض أصحاب صخر عنه، وطعن في جنبه طعنة، فاستقل بها، فلما صار إلى أهله تعالج منها فنبا من الجرح مثل اليد، فأضناه ذلك حولا فسمع سائلا يقول لامرأته كيف صخر؟ فقالت: لا ميت فينعى، ولا حي فيرجى، فعلم أنها برمت منه، ورأى تحرق أمه فقال:
أرى أم صخر ما تحل عيادتي وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة عليك، ومن يغتر بالحدثان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه وقد حيل بين العير والنزوان
فأي امرئ ساوى بأم حليلة فلا عاش إلا في شقًا وهوان
وهم بقتل سليمى، فأخذ السيف، فلم يستقل به ساعده، وضعف عن الضرب به فنزل حتى وجد راحة فعلقها بيدها إلى عمود الخباء حتى ماتت ثم قطع ناتئا من جنبه فيئس من نفسه، فقال:
[ ٢٦٢ ]
أجارتنا إن الخطوب تنوب وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غربيان هاهنا وكل غريب للغريب نسيب
وتروى لامرئ القيس.
وقالت خنساء في صخر أخيها:
يا صخر وراد ماءٍ قد تبادره أهل المياه وما في ورده عار
مشى السنين إلى هيجاء معضلة لها سلاحان أنياب وأظفار
وإن صخرًا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
وإن صخرًا لوالينا وسيدنا وإن صخرًا إذا تشتو لنحار
لم تره جارته يمشي لساحتها لريبة حين يخلي بيته الجار
تريد بقولها وراد ماء الموت لإقدامه على الحرب. والمعنى. ما في ترك ورده عار. ومثله قال المرقش.
ليس على طول الحياة ندم ومن وراء الموت ما لا يعلم
وألسبتني: الجري.
وقال عقال بن شبة: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل فحياه أبي وألطفه، فما مضى قلت له: أبعد ما قال لنا ما قال؟!: قال يا بني أفأوسع جرحي؟ وقال ابن الحنفية: قد تدفع باحتمال مكروه ما هو أعظم منه. وقال عبد الله بن عروة: بعض الذل أبقى للمال والأهل. ومدح ابن شهاب شاعر فأعطاه وقال: إن من ابتغى الخير اتقى الشر.
[ ٢٦٣ ]