كانت العرب لا تعدل بالشعر كلامًا، لما يفخم من شأنهم، ويبهى من ذكرهم. قال بعضهم:
فإني لذو مرة مرة إذا ركبت حاله حالها
أقدم بالزجر قبل الوعيد لينهى القبائل جهالها
وقال جرير:
ابني حنفية أحكموا سفهاءكم أني أخاف عليكم أن أغضبا
ابني حنيفة إنني إن أهجكم أدع اليمامة لا تواري أرنبا
قوله: أحكموا أي امنعوا، ومنه حكمه اللجام.
وقال جرير:
وعاو عوى من غير شيءٍ رميته بقافيةٍ أنفاذها تقطر الدما
خروج بأفواه الرجال كأنها قرى هندواني إذا هز صمما
الأنفاذ: الجراح الواسعة
[ ١٥٥ ]
هم الفرزدق بهجاء عبد القيس فبلغ ذلك زيادة الأعجم، وهو من عبد القيس فبعث إليه لا تعجل، وأنا أهدى إليك هدية، فانتظر الفرزدق الهدية فجاء من عنده:
وما ترك الهاجون لي أن هجوته مصحًا أراه في أديم الفرزدق
ولا تركوا عظمًا يرى تحت لحمه أكاسر ما أبقوه للمتعرق
سأكسر ما أبقوا له من عظامه وأنكت مخ الساق منه وانتقى
فإنا وما تهدي لنا أن هجوتنا لكالبحر مهما تلق في البحر يغرق
هذا كقول الفرزدق:
ما ضر تغلب وائل أهجوتها أم بلت حيث تناطح البحران
وقال:
وهل يضر البحر أمسى زاخرا إن رمى فيه غلام بحجر
فلما بلغه الشعر قال: ليس لي إلى هجاء هؤلاء سبيل ما تبقى هذا العبد. وكان زياد هجاء
شديد العارضة.
المتعرق: الذي يأخذ اللحم عن العظم.
وهجا رجل من بني حرام الفرزدق فجاء به قومه إليه يقودونه. فقال الفرزدق:
[ ١٥٦ ]
ومن يك خائفًا لأذاة شعري فقد أمن الهجاء بنو حرام
هم قادوا سفيههم وخافوا قلائد مثل أطواق الحمام
وقال سحيم بن وثيل الرياحي:
إن علالتي وجراء حولي لذو شق على الضرع الظنون
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
فإن مكاننا من حميري مكان الليث من وسط العرين
وإني لا يعود إلي قرني غداة الغب إلا في قرين
بذي لبد يصد الألف عنه ولا تؤتى فريسته لحين
عذلت البزل إذ هي خاطرتني فما بالي وبال ابني لبون
وماذا يدري الشعراء مني وقد جاوزت حد الأربعين
أخو خمسين مجتمعًا أشدي ونجذني مداورة الشؤون
كريم الخال من سلفي رياح كنصل السيف وضاح الجبين
فإن قناتنا مشظ شظاها شديد مدها عنق القرين
سأحيى ما حييت وإن ظهري لمستند إلى نضدٍ أمين
[ ١٥٧ ]
العلالة: الجري بعد الجري، والجراء: المجاراة، والشق: المشقة والضرع: الضعيف الغمر، والظنون: الذي لا يوثق بما عنده. وابن جلا على الحكاية كقولك: جلا الأمر أي انكشف، ورياح: أبوهم والعرين: أكمة الأسد. ويقال للشيخ إذا جرب واحتنك منجذ، ومداودة: مزاولة، والمشظ: الخشن الشديد، والشظا ما تشظى منها أي تكسر.
هجا الأحوص بن محمد الأنصاري رجلا من الأنصار يقال له ابن بشر، وكان كثير المال، فخرج حتى قدم على الفرزدق، فأهدى إليه وألطفه، فقال له: ما أقدمك؟ قال: مستجيرًا بالله ثم بك من رجل هجاني. قال: قد أجارك الله عنه ألست من الأنصار؟. قال: بلى. قال: فأين الأحوص منك؟. قال: هو الذي هجاني. فأطرق الفرزدق ساعة ثم قال: أليس هو الذي
يقول:
ألا قف برسم الدار واستنطق الرسما فقد هاج أحزاني وذكرني نعمى
قال: بلى. قال: ما كنت لأهجو رجلا هذا شعره. فخرج الأنصاري، فأتى جريرًا بهدايا أخر. فقال: ما أقدمك؟. قال: جئت مستجيرا بالله ثم بك من رجل هجاني قال: قد أجارك الله وكفاك. أين أنت من ابن عمك الأحوص بن محمد؟. قال: هو الذي هجاني فأطرق ساعة وقال: أليس الذي يقول:
تمشي بشتمي في أكاريس ملكه يسي به كالكلب إذ ينبح النجما
قال: بلى. قال: والله لا أهجو شاعرًا هذا شعره. قال: فاشترى من تلك الهدايا وأتى الأحوص، فأهداها إليه وصالحه.
قال أبو عبيدة: قيل لبني كليب رهط جرير: ما أشد ما هجيتم به؟ قالوا: قول البعيث:
[ ١٥٨ ]
ألست كليبًا كلما سيم خطة أقر كإقرار الحليلة للبعل
وكل كليبي صحيفة وجهه ذل لأقدام الرجال من النعل
وقال آخر:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه
وقال العباس بن الوليد بن عبد الملك لمسلمة عمه:
ألا يغني الحياء أبا سعيد ويقصر عن ملاحاتي وعذلي
فلولا أن أصلك حين ينمي وفرعك منتهى فرعي وأصلي
وأني إن رميتك هيض عظمي ونالتني إذا نالتك نبلي
لقد أنكرتني إنكار خوفٍ يضم حشاك عن شمي وأكلي
كقول المرء عمرو في القوافي وقيس حين حالفه كل عدل
عذيرك من خليك من مراد أريد حياته ويريد قتلي
أخذ قوله:
وإني إن رميتك
من قول الحارث بن وعلة:
قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت أصابني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللًا ولئن سطوت لأوهنن عظمي
ومثله لقيس بن زهير العبسي:
[ ١٥٩ ]
شفيت النفس من حمل بن بدر وسيفي من حذيفة قد شفاني
فإن أك قد شفيت بهم غليلي فلم أقطع بهم إلا بناني
وعمرو الذي ذكر هو عمرو بن معدى كرب الزبيدي، وقيس بن مصوح المرادي، وكانا متباغضين في الإسلام يناقض بعضهما بعضا. وكان علي بن أبي طالب يتمثل ببيت عمرو الذي ضمنه العباس وهو:
أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد
كلما أبصر ابن ملجم.
[ ١٦٠ ]