قال الحارث بن خالد المخرومي يعير عبد العزيز بن عبد الله بن خالد أسيد فراره عن الخوارج وانهزامه دونهم:
فر عبد العزيز لما رأى الأ بطال بالسفح نازلوا قطريا
عاهدوا الله إن نجام المنايا ليعودن بعدها حرميا
يسكن الحل بالسفاح فمر أن فسلعًا وتارة بحريا
حيث لا يشهد القتال ولا يس مع يومًا لكر خيل دويا
وكان من حديثه أن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، ولى أخاه عبد العزيز قتال الخوارج، وعزل المهلب حسدًا له. وكان يقول: ذهب المهلب بحظ هذا المصر. يعني البصرة. ومضى عبد العزيز في ثلاثين ألفا. وكان يقول في طريقه إلى الخوارج: زعم أهل البصرة أن هذا الأمر لا يتم إلا بالمهلب فيستغلون قلقهم، فكان أول من لقيه سعد الطائع في خمسمائة فارس كأنهم خيط ممدود، فناهزهم عبد العزيز فواقفوه، ثم انهزموا له مكيدة فأتبعهم. وأخذوا أسارى منهم فشدوا وثاقهم، وأدخلوهم غارًا، وسدوا بابه حتى ماتوا فيه، وأخذوا امرأة عبد العزيز، وهي أم حفص بنت المنذر بن الجارود فبلغ بها رجل من الخوارج سبعين ألفًا، فقال قطري: ما ينبغي لمسلم أن يكون عنده سبعون ألفا، وإن هذه فتنة، فوثب أبو الحديد فقتلها، وقال: رأيت المؤمنين يتزايدون فيها فخشيت الفتنة عليهم. فقال قطري له: أصبت.
[ ٣٠٣ ]
وقال حسان بعد قتلى بدر للحارث بن هشام بن المغيرة:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنحوت محنى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا برأس طمرة ولجام
فقال الحارث معتذرًا من ذلك:
الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا رأسي بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل واحدًا أقتل ولا يضرر عدوى مشهدي
ففرت عنهم والأحبة فيهم طمعًا لهم بعقاب يوم مفسد
ثم أسلم الحارث يوم فتح مكة وحسن إسلامه، وكان من المؤلفة قلوبهم وخرج في زمن عمر إلى الشام من مكة بأهله وماله، فاتبعه أهل مكة يبكون فبكى، وقال: أما أنا لو كنا نستبدل دارًا بدارنا ما أردنا بكم بدلا، ولكنها النقلة إلى الله ﷿. فلم يزل مجاهدًا حتى مات.
وكان ابنه عبد الرحمن بن الحارث يكنى أبا محمد، وكان اسمه إبراهيم، وإنما غير اسمه عمر بن الخطاب ﵁ حين أراد تغيير أسماء الذين هم على أسماء الأنبياء. وقالت عائشة ﵂: لأن كنت قعدت في بيتي عن مسيري إلى البصرة أحب إلى من أن يكون لي من رسول الله عشرة من الولد كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث.
وقال جرير للأخطل:
واقبض يديك فإنني في مشرف صعب الذرى متمنع الأركان
فقال الأخطل: قبض يدي ماله، رماه الله بداء القراد.
[ ٣٠٤ ]
وقال العوام أخو بني الحارث بن همام بن مرة:
وفر أبو الصهباءِ إذ حمس الوغى وألقى بأبدان السلاح وسلما
فأيقن أن الخيل أن يلتمس به هنا عرسه أو يملأِ مأتما
ولو أنها عصفورة لحسبتها مسومة تدعو عبيدًا وأزنما
فررتم ولم تلووا على مرهفاتكم لو الحارث المقدام يدعى لأقدما
فألفين بسطامًا حريصًا بنفسه وغادرن في كرشا لدنا مقوما
فإن يك في يوم الهباء ملامة ويوم الغبيط كان أخزى وألوما
وفاض أسيرا هانئٍ وكأنما مفارق مفروق تعشين عندما
أبو الصهباء بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله بن الحارث بن همام بن مرة أغار وهو الحوفزان بن شريك، والأسود بن شريك على بني شيبان يوم الغبيط متساندين على ثلاثة ألوية على بني يربوع، فساروا حتى نزلوا بطن الأناد، وبلغ بني يربوع الخبر، فنذروا به، فقال سويد: لا مطمع فيهم إذ خذلتم، ثم أغاروا، فلقيتهم بنو يربوع بمجمع شعبتي الفردوس، فاقتتلوا قتالا شديدًا، فانهزمت بنو شيبان، وأخذ سويد بن الحوفزان وزيد بن سويد بن شريك وحماهم بسطام حين أنهزموا، فكان في أخريات القوم، وألح عليه فارسان من بني يربوع وكان دراعًا، وكان على ذات النسور، وكانت إذا أخذت
في السهل لم يتعلق شيء من خليهم بها، فإذا وعثت كادوا يلحقونها، فأخذ درعه فوضعها بين يديه على قربوس
[ ٣٠٥ ]
سرجه، ولم يزل ذلك ديدنه ودين القوم حتى حميت عليهم الشمس، وخاف أن يلحق، ومر بوجار ضبع، فرمى بالدرع فيه، فلما خخف عنها أمعطت ففاتت الطلب، وكان آخر من أتى قومه، وقد ظنوا أنه قد قتل.
وقال أبو عبيدة: ويوم الإياد هذا يوم الغبيط لبني يربوع على بني شيبان أسر فيه وذيعة بن أوس اليربوعي هانئ بن قبيصة، فقال في ذلك جرير:
رجعن بهانئٍ وأصبن بشرًا وبسطامًا يعض به الحديد
وأحمينا الإياد وقلتيه وقد عرفت سنابكهن أود
وقتل قعنب بن عصمة مسروقًا، وأسر عميرة بن الحزور فقتل، وقتل حصين ابن عبد الله التغلبي وقتل كرش بن المزدلف.
وقال أبو دلامة لروح بن حاتم قبيصة:
إني أعوذ بروح أن يقدمني إلى الحمام فيخزوني بنو أسد
أسالمتك المنايا أم نشأت بها فأنتم لنفوس الناس بالرصد
إن المهلب حب الموت عودكم ولم أعود أحب الموت من أحد
وقال غيره:
يقول لي المهلب كل مشرعه تقدم حين جد بنا المراس
فما لي إن أطلعتك غير نفس وما لي غير هذا الرأس راس
وقال آخر:
لما رأيت القنا الخطي مشروعة والمشرفية في الأيدي مصاليتا
[ ٣٠٦ ]
طأطأت رأسي فجازوني ولو وقفوا طأطأته أبدًا أو يبلغ الحوتا
قالوا تعير بعد اليوم قلت ذرا عاري علي وقوما أنتما موتا
ورب جبان إن ألحي كان شجاعًا. وكان في بني ليث رجل جبان بخيل فخرج رهطه غازين وبلغ ذلك ناسا من بني سليم، وكانوا أعداءهم، فلم يشعر الرجل إلا بخيل قد أحاطت بهم، ولم يجد مفرا، فجلس ثم أبرز كنانته وأخذ قوسه، وقال:
ما علتي وأنا حديد نابل إن لم أقاتلكم فأمي هابل
أكل يوم أنا عنكم نائل لا أطعم القوم ولا أقاتل
الموت حق والحياة باطل
ثم جعل يرميهم حتى ردهم ومنع الحي، فصار بعد ذلك سمحًا معروفًا. وهذا كما قيل: مكره أخاك لا بطل. هكذا جاء أخاك مقصور مبنى.
وقال آخر في الصبر على الحرب:
أبو أن يفروا والقنا في نحورهم ولم يرتقوا من خشية الموت سلما
ولو أنهم فروا لكانوا أعزة ولكن رأوا صبرًا على الموت أكرما
وقال آخر يرثى عبد الله بن ناشرة، وكان غلب على سجستان أيام ابن الزبير وتغير الذين أسموه، وقتله عبد العزيز بن عبد الله بن عامر.
ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ولا خير إلا قد تولى وأدبرا
لحى الله قومًا فيهم أسلموك وقدروا عناجيج أعطتها يمينك ضمرا
أما كان فيهم فارس ذو حفيظة يرى الموت في بعض المواطن أعذرا
يكر كما كر الكليبي صهره وماكر إلا ضيقة أن يعيرا
[ ٣٠٧ ]
الكليبي عثمان بن عبد الله، أحد بني عبيد. قتل معه. وقال آخر:
يا ضمر أخبرني ولست بمخبري وأخوك نافعك الذي لا يكذب
هل في القضية أن إذا استغنيتم وأمسكم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرة أشجتكم فأنا المحب الأقرب
عجبًا لتلك قضية. وإقامتي يومًا على تلك القضية أعجب
ألماكم طيب البلاد ورحبها ولي الثماد ورعيهن المجدب
وإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا يحاس الحيس تدعى جندب
هذا وجدكم المغار بعينه لا أم كان لهم بذاك ولا أب
كان سبب يوم ذي قار أن النعمان بن المنذر حين هرب من كسرى أودع سلاحه هانئ بن قبيصة، فأرسل إليه كسرى يطلبه منه، فأبى أن يدفعه إليه، فوجه إليه قائدين من العجم، ففرت منهم بكر، وكان الذي حمل قتالهم عجل وشيبان وقوم من بني تميم اللات بن ثعلبة. ورئيس القوم أبو معدان حنظلة بن يسار العجلى، وكانت بكر قد رحلت النساء في الهوادج
وقالت إن ظفرنا رددناهن، وإن لم نظفر كن قد نجين وأمر حنظلة أن تقطع الوضين، فقطعت فسمى مقطع الوضين، ثم قال: قاتلوا عن نسائكم، فإنه أحمى لكم، فقتلت العجم. وظفرت بهم بكر، وتبعتهم بقية يومهم وليلتهم وقتل القائدان، واقتسمت بكر الغنائم، وقسموا اللطائم بين نسائهم. وهذا يوم ذي قار، وهو أكبر أيام العرب.
وكان يقال له يوم العرب الأكبر. وقال النبي ﵇ لما بلغه ذلك: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، فلما هزمت العجم، وبلغ ذلك كسرى، واتصل به أن قيس بن مسعود عامله على الأبلة لما حضر القتال سار من الأبلة سرًا حتى أتى بكر بن وائل ليلا فأشار عليهم برأيه، وأمرهم بأمره، ثم رجع فبعث كسرى إلى قيس أن ائتني فتجهز ليأتيه، فنهزه رجال من بكر أن يأتيه، وقالوا إنما بعث إليك لما بلغه عنك. فقال: كلا إنه لم يبلغه، فأتاه، فحسبه في قصر له بالأنبار كان
[ ٣٠٨ ]
يجلس فيه الناس، وفيه حبس النعمان حتى هلك، فقال الأعشى من بني قيس بن ثعلبة يلوم قيس بن مسعود ويضعف رأيه فيما فعل:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد وأنت امرؤ ترجو أسى بك وائل
أطورين في عام عزاة ورحلة ألا ليت قيسًا غرقته القوابل
وليتك حال البحر دونك كله وكنت لقي تجزي عليك السوائل
كأنك لم تشهد قرابين جمة تعيث ضباع فيهم وعواسل
تركتهم صرعى على كل منهل وأقبلت تبغي الصلح. أمك هابل
لقد كان في شيبان لو كنت عالمًا قباب وصاهلة بها وقنابل
رحلت ولم تنظر وأنت عميدهم فلا يبلغني عنك ما أنت فاعل
وعريت من مال وحي جمعته كما عريت مما تمر المغازل
شفا النفس قتلى لم توسد خدودها وسادًا ولم تعضض عليها الأنامل
وفي بعض كتب الهند: جانب الموتور، وكن أحذر ما تكون منه، أوثق ما تكون منك، فان سلامة الأعداء بوحشة بعضهم من بعض، ومع الأنس والثقة حضور آجالهم، وللحقود من القلوب أماني لا يؤمن عليها الألسنة وقالوا: إذا أوحشت الحر فلا ترتبطه.
ومثله حديث الحارث بن ظالم إذ قتل النعمان أو ابن الأسود أخاه فردته بنو مرة، وأعطى الأمان للحارث بن ظالم، وكان قتلى الخمس التغلبي، فقال النعمان يوما وعنده ابن ظالم:
من كان له عند هذا ثار، وأشار إلى الحارث، فليدرك ثاره. فقام ابن الخمس إلى الحارث، فقال له الحارث: أتقتلني يا بن شر الأظماء فقال له: نعم بابن شر الأسماء فقتله.
[ ٣٠٩ ]
وعرض معاوية فرسًا، فقال لعبد الرحمن بن حسان: كيف تراه؟. فقال: أراه أجش هزيمًا. يعيره بقول النجاشى:
ونجى ابن حرب سابح ذو علالة أجش هزيم، والرماح دوان
إذا قلت أطراف الرماح تناله مرته به الساقان والقدمان
فلما بلغ معاوية هذا الشعر رفع تندوثة، وقال: لقد علم الناس أن الحبل الأعلى لا يبلى.
قال أبو رياش البصري: تزوج البهلول بن كعب العنبري امرأة من بني بهدلة، فرأته يومًا يطحن، فضربت صدرها، فقالت: أهذا زوجي؟ فبلغه ذلك فقال:
تقول ودقت صدرها يمينها أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
فقلت لها لا تعجلي وتبيني فعالي إذا التفت علي الفوارس
ألست أراد القرن يركب روعه وفيه سنان ذو عرانين يابس
واحتمل الردف الثقيل وامترى خلوف المنايا حين فر المغامس
واعتذر للحين أيمن بن خريم الأسدي فقال:
إن للفتنة بسطًا بينًا ويد المائل منها تعتدل
فإذا كان عطاء فأتهم وإذا كان قتال فاعتزل
إنما يسعرها جهالها حطب النار فدعها تشتعل
وقال البحتري للفتح بن خاقان، ولامه الفتح في تخلفه عن الحضور معه فقال:
[ ٣١٠ ]
ما كان قلبك في سواد جوانحي فأكون ثم، ولا لساني في يدي
وقعدت عنك ولو بمهجة فارس غيري رحلت إليهم لم أقعد
وقال حسان بن ثابت لابن الزبعري لما هرب من رسول الله (ﷺ) إلى نجران:
لا تعدمن رجلًا أحلك بعضه بحرار في عيش أجز لئيم
فلما بلغه البيت لم يلبث أن أتى إلى رسول الله (ﷺ)، فأنشده:
يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أجاري الشيطان في سنن الغي، ومن مال ميلة مبتور
أمن اللحم والعظام بما قلت فنفسي الفداء وأنت النذير
فعفى عنه رسول الله (ﷺ)، وصفح عما كان منه.
وقال آخر:
ضربناكم حتى إذا قام مثلكم ضربنا العدا عنكم ببيض صوارم
فحلوا بأكنافي واكناف معشري إلى حربكم في المأزق المتلاحم
وقد كان أوصاني أبي أن أضيفكم إلي وأنهى عنكم كل ظالم
وقال أبو حنش الفزاري يذكر فراره عن حذيفة بن بدر يوم الهباءة:
ذكرت لموقفي حمل بن بدر وصاحبه الإله لدى الخطوب
فقلت لهن لا غدر لدينا يكون من المحب إلى الحبيب
فلو صدق الهوى أو كنت حرًا لمت مع الندا يوم القليب
وقد جاهدت حتى لا جهاد وماتت حيلة الرجل الأريب
[ ٣١١ ]
رديني حاضر لأستر عنه لمبصره وعذري بالمغيب
فلا عذر يرد علي نفعًا وكر العذر من فعل المريب
وكم من موقف حسن أحيلت محاسنه فعد من الذنوب
وكان حكم بن الطفيل أخو عامر بن الطفيل وأصحابه خنقوا أنفسهم في بعض الأيام، فعيروا بذلك تعييرًا شديدًا. فقال خراشة بن عمرو لعامر بن الطفيل:
أقدتهم الموت ثم خذلتهم فلا وألت نفس عليها تحاذر
فهل تبلغني عامرًا إن لقيته أسليت عن أسماء أم أنت ذاكر
وإنكم إذ تخنقون نفوسكم لكم تحت أظلال الغضا لحرائر
وقال عروة بن الورد في ذلك:
ونحن صبحنا عامرًا في بلادهم علالة أرماح وحزبًا مذكرا
بكل رقيق الشفرتين مهند ولدن من الخطى أزرق أسمرا
عجبت لهم إذ يخنقون نفوسهم ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا
يشد الحليم منهم عقد حبله ألا إنما يؤتى الذي كان أحذرا
أراد أن يؤكد الفعل بالنون الخفيفة، ثم حذفها لالتقاء الساكنين.
وقال وعلة الجرمي يرد على رجل عيره بسوء المأكل:
لهان العام ما عيرتمونا شواء الناهضات مع الخبيص
فما لحم الغراب لنا بزاد ولا سرطان أنهار البريص
[ ٣١٢ ]
وقال المتنبي يعتذر عن فعل الجبان والشجاع:
أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه حريصًا عليها مستهامًا بها صبا
فحب الجبان النفس أورده التقى وحب الشجاع النفس أورده الحربا
ويختلف الرزقان والفعل واحد إلى أن يرى إحسان هذا له ذنبا
وقال غيره:
تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
وقال شريح بن الأحوص للقيط بن زرارة يعيره بترك أخيه معبدًا أسيرًا في أيدي بني عامر:
لقيط وأنت امرؤ ماجد ولكن حلمك لا يهتدي
ألما أمنت وساغ الشراب واصل بينك في ثهمد
رفعت برجليك فوق الفرا ش تهدى القصائد في معبد
وأسلمته عند جد القتا ل وتبخل بالمال أن تفتدي
وقال عوف بن الجزع التيمي:
هلا كررت على ابن أمك معبدٍ والعامري يقوده بصفاد
وذكرت من لبن المحلق شربه والخيل تعدو بالكماة بداد
ولم تكن أمهما واحدة، ولكن لهما أمهات تجمعها فوق ذلك، والمحلق إبل موسومة على وجهها كالحلق.
وقال الفرزدق لسليمان بن عبد الملك، ويعير بني عبس بنبو سيف ورقاء بن زهير عن رأس خالد بن جعفر، وكان سليمان لما حج مر بالمدينة منصرفًا
[ ٣١٣ ]
فأتى بأسرى من الروم وعنده عبد الله بن حسن بن حسن فقال له سليمان: قم فاضرب عنق البطريق، فضربه فأبان عنقه وذراعه وعمل في الجامعة، فقال له: أجلس، فوالله ما ضربته بسيفك ولكن
بحسبك، ورفع الأسرى إلى الوجوه ليقتلوهم، ورفع إلى الفرزدق أسيرًا فدس العبسيون سيفًا كليلا فضرب به فنبا، فضحك سليمان والناس معه فقال الفرزدق:
إن يك سيف خان أو قدر أبى لتأخير نفس حينها غير شاهد
فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ويقطعن أحيانا مناط القلائد
ولو شئت قط السيف ما بين أنفه إلى علق دون الشراسيف جامد
وقال أيضًا:
تعجب الناس أن أضحكت خيرهم خليفة الله يستقي به المطر
فما نبا السيف من جبن ولا دهش عن الأسير ولكن أخر القدر
ولن يقدم نفسًا قبل ميتتها جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر
وقال أيضًا:
فلا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
[ ٣١٤ ]
ثم قال: الويل لي من ابن المراغة لو بلغته هذه. فلما بلغت جريرًا قال:
بسيف أبي رغوان سيف مجاشع ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم
ضربت به عند الإمام فأرعشت يداك وقالوا محدث غير صارم
وكان الحسين بن يزيد بن شداد الحارثي غزا يوم فيف الريح بمن تبعه من قبائل مذبح بني عامر بن صعصعة، وهم منتجعون بفيف الريح، ومع مذحج النساء والذرارى، وعلى عامر كلها عامر بن الطفيل، وكان عامر قال لقومه: أغيروا بنا عليهم، فإنا نرجو أن نأخذ غنائمهم، ولا تتركوهم يدخلون عليكم دياركم، فبايعوه على ذلك، فلما دنت بنو عامر من القوم صاح رقباؤهم: أتاكم الجيش، فالتقى الفريقان وتحاربوا ثلاثة أيام، وكان عامر يتعاهد الناس ويقول: والله يا فلان ما رأيتك فعلت شيئًا، فيقول الرجل الذي قد أيده: أنظر إلى سيفي وما فيه، وإلى رمحي وسناني. وان مشهرًا أقبل فقال: يا أبا علي يعني عامرًا أنظر ما صنعت بالقوم، وانظر إلى رمحي حتى إذا أقبل عليه عامر وأمكنه وجأه بالرمح في وجنته، وانشقت عين عامر ففقأها، وخلى مسهر الرمح في عينه، فضرب فرسه، ولحق بقومه. وإنما دعاه إلى ما صنع بعامر ما رآه يفعل بقومه من الأفاعيل، فقال: هذا مبير
قومي.
وكان مسهر من أصحاب الحسين، وإنما هرب إلى بني عامر ليخدع عامرًا، وكان ممن أبلى يومئذ من بني جعفر عامر بن الطفيل، وزيد بن قيس بن خريم ابن خالد بن جعفر. وعن عمرو بن شريح بن الأحوص قال: وأسرع القتل في الفريقين فافترقوا، ولم يستغل بعضهم من بعض غنيمة، وكان الصبر والشرف فيها لبني عامر. وهو أول يوم ذكر فيه عامر بن الطفيل. وفي هذه الوقعة يقول الفرزدق بن غالب:
[ ٣١٥ ]
فمن يخبر هوازن ثم يأخذ نميرًا من هوازن أو كلابا
فقدر أبيك أمسك بالنواصي وخير فوارس علموا نصابا
هم ضربوا الصنائع واستباحوا بمذحج يوم ذي طلح ضرابا
ويوم ذي طلح هو يوم فيف الريح:
وقال جرير يعير مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقرى تزويجه ابنته خولة ليحيى ابن أبي حفصة، وكان مولى يهوديًا فأسلم على يد عثمان:
رأيت مقاتل الطلبات حلًا فروج بناته كمر الموالي
لقد أنكحتم عبدًا لعبد من السعد المشوهة السبال
فلا تفخر بعيش إن قيسًا حريم فوق أعظمه البوالي
وقال الفلاح بن حزن:
نبيت خولة قالت حين أنكحها لطالما كنت منك العار أنتظر
أنكحت عبدين ترجو فضل مالهما في فيك مما رجوت الترب والحجر
لله در جياد أنت سائسها أرديتها وبها التحجيل والغرر
قيس هو ابن عاصم بن سيار بن خالد بن منقر بن عبيد بن الحارث بن كعب بن سعد.
وخرج شيخ من باهلة على فرس أعجف إلى المبازرة بحضرة أبي موسى الأشعري، فقال أبو موسى هذا بال على بال. فقال الشيخ:
رآني الأشعري فقال بال على بال ولم يعلم بلائي
ومثلك قد تركت الرمح فيه فآب بدائه وشفيت دائي
[ ٣١٦ ]
نازع ابن هبيرة رجلا من بني عمرو بن عامر بن لؤي فعيره بقلة المال، فقال العامري: إن
أهل الشام ليعلمون أني أكثرهم كرمة وعنبا وزبيبة، فقال ابن هبيرة: وممن عصر لغيره لشرب الخمر.
وقال عباس بن مرداس السلمي يعير عتيبة أخذه أنس بن عباس، وبينهم ما بينهم من الميثاق:
كثر الضجاج وما سمعت بغادر كعتيبة بن الحارث بن شهاب
جللت حنظلة المخانة والخنا ودلست آخر هذه الأحقاب
وأحرتم أنسًا فما حاولتم بأسًا وجاركم بين النقاب
بأست التي ولدتك وأست معاشر تركوك تمرسهم من الأحساب
المخانة الخيانة، والخنا الكلام القبيح، والمقيات الذي يلد الحمقى، والوقت الأحمق، والعهد الذي ذكره عباس كان بين ثعلبة بن يربوع وبني رعل ألا يؤكل مال ولا يسفك دم. فأغار عتيبة بن الحارث على طوائف من بني كلاب يوم الجوين فاطردوا إبلهم، وكان أنس بن العباس الأصم أخو بني رعل من بني سليم مجاورًا في بني كلاب، فلما عرفوهم بنو كلاب قالوا لأنس: في آثارهم فأدركهم، فلما دنا منهم قال عتيبة لأخيه حنظلة بن الحارث أكفنيه. فقال أنس: إنما أنا أخوكم وعقيد كم، وقد مضت إبلي
[ ٣١٧ ]
فما أخذتم من هؤلاء القوم؟ فقال له: حياك الله. هلم فاعزل إبلك. فقال: والله ما أعرفها وبنو أخي وأهل بيتي قد أمرتهم بالركوب وهم في إثرى، وهو أعلم بها مني. فبينا هم كذاك إذ طلع فوارس بني كلاب فاستقبلهم حنظلة في فوارس معه، فقال لهم أنس: إنما هم بني وبنو أخي وإنما بريتهم لنلاحق جماعة فوارس بني كلاب. فلحقوا فقتلوه الحوثرة ابن قيس الكلابي حنظلة بن الحارث وحمل لأم ابن سلمة من بني ثعلبة على الحوثرة فأسره، فدفعه إلى عتيبة فقتله صبرًا، وهزم الكلابيون، ومضى بنو ثعلبة بالإبل، وفيها إبل، وفيها إبل أنس بن عباس، ثم أتبعهم أنس طمعًا في أبله، فوافق عتيبة، فأخذه عتيبة أسيرًا، وأتى به أصحابه، فافتدى أنس نفسه بمائتي بعير. ففي ذلك قال عباس بن مرداس الأبيات المتقدمة. فقال عتيبة في عتابه:
غدرتم غدرة وغدرت أخرى فليس إلى توافينا سبيل
فإنكم عداة بني كلاب تفاقدتم، علي لكم دليل
دعا عليهم بأن يفقد بفقد بعضهم بعضًا.
وقال مالك بن نويرة لما أبى عتيبة أن يدفع إليهم أنسا يقتلونه، فمن عليه مالك بدفع ابن عبيد الحوثرة إليه:
ونحن ثأرنا قبلها يا ابن أمه غداة الكلابين والخيل سهد
فجسنا به فسرا إليك تقوده وأنت ضعيف الصوت قلبك يرعد
فنادى الذليل لا نازع رأسه وقلنا لك أقفلته وقد كدت تبلد
وقال أبو يعقوب إسحاق بن حسان الخريمي يعاتب عثمان بن خريم مولاه:
لعمر أبيك يامي إنني لذو أنف آب لما لم أعود
وإني ليعديني التكرم والحجا على ظلم ذي القربى إذا لم أسود
[ ٣١٨ ]
وما أنا بالباكي عليه صبابة إذا ما نأى عني ولا المتلدد
وإني لذو صفح عن الجهل بالتي تزين الفتى من فضل حلم وسؤدد
أبا لجد ترميني فإنك هازل وتحلف لي بالله أن لم تعمد
وكنت إذا ما غبت عما شهدته يسرك في الجلى مقامي ومشهدي
أزاحم عنك القوم خزرًا عيونهم وأدفع جهدي باللسان وباليد
وأجعل عرضي دون عرضك جنة كذي شطب في النائبات مهند
فما زال بي حبيك حتى مللتني وساءك مني فريتي وتوددي
أراني إذا أصلحت أفسدت صالحي وإن يكن الإفساد همك يفسد
فدونك فاستبدل خليلًا فإنني بمثل الذي أوصيك لا بد مقتدي
وإن أك محسودًا فلست بحاسد وأي كريم عاش غير محسد
[ ٣١٩ ]