ومدخل لطيف إلى النفوس، وسلم محتضر إلى الأوهام، ومعز شاف، وواعظ ناه، ومعقل يأوى إليه المحروب، ويسكن إليه المحزون، ويتسلى به المهموم. قال لبيد بن ربيعة وكان جوادًا، وكان ابنه قريط أبو حنيف يلومه على ذلك، فقال له:
أنبئت أن أبا حنيف لا مني في اللائمينا
ابني هل أحسست أعمامي بني أم البنينا
وأني الذي كان الأرامل في الشتاء له قطينا
الفتية البيض المخالص أخلصوا حرما ولينا
ما إن رأيت ولا سمعت بمثلهم في العالمينا
فلئن بعثت لهم بغاة ما البغاة بواجدينا
فبقيت بعدهم وكنت بطول صحبتهم ضنينا
[ ٢٧١ ]
وإذا دفنت أباك فاجعل فوقه خشبًا وطينا
ليقين وجه أبيك سفساف التراب ولن يقينا
وقال الحارث بن حلزة:
من حاكم بيني وبين الدهر جار علي عمدا
أود لسادتنا وقد تركوا لنا خلفًا وجردا
فلو أن ما يأوي يصيب من بني ثهلان فندا
أو رأس رهوة أو رؤوس شمارخ لهددن هدا
فضعي قناعك إن رأيت الدهر قد أفنى معدا
الفند القطعة من الجبل.
وقال علي بن أبي طالب لما مات الأشتر: (تالله مالك لو كان من جبل كان فندًا، أو كان من حجر كان صلدا على مثل مالك، فلبيك البواكي).
وقال لبيد:
فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب لعلك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان والدًا ودون معد فلتزعك العوازل
وقتل نصر بن بشر بن أبي أرطأة العامري عمرو بن أراكة، وكان خليفة عبيد الله بن عباس على النمر أيام علي ﵁، فجزع عليه أخوه جزعًا شديدًا، فقال أبوه:
[ ٢٧٢ ]
لعمري لئن اتبعت عينك ما مضى به الدهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستدر فإن كان البكارد هالكًا على أهله فاشدد يديك على عمرو
ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه علي وعباس وآل أبي بكر
﵃، فتغرب عنه لما سمع الأبيات.
وكان سبب قتل عمرو بن أراكة الثقفي أن معاوية أرسل بشر بن أرطأة إلى اليمن ليقتل شيعة علي ﵁، وقال له: لا إمرة لك على قيس، فسار حتى أتى المدينة. فقتل بها ابني عبيد الله بن عباس، وكانا عند جدتهما من بني كنانة، ويقال من بلحارث بن كعب. أخذتهما من تحت ذيلها، فقتلهما فقالت:
يا من أحس بابني اللذين هما سمعي وطرفي اليوم مختطف
يا من أحس بابني اللذين هما كالدرتين تسطى عنهما الصدف
يبيت برا وما صدقت ما زعموا من قولهم، ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى علي ووجى طفلي مرهفة مشحوذة وعظيم الإفك يقترف
من ذل والهة حرى مفجعة على صبيين بانا إذ مضى السلف
وفر أهل المدينة منه فدخلوا حرة بني سليم، ومضى إلى اليمن، فقتل وسبى. قال العتبي: مات لي بنون، فمنعني شدة الوجد بهم من البكاء عليهم فذكرت قول ذي الرمة:
[ ٢٧٣ ]
خليلي عوجا من صدور الرواحل بجمهور حزوى فابكيا في المنازل
لعل انهمال الدمع يعقب راحة من الوجد أو يشفى نجي البلابل
فحنيت فبكيت وشكوت.
ومن شعر العتبي في بيته:
ينام المسعدون ومن يلوم وتوقظني وأوقظها الهموم
صحيح بالنهار لمن رآني وليلى لا ينام ولا ينيم
كأن الليل محبوس دجاه فأوله وآخره مقيم
لمهلك فتية تركوا أباهم وأصغر ما به منهم عظيم
يذكرنيهم ما كنت فيه فسيان المساءة والنعيم
فبالخدين من دمعي ندوب وبالأحشاء من وجدي كلوم
فإن تهلك بني فليس شيءٌ على شيءٍ من الدنيا يدوم
وقال الفرزدق:
ألم تر أني يوم جو سويقة بكيت فنادتني هنيدة مابيا
فقلت لها إن البكاء لراحة به يشتفي من ظن أن لا تلاقيا
[ ٢٧٤ ]