قال:
وإني لآتي الشر حتى إذا دنا وحل بداري قلت للشر مرحبا
وأركب ظهر الشر حتى يلين لي إذا لم أجد إلا على الشر مركبا
وقال آخر:
ولا أتمنى الشر والشر باركي ولكن متى أحمل على الشر أركب
ولست بمفراح إذا الدهر سرني ولا جازع من صرفه المتقلب
قال الله تعالى: (لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم).
والعرب تتمادح بذلك. ويقال عن أبي مسلم أنه هزم نفيا وستين هزيمة فمارئي عليه كآبة الانهزام، وفتح له مثلها، فما رئي عليه أثر الفرح.
قال:
لا أحسب الشر جارًا لا يفارقني ولا أجر على ما فاتني الودجا
وما نزلت من المكروه منزلة إلا وثقت بأن ألقى لها فرجا
وقال:
إني إذا ما امرؤ خفت نعامته في الجهل واستحصدت منه قوى الوذم
عقدت في ملتقى أوداج لبته طوق الحمامة لا يبلي على القدم
[ ٢٧٩ ]
وكان الحارث بن عباد اعتزل حرب بكر وتغلب، وقال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل. فذهبت مثلا. فلما قتل مهلهل بجير بن الحارث. قال الحارث: نعم القتيل قتل. أصلح الله به بين ابني وائل، فقيل له: إنه قال وهو يقتله: بوء بشسع كليب، فغضب وقال:
قربا مربط النعامة مني لقحت حرب وائل عن خبال
لم أكن من جناتها علم الله ولكني بحرها اليوم صالي
قربا مربط النعامة مني إن قتل الكريم بالشسع غالي
لا تحيرا عني قتيلًا ولا رهط كليب تزاجروا عن ضلال
وقال المتنبي:
لي كل طاو تحت طاو كأنه من الدم يسقى أو من اللحم يطعم
لها في الوغى زي الفوارس فوقها فكل حصان دارع متلثم
وما ذاك بخلًا بالنفوس على القنا ولكن صدم الشر بالشر أحزم
وقال الفند الزماني:
صفحنا عن بني ذهل وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجع ن قومًا كالذي كانوا
فلما صرح الشر وأضحى وهو عريان
[ ٢٨٠ ]
شددنا شدة الليث غدا والليث غضبان
ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا
بضرب فيه تضجيع وتوهين وإدنان
وطعن كفم الزق غدا والزق ملآن
وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان
(وبعض الحلم عند الجه ل للذلة إذعان)
ومما قيل في المكافأة بالشكر أسر حنظلة بن عامر العجلي جويرية بن زيد من بني درام، فقعد العجليون شربًا وهو في الوثاق، فرفع عقيرته يتغنى:
وقائلة ما غاله أن يزورنا وقد كنت عن تلك الزيارة في شغل
وقد أدركتني والحوادث جمة مثالب قوم لا ضعاف ولا عزل
لعلهم أن ينطروني بنعمة كما صاب ماء المزن في البلد المحل
وقد ينعش الله الفتى بعد عشرة وقد يهدي إلى الحسنى سراة بني عجل
فأطلقوه بغير فداء.
وقال آخر:
سأشكر عمرًا إن تراخت منيتي أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفي مكانها وكانت قذى عينيه حتى تجلت
[ ٢٨١ ]
وقال أبو طالب:
جزى الله رهطًا من لؤي تتابعوا على ملأ يهدي لحزم ويرشد
قعود لدى جنت الحطيم كأنهم مقاولة بل هم أعز وأمجد
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيًا فسر أبو بكر بها ومحمد
ألم يأتكم أن الصحيفة مزقت وأن كلامًا لم يرضه الله يفسد
أعان عليها كل صقر كأنه إذا ما مشى في رفرف الدرع أجرد
ويعني سهل بن بيضاء الفهري، وهو الذي سعى في شأن الصحيفة حتى مزقت.
وقال عمارة بن عقيل:
بني دارم إن يفن عمري فقد مضى حياتي لكم مني بناء مخلد
بدأتم وأحسنتم وأحسنت جاهدًا وإن عدتم أحسنت والعود أحمد
وقال أبو نجيلة:
شكرت إن الشكر حبل من التقى وما كل من أقرضته نعمة يقضي
فأحييت من ذكرى وما كان ميتًا ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
وكان أسيد بن عنقاء الفزاري من أكبر أهل زمانه، وأشدهم عارضة ولسانا، وطال عمره ونكبه دهره، فخرج عشية يبتهل لأهله، فمر به عملية
[ ٢٨٢ ]
الفزاري، فقال: يا عمرو ما أصارك إلى ما أرى؟. قال: بخل مثلك بماله وصرف وجهي عن مسألة الناس، فقال: والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك. فرجع ابن عنقاء إلى أهله، فأخبرهم بقوله، فقالت أمه: غرك كلام جنح ليل، فكأنما ألقمت فاه حجرا، فبات متململا بين رجاء ويأس. فلما كان السحر سمع رغاء الإبل وثغاء الشاء وصهيل الخيل ولجب الأموال. فقال: ما هذا. قالوا: عملية ساق إليك ماله. قال فاستخرج ابن عنقاء وقسم ماله شطرين، فساهمه عليه، فقال ابن عنقاء:
رآني على ما بي عميلة فاشتكى إلى ما له حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألم على حين لا بدو يرجى ولا حضر
فقلت له خيرًا وأثنيت فعله وأوفاك ما أبليت من ذم أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه تردى رداء سابغ الذيل واتزر
غلام وماه الله بالحسن مقبلًا له سيمياء لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت فوق نحره وفي أنفه الشعرى وفي وجهه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
ومما قيل في العتاب. قال يزيد بن الحكم الثقفي:
تكاشرني كرهًا كأنك ناصح وعينك تبدى أن صدك لي دوي
لسانك ماذي وعينك علقم وشرك مبسوط وخيرك منطوي
فليت كفافًا كان خيرك كله وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي
عدوك يخشى صولتي إن لقيته وأنت عدوي ليس ذاو بمستوي
تصفح من لاقيت لي ذا عداوة صفاحًا وعني بين عينيك منزوي
أراك إذا لم أهو أمرًا هويته ولست لما أهوى من الأمر بالهوي
[ ٢٨٣ ]
أراك احتويت الخير مني واحتوى أذاك فكل مشتو قرب مجتوي
وكم مواطن لولاي طحت كما هوى بأجرامه من قلة النيق منهوي
إذا ما ابتنى المجد ابن عمك لم تعن وقلت ألا يا ليت بنيايه خوي
وإنك إن قيل ابن عمك غانم شج أو عميد أو أخو مغلة لوي
تملأت من غيظ علي ولم يزل بك الغيظ حتى كدت بالغيظ تنشوي
وما برحت نفس حسود حسبتها تريبك حتى قيل هل أنت مكتوى
وقال النطاسيون إنك مشعر سلالًا، ألا بل أنت من حسد روي
جمعت وفحشا غيبة ونمية خصالًا ثلاثًا لست عنها بمرعوي
أفحشًا وجنبًا واجتنابًا عن الندى كأنك أفعى كدية في محجوي
فيدحو بك الداحي إلى كل سوءة فيا سوء من يدحو بأطلس مدحوي
بدا منك غش طال ما قد كتمته كما كتمت داءً بها أم مدوى
ودخل أبو تمام الطائي على أحمد بن أبي دؤاد، فجلس متقصيًا، فقال له أحمد: أحسبك يا أبا تمام عاتبًا. فقال: أعزك الله إنما نعيت على واحد، فأما جميع الناس فلا طاقة لي بعتابهم. فاستحسن ظرفه. وقال: من أنزلك هذا؟. فقال: من الحسن حيث يقول:
وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
[ ٢٨٤ ]
وقال معن بن أوس المزني:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تأتي المنية أول
وإني أخوك الدائم العهد لم أحل أرابك خصم أو نبا بك منزل
أحارب من حاربت من ذي عداوة وأحبس مالي إن غرمت فأعقل
كأنك تشفي منك داء مساءتي وسخطي وما في ريبتي ما تعجل
وإن سؤتني يومًا صبرت إلى غدٍ ليعقب يومًا منك آخر مقبل
ستقطع بي الدنيا إذا ما قطعتني يمينك فانظر أي كف تبدل
وفي الناس إن رثت حبالك واصل وفي الأرض عن دار الفلا متحول
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته على طرف الهجران إن كان يعقل
وتركب حد السيف من أن تمضيه إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
وكنت إذا ما صاحب أم ظنتي وبدل سوءًا بالذي كنت أفعل
قبلت له ظهر المجن فلم أدم على ذاك إلا ريث ما أتحول
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد إليه بوجه آخر الدهر تقبل
[ ٢٨٥ ]
دخل عبد الله بن الزبير على معاوية فقال عبد الله: أتسمع أبياتًا قلتها، وكان واجدًا عليه. فقال معاوية: هات فانشده هذه القصيدة المقدمة، فقال له أقلت بعدنا شيئًا؟. قال: نعم. وأنشده القصيدة. فقال معاوية: يا أبا بكر أما ذكرت آنفا ان الشعر لك؟. قال: أنا أصلحت المعاني وهذا ألف الشعر وهو بعد طبري، فلما من شيء فهو لي. وكان عبد الله مسترضعًا في مزينة.
وقال ذو الإصبع العدواني:
لي ابن عم على ما كان من خلق مخالف لي أقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا فخالني دونه بل خلته دوني
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتحزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ولا بنفسك في الغراء تكفيني
إن الذي يقبض الدنيا ويبسطها إن كان أغناك عني فهو يغنيني
الله يعلمني والله يعلمكم والله يجزيكم والله يجزيني
ماذا علي وإن كنتم ذوي رحمي ألا أحبكم إذ لم تحبوني
كل امرئٍ صائر يومًا لشيمته وإن تخلق أخلاقًا إلى حين
[ ٢٨٦ ]
إني لعمرك ما بابي بذي غلق على الصديق، ولا خيري بمنون
ولا لساني على الأدنى بمنطلق بالمنكرات، ولا فتكي بمأمون
وفي مثله لقعنب بن أم صاحب:
مهلًا أعاذل قد جربت من خلقي أني أجود لأقوم وإن ضننوا
إذا غلا الحمد في مالي رخصت له والحمد لا يشتري إلا له ثمن
ما بال قوم صديق ثم ليس لهم عهد وليس لهم دين إذا ائتمنوا
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحًا مني وما سمعوا من صالح دفنوا
مثل العصافير أحلامًا ومقدرة لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا
صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به وإن ذكرت بسوءٍ عندهم أذنوا
كل يداجي على البغضاء صاحبه ولا يعالنهم إلا كما علنوا
ولن يراجع قلبي ودهم أبدًا زكنت منهم على مثل الذي زكنوا
[ ٢٨٧ ]
جهلًا علينا وجبنًا عن عدوهم لبئست الخلتان الجهل والجبن
إذا بطنت أرجي خيرهم ظهروا وإن ظهرت لبقيا فيهم بطنوا
فطانة فطنوها لو تكون لهم مروءة أو تقى لله ما فطنوا
ما لي أسكن عن ضب ويشتمني ولو شتمت بني ضب لقد سكنوا
كمدخل رأسه لم يدعه أحد بين القرينين حتى لزه القرن
وما أبالي إذا أنضجت كيهم ويدعى الناس ما قالوا هن وهنوا
وقال ابن المعتز:
ألا هل ترون ما أرى من معاشر لهم في حكم يهجر الحق مشتط
يريعون مما راعهم في شبيبتي على حين أن ذكيت واشتعل الوخط
ألا إنها أم العجائب فاصطبر وإن كنت ما لقيت أمثالها قط
إذا ما رأوا خيرًا أبوا وتحملوا إلى بنتهم أو إن رأوا شرة حطوا
ألا إن حلمي واسع إن صلحتم بحلمي، وعندي بعده الجدع والحبط
فلا تكثروا شوك الأذى في غضونكم فيكثر مني فيكم الكسر والخرط
وليس لقرباكم وأنتم عققتم على السيف يوم الروع عهد ولا شرط
ولا رحم إلا وقد شجبت بكم ومزقتموها مثل ما مزق المرط
[ ٢٨٨ ]
ستدرس آثار المودة بيننا وأرحامها الدنيا كما يدرس الخط
قريبون مني لا تلاؤم بيننا ونحن بنو عم كما انفرج المشط
كفرتم يدي فيكم فحل عقالها إلى غيركم لما يشد لها ربط
وما كنت إلا من يد الله معطيا ألا إنه في كفه القبض والبسط
فهل عندكم عقبى فيرجع محسن هني الرضا، والعفو نائله سبط
وألا ملكت جانبي وعزلته وكنت كأني ليس لي منكم رهط
وهل عندكم من هذه غير زفرة تصعد منكم في الصدور وتنحط
وإلا وعيد لا يسير جنوده وحيات ضغن في مكامنها رقط
وقال غيره:
ألا أبلغ أبا قيس رسولًا بأني لم أخنك فلا تخني
ولكني طويت الكشح لما رأيتك قد طويت الكشح عني
فلست بمدرك ما فات مني بلهف أو بليت أو لو أني
ولست بآمن أبدًا خليلًا على شيءٍ إذا لم يأتمني
وصلتك ثم عاد الوصل إني قرعت ندامة من ذاك سني
فإن أعطف عليك بفضل حلم فما قلبي إليك بمطمئن
[ ٢٨٩ ]
غيره:
إلى كم يكون الصد في كل ليلة وكم لا تمليني القطيعة والهجرا
رويدك إن الدهر فيه بلاغة لتفريق ذات البين فانتظر الدهرا
آخر:
أإن سمتني ذلًا فعفت حياضه سخطت ومن يأت المذلة يعذر
فهد أنا مسترضيك لا عن خيانة جنيت ولكن من تجنيك فاغفر
وقال ابن الرومي:
أتاني مقال من أخ فاغتفرته وإن كان فيما دونه وجه معتب
وذكرت نفسي منه عند امتعاضها محاسن تعفو الذنب عن كل مذنب
ومثلي رأى الحسنى بعين جلية وأغضى عن العوراء غير مؤنب
فيما هاربًا من سخطه متنصلًا هربت إلى أنجى مفر ومهرب
فعذرك مبسوط لدنيا مقدم وودك مقبول بأهل وموجب
ولو بلغتني عندك أذني أقمتها لدي مقام الكاشح المتكذب
ولست بتقليب اللسان مصارمًا خليلي إذا ما القلب لم يتقلب
وقال نصر بن أحمد الخبرأرزي يعاتب معشوقًا له:
فعالك بي أصحت فؤادي من السكر فلم تبق لي إلا خمارًا من الذكر
[ ٢٩٠ ]
ولما بدت رايات غدرك خاذلات وأنجزت لي خيل السلو إلى نصري
ومن لم يطق صبرًا على الغيظ يستعن بهجر وبعض الشر يدفع بالشر
كما لا ترى أوفى من الحر في الهوى كذا لا ترى في الغدر أوفى من الحر
أرى الصبر أخطأ من بخيانة وإن كان لا شيء أمر من الصبر
أموت بعز لا أعيش بذلة وعند الملوك القتل أعفى من الأسر
لعمري ما أعرضت عنك تنقصًا لقدرك لكن صنت نفسي على قدري
تراني إلى خير أفر من المنى إلى الناس أو أرضى من الوصل بالهجر
أرى كل حر بحسن العذر بعده ويعفى وما بعد الخيانة من عذر
ظننت بك الحسنى فأفسدك العدى فكيد الأعادي كان أصدق من حذري
وقالوا رأى السكين في الماء فانثنى ولست أرى السكين إلا على نحري
سأرعى وإن لم ترع لي حق واجب واحفظ ما واليت في سالف الدهر
ولولا حفاظي لم أكن متداركًا قليل الأيادي بالقليل من الشكر
وكان الرشيد كثيرًا ما يستشهد بقول الزبير بن بكار لعبد الله بن مصعب:
وإني وإن قصرت عن غير بغضة لراع لأسباب المودة حافظ
وما زال يدعوني إلى الصرم ما أرى فآبى وتثنيني عليك الحفائظ
وانتظر العتبى وأغضى عن القذى ألاين طورًا أمره وأغالظ
وانتظر الإقبال بالود منكم وأصبر حتى أوجعتني المغايظ
وجربت ما يسلى المحب عن الصبا فأقصرت والتجريب للمرءِ واعظ
[ ٢٩١ ]
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر يعاتب حسين بن عبد الله، وكان له صديقًا له ثم تنكر ما بينهما:
إن ابن عمك وابن أمك معلم شاكي السلاح
لا تحسبن إذا ابن عم ك شرب ألبان اللقاح
بك كاشحًا تحت اللها ة إذا تسوغ بالقراح
بغض العدو وليس يرضى حين يبطش بالجراح
فانظر لنفسك من يجيب ك تحت أطراف الرماح
من لا يزال يسوءه بالغيب أن يلحاك لاح
وقال غيره:
وإذا غنيت علي بت كأنني بالليل مختلس الرقاد سليم
ولقد أردت الصبر عنك فعاقني علق بقلبي في هواك قديم
يبقى على حدث الزمن وريبه وعلى جفائك إنه لكريم
وقال الفرزدق:
أسجنًا وقيدًا واشتياقًا وغربة وفقد حبيب إن ذا لعظيم
وإن امرأ دامت مواثيق عهده على دون ما لاقيته لكريم
وقال الآخر:
أردت لكيما لا ترى لي عثرة ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل
[ ٢٩٢ ]
وقال عصام الزماني:
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة وفي العتاب حياة بين أقوام
أدخلت قلبي قومًا لم يكن لهم في الحق أن يدخلوا الأبواب قدامي
لوعد قبر وقبر كنت أكرمهم قبرا وأبعثهم من منزل الرامي
فقد جعلت إذا ما حاجتي نزلت بباب دارك أدلوها بأقوام
وقال بشر بن المغيرة بن المهلب:
جفاني الأمير والمغيرة قد جفا وأمسى يزيد لي قد ازور جانبه
وكلهم قد نال شبعًا لبطنه وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
فيا عم مهلًا واتخذني لنبوة تلم فإن الدهر حتم نوائبه
أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ومثلي لا تنبو عليك مضاربه
وقال الحسن:
إذا ما افترقنا فادر أن لست من ذكرى ولا تك في شك كأنك لا تدري
وصني على عمد بعلمك وانسني ولا ترع لي الإحسان يومًا من الدهر
كشفت خبيات الأمور وأدركت يدي فلتات الرأي في أول الأمر
عليك سلام لا يرد رعيته فإني لا أغضى لخل على غدر
وقال عبد الله بن أبي عيينة يعاتب ذا اليمينين:
أيا ذا اليمينين إن العتاب ليغرى صدورًا ويشفي صدورًا
وكنت أرى أن ترك العتا ب خير بأني لنفسي أرضى الحقيرا
[ ٢٩٣ ]
وأضمرت النفس في وهمها من الهم هما يكد الضميرا
ولا بد للماء في مرجل على النار موقدة أن تفورا
ومن أشرب اليأس كان الغني ومن أشرب الحرص كان الفقيرا
علام وفيم أرى طاعتي لديك ويضحى لك الدهر بورا
ألم أك بالمصر أدعو البعيد إلي ك وأدعو القريب العشيرا
ألم أك أول آت أتاك بطاعة من كان خلفي يسيرا
وألزم عذرك في ما قسط ال حروب عليها مقيما صبورا
ففيم تقدم حقا له إليك أمامي ادعاءًا أخيرا
كأنك لم تدر أن الفتى الحمي إذا زار يومًا أميرا
فقدم من دونه قلبه ألست تراه بسخط جديرا
أليس ترى أن سف الترا ب به كان أكرم من أن يزورا
ولست ضعيف المدى والهوى أكون الصبا أو أكون الدبورا
ولكن شهاب فإن ترم بي مهما تجد كوكبي مستنيرا
فهل لك في الإذن لي راضيًا فإني أرى الإذن غنمًا كبيرا
وكان لك الله فيما ابتغيت له من جهاد وليا نصيرا
ولا جعل الله في دولة سبقت إليها وربح فتورا
فإن ورائي لي مذهبا بعيدًا من الأرض قاعا وقورا
به الضب تحسبه بالفلا ة إذا خفق الآل فيها بعيرا
ومالًا ومصرًا على أهله يد الله من حائز أن يحورا
وإني لمن خير سكانه وأكثرهم بنفيري نفيرا
[ ٢٩٤ ]
وقالوا شدة الحجاب سبب العقاب. وكان يقال حاجب الرجل حارس عرضه. وقال الأمويين لقد رأيت قومًا يضربوننا بالسيوف، وما لنا إليهم ذنب إلا شدة الحجاب. وقال عتبة بن أبى سفيان: يا بني آمنة ليكن حجابكم أعقل الناس، فانه طالما شرعت في وجوهنا يوم صفين رماح قوم ليس لنا إليهم ذنب إلا ذل الحجاب.
وقال ابن المهلب لأخيه حين وجهه إلى خراسان: استغفل الحاجب واستطرف الكاتب.
وقال الأوزاعي: يهلك السلطان بالإعجاب والاحتجاب. قال الشاعر:
اعلم إن كنت تجهله أن وجه المرء حاجبه
فيه تبدو محاسنه وبه تبدو معايبه
وقال آخر:
إنا لقينا حجابًا منك أرمضنا فلا يكن ذلنا فيه لك الغرضا
في هذه الدار في الحجاب على هذا السرير العز فانقرضا
ابن الرومي:
وكم حاجب عضبان كاسر حاجب رمى الله منه ذلك الكسر بالكسر
فلو حجبوني من شريعة جدول صبرت ولكني حجبت عن البحر
[ ٢٩٥ ]
وقال علي بن بسام:
إني أتيتك زائرًا ومسلمًا ولكني أقوم ببعض حق الواجب
فإذا نبا بك حاجب متجهم فعمود بابك في حرام الحاجب
ومتى رأيتك راضيًا بفعاله فتمام بابك في حرام الصاحب
آخر:
أبا جعفر إن الولاية إن تكن منبلة قومًا فأنت لها نبل
فلا ترتفع عنا بشيءٍ وليته كما لم يصغر عندنا شأنك العزل
وقال آخر:
أبا جعفر عرج على خلطائكا وأقصر قليلًا عن مدى غلوائكا
فإن تك في ذا اليوم قد نلت رفعة فإن رجائي في غد كرجائكا
وكتب ابن أبي عيينة إلى صديق:
أتيتك زائرًا لقضاء حق فحال الستر دونك والحجاب
ولست بساقط في قدر قومٍ وإن كرهوا كما يقع الذباب
وقال آخر:
على باب ابن منصور علامات من النبل
جماعات وحسب الما ل نبلًا كثرة الأهل
[ ٢٩٦ ]
وقال:
أبيض وضاح يلوح نوره لندى يديه رفعت ستوره
وقال عمارة بن عقيل في خالد بن يزيد:
تأبى خلائق خالدٍ وفعاله ألا يخيب كل أمر عاتب
وإذا حضرنا الباب عند غدائه أمر الغداء لنا برغم الحاجب
فأمر له بألف دينار.
وقال ابن هرمة:
سمح إذا نزل الوفود ببابه سهل الحجاب مؤدب الخدام
وإذا رأيت صديقه وشقيقه لم تدر أيهما أخو الأرحام
وقال الحمداني في الحسين بن أيوب والي البصرة:
قل لابن أيوب قد أصبحت مأمولا لا زال بابك مغشيًا ومأهولا
إن كنت في عطلة. فالعذر متصل فصل إذا كنت بالسلطان موصولا
شر الأخلاء من ولى قفاه إذا كان المولى وأبدى البشر معزولا
[ ٢٩٧ ]
من لم يسمن جوادًا كان يركبه في الخصب قام به في الجدب مهزولا
افرغ لحاجتنا مادمت منشغلًا لو قد فرغت لقد ألفيت مبذولا
آخر:
فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما تناط بك الآمال ما اتصل الشغل
وتشاغل بعض الولاة عن صديق فاعتذر بشغله فقال له: لولا الشغل ما أتيتك.
وقال ذو الرياستين لثمامة بن اشرس ما أدري كيف أصنع في كثرة طلاب الحوائج، وغاشية الباب؟. قال: أنزل عن موضعك، على ألا يلقاك أحد. قال: صدقت. وقعد لهم.
وقال آخر:
إنما تحمد إذ تفرغ في حين اشتغالك
لو تفرغت من الشغل استوينا في المسالك
جاء إبراهيم بن المهدي إلى يحيى بن خالد فحجب عنه، فكتب إليه:
إني أتيتك للسلام ولم أنقل إليك لغيرة رجلي
فحجبت دونك مرتين وقد تشتد واحدة على مثلي
وقيل ليحيى بن خالد: غير حاجبك. قال: فمن يعرف إخواني القدماء؟.
وقال محمود الوراق:
وبني الملوك حصونهم فتحصنوا من كل طالب حاجة أو راغب
عالوا بأبواب الحديد لعزها وتتوقوا في فتح وجه الحاجب
[ ٢٩٨ ]
فإذا تلطف للدخول عليهم عاف تلقوه بوعد كاذب
واطلب إلى ملك الملوك ولا تكن بادي الضراعة طالبا من طالب
وجد في ميل بطريق مكة:
ألا يا طالب الدنيا دع الدنيا لشانيكا
إلى كم تطلب الدنيا وظل الميل يكفيكا
وقال أبو العنبس الصيمري في ابن المدبر:
وسل الذي عطف الأعن ة بالمواكب نحو بابك
وأراك تقبل مالكًا ما لم يكن لك في حسابك
وأذل من فعل الفري ر على وقوفي في رحابك
ألا تطيل تجرعي غصص المنية من حجابك
وقال آخر:
صحبتك إذ أنت لا تصحب وإذ أنت لا غيرك الموكب
وإذ أنت تفرح بالزائرين ومشيك أضعاف ما تركب
وإذ أنت تكثر ذم الزما ن ونفسك نفسك تستحجب
وقال:
ليس عتاب الناس للمرءِ نافعًا إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه
آخر:
فدع العتاب فرب شر هاج أوله العتاب
ويروى عن أوس بن حارثة أنه كان فيما قال لابنه: يا مالك العتاب قبل العقاب والمنية ولا الدنية.
[ ٢٩٩ ]
وقال بعض الوزراء لعامل قبيح الأثر عزله ثم أعاده إلى عمله إنا امتحناك فما طاب خبرك، ولا حسن أثرك، ولا ساعدك رجاء، ولا تبعك ثناء. ما نقصناك ثغرك ثم لا يتبع فيه نظر لا استقصاء معه، ثم أطافت الرعاية بك، وعطفت التقيا عليك، فاستأنفنا اصطناعك، ورددنا إليك عملك، فقابل الإنعام بأحسن شكرك، والنعمة بأوفر نصحك إن شاء الله.
وقال أبو الطبيب المتنبي يعاتب علي بن حمدان:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
يا من يعز علينا أن نفارقه وجداننا كل شيءٍ بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمة لو أن أمركم من أمرنا أمم
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة إن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكم ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شرفي أنا الثريا وذان الشيب والهرم
ليت الغمام الذي عندي صواعقه يزيلهن إلى من عنده الديم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا نفارقهم فالراحلون هم
[ ٣٠٠ ]
شر البلاد بلاد لا صديق بها وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
وشر ما قنصته راحتي قنص شهب البزاة سواء فيه والرخم
بأي لفظ تقول الشعر زعنفة تجوز عندك لا عرب ولا عجم
هذا عتابك إلا أنه مقة قد ضمن الدر إلا أنه كلم
وقال آخر في ترك العتاب:
فأقسم ما تركي عتابك عن قلبي ولكن لعلمي أنه غير نافعي
وإني إذا لم ألزم الصبر طائعًا فلا بد منه مكرهًا غير طائع
ولو أن ما يرضيك عندي ممثل لكنت لما يرضيك أول بائع
إذا أنت لم ينفعك إلا شفاعة ولا خير في ود يكون بشافع
وقال الفضل بن عتبة بن أبي لهب لبني العباس:
مهلًا بني عمنا عن نحت أثلتنا مهلًا بني عمنا مهلًا موالينا
الله يعلم أنا لا نحبكم ولا نحبكم إذ لا تحبونا
كل له نية في بغض صاحبه بنعمة الله نعنيكم وتعنونا
لا تحسبوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا
وقال آخر في الشناءة:
أطل حمل الشناءة لي وبغضي وعش ما عشت فانظر من تضير
فما بيديك خير أرتجيه وغيرك صدودك الخطب الكبير
[ ٣٠١ ]
ألم تر أن شعري سار عني وشعرك حول بيتك ما يسير
إذا أبصرتني أعرضت عني كأن الشمس من قبلي تدور
وقال:
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن كما طر أوتار الحراب على الشر
إذا ما رآني ظل كاسر عينه ولاحق بالبغضاء والنظر الشزر
آخر:
لقد زادني حبا لنفسي أنني بغيض إلى كل امرئٍ وغير طائل
وأني شقي باللئام ولن ترى شقيًا بهم إلا كريم الشمائل
وقال جميل:
إذا ما رأوني طالعًا من ثنية يقولون من هذا وقد عرفوني
آخر:
ولقد بدا لي أن قلبك ذاهل عني وقلبي لو بدا لك أذهل
كل تحامل وهو يخفى بغضه إن الكريم على القلى يتحمل
وقال بعض المولدين:
سأترك ما بيني وبينك واقعًا فإن عدت عدنا والإخاء سليم
ولو قد خبرت الناس حق اختبارهم رجعت إلى وصلي وأنت ذميم
[ ٣٠٢ ]