ومما يستجاد في ذلك قول أبي عبادة الوليد بن عبيد الله البحتري:
ولما وردنا سدة الأذن أخرت رجال عن الباب الذي أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذي مهابة أقابل بدر ألتم حين أقابله
إلى مسرف في الجود لو أن حاتمًا لديه، لأمسى حاتم وهو عاذله
بدا لي محمود السجية شمرت سراويله عنه وطالت حمائله
كما انتصب الرمح الرديني ثقفت أنابيبه للطعن واهتز عامله
وكالبدر وافته لقدرٍ سعوده وتم سناه واستهلت منازله
فسلمت واعتاقت جناني هيبة تنازعني القول الذي أنا قائله
فلما تأملت الطلاقة وانثنى إلي ببشر آنستني مخايله
ذنوت فقبلت الندى في يد امرئ جميل محياه سباط أنامله
صفت مثل ما تصفو المدام خلالة ورقت كما رق النسيم شمائله
[ ١١٥ ]
وقال ذو الرمة في بلال بن أبي بردة بن أبي موسى:
تقول عجوز مدرجة متروحًا على بيتها من عند أهلي وغاديا
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقلت لها: لا إن أهلي لجيرة لأكثبه الدهنا جميعًا وماليا
وما كنت مذ أبصرتني في خصومة أراجع فيها يا ابنة الخير قاضيا
ولكنني أقبلت من جانبي قسا أزور فتى نجدًا كريمًا يمانيا
من آل أبي موسى ترى القوم حوله كأنهم الكروان أبصرن بازيًا
مرمين من ليث عليه مهامة تفادى الأسود الغلب منه تفاديًا
فما يغربون الضحك إلا تبسمًا ولا ينبسون القول إلا تناجيا
لدى ملك يعلو الرجال بضوئه كما يبهر البدر النجوم السواريا
وما الفحش منه يرهبون ولا الخنا عليهم، ولكن هيبة هي ماهيا
لمستحكم جزل المروءة مؤمن من القوم لا يرضى الكلام اللواغيا
[ ١١٦ ]
في السن كهل العلم يسمع قوله يوازن أدناه الجبال الرواسيا
قوله مرمين: أي مطرقين، والغلب: الغلاظ الرقاب، واحدهم أغلب ويتفادى يتقى بعضها ببعض، وأغرب: أكثر من الضحك. ويقال ما نبس بكلمة أي ما تكلم بها. والتناجي: السرار.
وقال مهلهل بن ربيعة:
أنبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب المجلس
وتقاولوا في أمر كل عظيمة لو كنت حاضرهم بها لم ينبسوا
أبني ربيعة من يقوم مقامه أم من يرد على الصريخ ويحبس
وإذا تشاء رأيت وجهًا ناعمًا وذراع باكية عليها برنس
جزعًا عليك ولست لائم حرة تبكي عليك بعثرة وتنفس
ولقد شفيت النفس من سرواتهم والخيل تعثر في الدماء وتعبس
وتركت جساسًا ينوء بصعدة سمراء يقدمها سنان مدعس
أكليب لو حدثت كيف عقوبتي علمت عظامك إذ علاها المرمس
أن لست زيرًا حين ششت وقودها في الحرب يوم عنانها لا يسلس
قوله: (وذراع باكية عليها برنس) يعني أنهن كن نصارى، يلبسن البرانس. وزير النساء. أي يلزم مجالستهن.
[ ١١٧ ]
وقال آخر:
إذا بدر احتبى بالسيف دان له شوس الرجال خضوع الحرب الطالي
كأنما الطير منهم فوق هامهم لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال
وقال كثير:
شهدت ابن ليلى في مواطن قد خلت يزيد بهذا الحلم حلمًا حضورها
فلا هاجرات القول ينطقن عنده ولا كلمات النصح مقصى مشيرها
ترى القوم يخفون المواعظ عنده وينذرهم عود الكلام نذيرها
وإني لآتي فترة فمسلم وإن لم تكلم حفرة من يزورها
وقال الفرزدق: وقيل هي لداود بن سلم في قثم بن العباس. وقيل للفرزدق في علي بن
الحسين ﵉:
يغضي حياء ويغضي من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذاما جاء يستلم
وفي قثم بن العباس بن عبد المطلب يقول الأخطل:
ولقد غدوت على التجار بمسمح هرت عواذله هرير الأكلب
لذ تغلبه التعيم كأنما سحت ترائبه بماءٍ مذهب
لباس أردية الملوك تروقه من كل مرتقب عيون الربرب
خضل الكياس إذا تثنى لم تكن خلفًا مواعده كبرق الخلب
وإذا تعوورت الزجاجة لم يكن عند الشراب بفاحش متقطب
[ ١١٨ ]
قوله: لذ هو الرجل يشتهى اللذات. ويقال إن الأبيات الأولى للعين المنقري. وإنما سمى اللعين لأن عمر ﵁ كان في صلاة حتى دخل اللعين، فقال: ألقت مراسيها يدا الزمزام
فلما سلم قال: من هذا اللعين؟. فسمى بذلك.
وقال أشجع السلمي:
لا يصلح السلطان إلا شدة تغشى البريء بفضل ذنب المجرم
ومن الأنام مفخم لا يتقى والسيف تقطر شفرتاه من الدم
منعت مهابتك النفوس حديثها بالأمر تكرهه وإن لم تعلم
قال عبد الكريم: ولي أبيات من قصيدة ذكرت فيها الهيبة. وهي:
ومجلس موفور الجلالة تنثني عيون الورى عنه وينبو خطابها
ترى فيه رفع الطرف خفضًا كأنما لحاظ الرجال ريبة تسترابها
نثرت به غر المعاني كأنها قلائد در زان جيدًا سخابها
إذا حكتها ظلت نواسج عبقر حواسد مدسوسًا إلي عتابها
على ملك تهدى إلى مكرماته عقائل أشعار يرف شبابها
همام دعت كفاه قاصية العلا فلباه منها صفوها ولبابها
وكيف بها إلا عليه طريقها وأين بها إلا إليه ذهابها
إذا ورد المنصور أرضًا تهللت وجوه رباها واستهل ربابها
إذا اغبرت الآفاق بلت سماؤه ثراها بأيد ما يجف رغابها
[ ١١٩ ]
كان الغوادي الزرق عنه مضاؤها وخضر السحاب من نداه عيابها
فمن يوله سعدًا ينله ومن يرد به شقوة تخلع عليه ثيابها
يحل ثيابًا حلها البر والتقى ويخضر من بعد اصفرار جنابها
وما بلدة لم يأت بالطوع أهلها بآمنة إلا تدك هضابها
تحط بها الأسد الضواري خواضعًا لديك ولو أن الكواكب غابها
ولو أنها عاصتك غير مجيبة أجابتك من تحت السيوف رقابها
تهابك آفات الخطوب فتنتهي ولا تنتهي عن خطة فتهابها
رماحك أحناء الضلوع ثقافها وخيلك تامور النفوس شرابها
ترى كل نهد أعوجي حجوله كما محت الزرق العوالي حجابها
أعوجى منسوب إلى أعوج، كان لكندة فأخذته سليم في بعض أيامهم، ثم صار لبني هلال قال أبو عبيدة كان الوجيه والغراب والوفا بها تفتخر بما صار إليه منها.
قال الأصمعي: هما أعوجان، فالأكبر منهما لغنى، والأصغر لبني هلال، وذكر أن شبل هي أم أعوج. وأنها كانت لأعوج. وذو العقال لبني رياح. ومنها جلوى، وكانت لبنى ثعلبة بن يربوع. ومنها الحنفاء، وهي أخت داحس لأبيه وأمه، من ولد ذي العقال، ومنها الغبراء. كانت لقيس بن زهير، وهي خالة داحس، واخته لأبيه. وإذا قالوا بنات أعوج، فإنما يريدون الذكران من الخيل، وما لم يكن من الناس يقال للذكور منه بنات.
[ ١٢٠ ]