قال أبو عبيدة: كان الرجال من بني نمير إذا قيل له: ممن الرجال؟. فقال من بني نمير بن عامر كما ترى! فما هو إلا أن قال جرير:
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
صار الرجال من بني نمير إذا قيل له ممن أنت قال: من بني عامر. وكان الرجل من بني أنف الناقة إذا قيل له ممن الرجال قال: من بني قريع، ويأنف من بني أنف الناقة، فما هو إلا أن قال الحطيئة:
سيري أمام فإن الأكرمين حصًا والأطيبين إذا ما ينسبون أبا
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا
صار الرجل منهم إذا قيل له ممن أنت؟. قال: من بني أنف الناقة. واسم أنف الناقة جعفر بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
وقال جرير:
إذا جلست نساء بني نمير على تبراك خبثت الترابا
[ ١٧١ ]
تبراك: ماء لبنى نمير، وهي مسبة لا يكاد أحد يذكرها لمكان بيت جرير.
إذا قيل لأحدهم أين تنزل؟ قال: على ماء، ولم يقل تبراك. وتبارك ماء لبنى العنبر.
وكانت بنو فزارة تعاب بشعر القفا فيخزون من ذلك. قال الحارث بن ظالم المري وادعى في بني عامر بن قريش:
فما قومي بثعلبة بن سعد ولا بفزارة الشعرى الرقابا
وقومي إن سألت بني لؤي بمكة علموا الناس الضرابا
وكانت بنو فزارة تأنف من هذا الاسم حتى مدحهم مزرد به فقال:
منيح بين ثعلبة بن سعد وبين فزارة الشعرى الرقاب
فما قد كان بينهما بنكس لعمرك في الخطوب ولا بكاب
فصار ذلك مدحًا لهم كأنهم شبهوا بالأسود لمكان زبرة الأسد واكليله فرضوا بذلك. والعربي
إذا نفى من نسب إلى نسب غيره فيرضى معروف لم ينكر ذلك ورضى ومدحه وحسنه.
وكان حارثة بن بدر الغداني حول ديوانه إلى قريش، وترك قومه فقال خندف.
شهدت بأن حارثة بن بدر غداني اللهازم ولكلام
وسجحة في كتاب الله أولى به من حارث وابني هشام
سجحة يعني سجاح المتنبئه، وحارث وابنا هشام يعني بني مخزوم.
وكان رهط الزبرقان بن بدر يخلجون إلى كعب بن يشكر، فقال الزبرقان:
[ ١٧٢ ]
فإن أك من كعب بن سعد فإنني رضيت بهم من حي صدق ووالد
وإن يك من كعب بن يشكر منصبي فإن أبانا عامر ذو مجاسد
وكان الحطيئة ينمى إلى ذهل، فقال:
إن اليمامة خير ساكنها أهل القرية من بني ذهل
وقال مزرد لكعب بن زهير:
فلست كحسان الحسام بن ثابت ولست كشماخ ولا كمنخل
وأنت امرو من آل قدس وآرة أحلتك عبد الله أكناف مبهل
قال محمد بن سلام البصري: أخبرني بعض أهل العلم أن بني أبي سلمى عندهم بالبادية من بني عبد الله بن غطفان. ولم يثبت أحد ممن عزى إلى قبيلة غير آل أبي سلمى، فانهم ثبتوا في مزينة إلى يومهم هذا، فنماهم مزرد بن عبد الله ابن غطفان إلى مزينة بأن قدس وآره منازل مزينة، فثبت كعب نفسه أنه من مزينة. فقال كعب يجيب مزردًا:
[ ١٧٣ ]
أتعرف رسمًا بين رهمان فالرقم إلى ذي مراهيط كما خط بالقلم
عفته رياح الصيف بعدي بمورها وأندية الجوزاء بالوبل والديم
يقول فيها:
ألا أبلغا هذا المعرض أنه أيقظان قال القول أم قال أو حلم
أنا ابن الذي قد عاش تسعين حجة لم يخز يومًا في معد ولم يلم
وأكرمه الأكفاء من كل معشر كرام، فإن كذبتي فسل الأمم
أنا ابن الذي لم يخزني في حياته ولم أخزه حتى تغيب في الرجم
فأشبهته من بين من وطئ الحصى ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم
أعيرتني عزًا عزيزًا ومعشرا كرامًا بنوا للمجد في باذخ أشم
هم الأصل مني حيث كنت وإنني من المزنيين المصفين بالكرم
هم ضربوكم حين جرتم عن الهوى بأسيافهم حتى استقمتم على القيم
فساقتك منهم عصبة خندفية فلا لك فيها قيد كف ولا قدم
وهم منعوا حزن الحجاز وسهله قديمًا وهم أجلوا أباك عن الحرم
وكان أوس بن حجر الأسدي انتمى إلى طئ فعيرته امرأته فقال:
غضبت علي أني اتصلت بطيء وأنا امرؤ من طيء الأجبال
وإذا دعوت بني جديلة جاءني مرد علي جرد المتون طوال
[ ١٧٤ ]
وقال بشر بن مروان لزفر بن الحارث الكلابي: ما رأيت غلامًا قط يحوط من ليس منه ويضع من هو منه إلا أنت، فإنك رجل من كندة. فقال زفر:
فنحن بنو وهب كما قد زعمتم برئنا إليكم من كلاب ومن كعب
أنجعل أخلاقًا عليها عباؤنا ككندة ترديف المطارف والعصب
أولئك أهل المجد إن كنت فيهم وفي هؤلاء من سوقة سرف حسبي
فأما من وضعه الشعر من القبائل وقصر به حتى صار مثلا، وإن كان فيهم خير كثير، وشرف وفرسان فعاملة، وغنى، وعكل، وسلول، ومحارب وجشم، وتميم، والحبطات من عمرو بن تميم الذي قال فيهم الشاعر:
رأيت الخمر من شر المطايا كما الحبطات شر بني تميم
وروى أن الفرزدق بلغه أن رجلا من الحبطات خطب امرأة من بني دارم فقال:
بنو دارم أكفاؤهم آل مسمع وتخطب في أكفائها الحبطات
فقال رجل من الحبطات يجيبه:
أما كان عباد كفيا لدارم بلى ولأبيات بها الحجرات
عباد بن الحصين الحبطي. وكان شريفًا وابنه المسور. وقال الحسن: ما ظننت رجلا يعد بألف فارس حتى رأيت عبادا ليلة كابل. والحبط هو الحارث بن عمرو بن تميم. وقيل له الحبط لعظم بطنه. وكان عباد صاحب شرطة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي إذ كان على البصرة من قبل عبد الله بن الزبير.
[ ١٧٥ ]
قال الفرزدق
وقالوا لعباد أغثنا وقد رأوا شآبيب موت يقطر السم وابله
وما عند عباد لهم من كريهتي رواح إذا ما الشر عمت رواحله
أتحسب قلبي خارجًا من حجابه إذا دف عباد أرنت جلا جله
أفي قملي من كليب هجوته أبو جهضم تغلي علي مراجله
فقبلك ما أعييت كاسر عينه زيادًا، فلم تقدر علي حبائله
فأقسمت لا آتيه تسعين حجة ولو كسرت عين القباع وكاهله
أبو جهضم: عباد، وكانت بنو طيب استعانت به من هجاء الفرزدق، والقباع الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وكاسر عينه زياد بن أبي سفيان وكان أحول، فطلب الفرزدق، فأعجزه، وهرب من البصرة إلى الكوفة فطلبه بالكوفة فطلبه بالكوفة فهرب إلى المدينة، فاستجار بسعيد بن العاص، فلم يزل بالمدينة حتى مات زياد.
وقال رجل: ما رأيت رجلا بين يدي زياد، وزياد كاسر عينه جاعل رجله على ركبته إلا رحمت ذلك الرجل.
وقال آخر:
إذا تخادرت وما بي من خدر ثم كسرت العين من غير عور
ألفيتني آلو بعيد المستمر أحمل ما حملت من خير وشر
كالحية الرقشاء في أصل الحجر
[ ١٧٦ ]
هذه الأبيات للنعمان بن المنذر يقولها في خالد بن معاوية السعدي.
وأما باهلة بن أعصر، فاسمه منبه، وإنما أعصر بقوله:
قالت عميرة ما لرأسك بعدما فقد الشباب أتى بلون منكر
أعمير إن أباك غير رأسه مر الليالي واختلاف الأعصر
وأعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار.
قال زيد الخليل الطائي:
وخيبة من يخيب علي عني وباهلة بن أعصر والرباب
واسم غني بن أعصر عمرو، وكانت غني وباهلة توالى عامر بن صعصعة في الجاهلية بالحاجة إليهم في الاعتصار والانتصار بهم، وكانت بنو عامر تخمل عنهم النوائب والديات
وكذلك كانوا يشترطون عليهم في حلف الذل والقهر. فلذلك قال معاوية بن مالك معوذ الحكماء:
رأيت الصدع من كعب وكانت من الشنآن قد دعيت كعابا
سأحملها ونغفلها عني وأورث مجدها أبدًا كلابًا
تعوذ مثلها الحكماء بعدي إذا ما المرء في الأشياء نابا
وبهذا البيت سمي بمعوذ الحكماء. وذلك أن النعمان بن المنذر بعث لطيمة خفيرها قرة بن هبيرة القشيري في السنة التي هرب فيها النعمان من كسرى فاحتوى عليها، فقالت بنو عقيل بن كعب إن هذا للملك، فأعطونا منه بعضه، فأبت بنو قشير فاقتتلوا ووقعت بينهم دماء، فتراضوا بأحد بني أم
[ ١٧٧ ]
البنين عامر أو طفيل ابني مالك، فأتوهما وهما غازيان، ووجدوا معاوية، فقال: ما طلبتكم، فأما أن أفصل وإما أن أحمل، فتحاكموا إليه، فحكم بينهم ثم حمل عنهم. وقال:
سأحملها ونغفلها عني
وقال الأخطل:
شفى النفس قتلى من سليم وعامر ولم يشفها قتلى غني ولا جسر
ولا جشم شر القبائل إنها كبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر
ولو تبتنى ذبيان بلت رماحنا لقرت بهم عيني وباء بهم وتري
وتنافر عيينة بن حصن، وزبان بن سيار، فقال عيينة: أنا عيينة، فقال زبان: أنا زبان. قال عيينة: أنا ابن حصن. قال زبان: أنا ابن سيار قال عيينة: أنا ابن حذيفة، قال زبان: أنا ابن أبي عمرو. قال عيينة: أنا ابن بدر. قال زبان: أنا ابن جابر. قال عيينة: أنا ابن الجون. . فلما انتسب في كندة، ورغب عن نسبه في فزارة قال زبان:
قرعت المجد في غطفان حتى تفاخرنا بزينة بنت بدر
يقال إن أم بدر كانت عند الجون الكندي فحملت ببدر وخلف عليها عمرو ابن جونة بن لوذان، فولدت له بدرا على فراشه، فقال حاتم بن عبد الله لحصن بن حذيفة حين جاروه زمن النسار:
فإن أباك الجون لم يك غادرًا ولا من بني بدر أبيك الغوائل
وقال الفرزدق لجرير:
[ ١٧٨ ]
وما استشهد الأقوام من روح حرة من الناس إلا منك أو من محارب
أي يأخذون عليه العهد أنه ليس من كليب ولا من محارب. ومحارب كليب ابن يربوع. ومحارب بن خصفة بن قيس عيلان. وإياهم أراد، ومحارب أيضًا ابن فهر بن مالك بن النضر، ومحارب بن عمرو بن وديعة بن عبد القيس.
وممن حالف على لؤم الحلف جسر بن محارب، حالفت بني أمر بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، ثم قال في آل فارس الضحياء، وهو عمرو بن عامر جد خداش ابن زهير الشاعر على اللؤم والذلة. وخداش بن زهير الذي يقول:
يا راكبًا إما عرضت فبلغن عقيلًا وأبلغ إن لقيت أبا بكر
فيا أخوينا من أبينا وأمنا إليكم لا سبيل إلى جسر
دعوا جانبي إني ساترك جانبًا لكم واسعًا بين اليمامة والفهر
أغركم من قومكم عدد الحصى وأن الفضول في رواس وفي وبر
أبي فارس الضحياء عمرو بن عامر أبي الذم واختار الوفاء على الغدر
عقيل بن كعب وأبو بكر بن كلاب، وبنو كلاب عشرة أبطن: عبد الله بن كلاب، وأبو بكر اسمه عبيد، وعمرو بن كلاب، ورؤاس بن كلاب، والوحيد وكعب ووبر. هؤلاء سبعة أمهم سبيعة بنت سلول. وجعفر بن كلاب وربيعة بن كلاب والضباب وهم ولد عمرو بن معاوية بن كلاب، وأم هؤلاء الثلاثة ذؤيبة بنت عمرو بن سلول.
وعمرو بن عامر فارس الضيحاء أبو أم البنين التي يعنى لبيد بقوله:
نحن بنو أم البنين الأربعة
[ ١٧٩ ]
وكانت تحت مالك بن جعفر فولدت له عامر بن مالك أبا براء، وطفيل بن مالك، ومعاوية بن مالك، وربيعة بن مالك أبا الوليد.
قدم عمرو بن معدي كرب على رسول الله (ﷺ) فقال: حياك إلهك. أبيت اللعن. فقال رسول الله (ﷺ). إن لعنة الله وملائكته والناس أجمعين على الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فآمن بالله واليوم الآخر يؤمنك من الفزع الأكبر. فقال عمرو: ما الفزع؟، فإني لا أفزع. فقال رسول الله (ﷺ): يا عمرو إنه فزع
ليس كما ظننت. أو تظن أنه يصاح بالناس صحية لا يبقى حي إلا مات إلا ما شاء الله من ذلك. ثم يصاح بالناس صحية لا يبقى حي إلا مات إلا ما شاء الله من ذلك. ثم يصاح بالناس صحية لا يبقى ميت إلا نشر، ثم تلك الصحيحة تدوي تنهد منها الأرض وتخر منها الجبال، وتنشق منها السماء في عرضها انشقاق القباطي الجديدة إلا ما شاء الله من ذلك، ثم تبرز النار فينظر الناس إليها حمراء مظلمة فيطار لها لسان في السماء يرمى بمثل رءوس الجبال من شرر، لا يبقى ذو روح إلا أنخلع قلبه. فأين أنت من ذلك يا عمرو؟. قال: لا إني أسمع أمرًا عظيمًا.
قال رسول الله (ﷺ): يا عمرو أسلم تسلم. فأسلم وبايع قومه على الإسلام، وذلك في شهر رجب من سنة تسع، فما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وعظم عليه، فقال عمرو في ذلك:
أمرتك يوم ذي صنعا ء أمرًا بينًا رشده
أمرتك باتقاء الله والمعروف تتعده
خرجت من المنا مثل الحمير عزه وتده
عناني على فرس عليه جالسًا أسده
يرد الرمح شبا الـ ـسنان عوائرًا قصده
فلولا فتنتي لا قيت ليثًا فوقه لبده
[ ١٨٠ ]
يسامى القرن إن قرن تيممه فيعتضده
فيأخذه فيرفعه فيخفضه فيتقتصده
فيدمغه فيحطمه فيمضغه فيزدرده
فأقام عمرو في قومه بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك، فلما توفي رسول الله (ﷺ) ارتد عمرو. وقال حين ارتد:
وجدنا ملك فروة شر ملك حمارًا ساف منخره بثفر
وكنت إذا رأيت أبا عمير أرى الخيلاء من خبث وغدر
ثم أسلم بعد ذلك وغزا القادسية، فأبلى ومعه قيس بن مكشوح، وشهد مع النعمان بن مقرن فتح نهاوند فقتل هناك.
ووفد عمرو بعد فتح القادسية على عمر فسأله عن سعد فقال خير أمير بطئ في حبوته عربي في نمرته أسد في تامورته أو ناموسته، يعدل في القضية، ويقسم بالسوية، وينتقل إلينا حقنا كما تنقل الذرة حبوة من حباية الخراج. يقال حيث المال والماء حبوة، وهو حسن الحبيبة. والحبوة للخراج. والنمرة: بردة من صوف يلبسها الأعراب والإماء. وجمعها نمار، والنامورة عريسة الأسد وعرينه والنامورة الصومعة. والنامور علقة القلب، والناموسة مكمن الصائد شبه به موضع الأسد.
ومن مختار شعر عمرو بن معدى كرب:
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع
[ ١٨١ ]
ينادي من يراقش أو معين فأسمع واتلأب بنا مليع
وقد جاوزن من غمدان أرضا لأبوال البغال بها وقيع
ورب محرش في جنب سلمى يصل بعيبها عندي شفيع
كان الإثمد الحاري منها يسف بحيث تبتدر الدموع
وأبكار تموث بهن حينًا نواعم في أسرتها الرجوع
أمشي حولها وأطوف فيها وتعجبني المحاجر والفروع
إذا يضحكن أو يبسمن يومًا ترى بردًا ألح به الصقيع
كأن على عوارضهن راحًا يفض عليه رمان ينبع
تراها الدهر مقترة كباء وتقدح وتقدح صفحة فيها نقيع
وصبغ ثيابها من زعفران بجيدتها كما احمر الجيع
وقد عجبت أمامة أن رأتني تفرع لمتي شيب فظيع
أشاب الرأس أيام طوال وهم ما تبلعه الضلوع
وإسناد الأسنة نحو صدري وهز المشرفية والوقوع
[ ١٨٢ ]
وسوق كتيبة دلفت لأخرى كأن زهاءها رأس صليع
دنت واستأخر الأوغال عنها وخلي بينهم إلا الوزيع
وخيل قد دلف لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع
فدى لهم معًا عمي وخالي وشرخ شبابهم إن لم يضيعوا
فإن تنب النوائب آل عصم ترى حكماتهم فيها رفوع
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
وصلة بالزماع فكل أمر سما لك أو سموت له ولوع
وكم من غائط من دون سلمى قليل الأنس ليس به كتيع
ترى السرحان مفترشا يديه كأن بياض لبته الصديع
وأرض قد قطعت بها الموامي من الجنان سوبخها مليع
ترى جيف المطي بجانبيه كأن عظامها الرخم الوقوع
قوله: ترى حكماتهم فيها رفوع. يقال إنه لمرتفع الحكمة عن هذا الأمر إذا لم ينله: وكان الصمة سبى ريحانة بنت معدى كرب فاتبعه عمرو وهي تناديه بأعلى صوتها، فلم يقدر على استعادتها فقال:
أمن ريحانة الداعي السميع. . . القصيدة المذكورة.
كتب رجل على بابه: لا يدخل هذا المنزل شر، فقال له ديوجانس: فمن أي باب تدخل امرأتك؟. وقيل لرجل: أنت وسيم وتزوجت امرأة دميمة فقال: اخترت من الشر أقله. وقيل لسقراط: أي السباع أحسن؟. قال: المرأة.
ورأى آخر جارية تتعلم الكتابة فقال: يا معلم لا تزد الشر شرًا، ورأى امرأة تحمل نارًا فقال: نار على نار والشر بالشر يهلك، وحامل شر محمول.
[ ١٨٣ ]
ورأى امرأة حملها السيل فقال: زاد بها على كدره كدرا. ورأى جارية حسناء فقال: خير قليل وشر كثير. ورأى امرأة تتعلم الكتابة فقال: سهم يستم ليرمى به يومًا ما. ورأى عجوزًا متزينة فقال لها: إن كنت تهيأت للأحياء فأنت مخادعة، وإن كنت تهيأت للموتى فبادري.
وكان الحارث بن تولب العكلي سيدًا، فأغار على بني أسد فسبى منهم امرأة يقال لها حمرة بنت نوفل، فوهبها لأخيه النمر بن تولب فتركته فحسبها حتى استقرت وولدت له أولادا ثم قالت أزرني أهلي. فقال لها: إني أخاف إن صرت إلى قومك أن تغلبيني على نفسي فواثقته لترجعن إليه، فخرج بها في شهر حرام حتى أقدمها بلاد بني أسد، فلما أطل على الحي، تركته واقفا وانصرفت إلى منزل بعلها الأول، فمكث طويلا، فلم ترجع إليه، فعرف ما صنعت، فانصرف وقال:
جزى الله عنا حمرة بنت نوفل جزاء معل بالأمانة كاذب
بما سألت عني الوشاة ليكذبوا علي وقد أبليتها في النوائب
تداركها مني بدو كأنها لدى النجم نيطت عنده بالذوائب
فقصدت كأن الشمس تحت قناعها بدا حاجب منها وصدت بحاجب
يعني أنها أعرضت. عنه: وقال فيها أيضًا:
وكل خليل عليه الرغاب والجبلات كذوب ملق
وقامت إلي فأحلفتها بهدي قلائده تختفق
بان لا أخونك فيما وليت فإن الخيانة شر خلق
ولكنني امرأة إِن نأيت فرفدي البكا وعطائي الشرق
[ ١٨٤ ]
والبيت الأول من هذه الأبيات يجب أن يكون في آخرها. وكذلك الرواية. ثم حج عامًا من الأعوام فنزل بمنى، ونزلت مع بعلها قريبًا منه، فعرفته، فأرسلت إليه بالسلام وسألته عن حاله وماله، فقال محييًا لها:
ودست رسولًا والركاب مناخة بأن حيهم واسألهم ما تمولوا
فحييت عن شحط بخير حديثنا ولا يأمن الأيام إلا مضلل
ثم بلغه بعد ذلك موت حمرة فقال:
ألم تر أن حمرة جاء منها بيان الحق إن صدق الكلام
نعاها بالندي لنا حرام حديث ما تحدث يا حرام
فلا تبعد وقد بعدت فأجدى على قبر تضمنها الغمام
وقال النمر بن تولب في أخيه الحارث:
فو الله ما أسقى الديار لحبها ولكمنا أسقيك حار بن تولب
ومثل هذا المعنى لبعضهم يرثي امرأته:
سقى جدثًا تضمن أم عمرو بنخلة ما استهل من الغمام
وما للأرض أستسقي ولكن لأصداءٍ أقمن بها وهام
وقال القطامي يهجو محارب:
تقول وقد قربت كوري وناقتي إليك فلا تذعر علي ركابي
فجنت جنونًا من دلات منيخة ومن رجل عاري الأشاجع شاحب
[ ١٨٥ ]
سرى في جليد الليل حتى كأنما تخرم بالأطراف شوك العقارب
فسلمت والتسليم ليس يسرها ولكنه حق على كل جانب
فردت سلامًا كارها ثم أعرضت كما انحازت الأفعى مخافة ضارب
فقلت لها لا تفعلي ذا براكب أتاك مصيب ما أصاب فذاهب
ولما تنازعت الحديث سألتها من الحي قالت معشر من محارب
من المشتوين القد ممن تراهم جياعًا وريف الناس ليس بناضب
ولما بدا حرمانها الضيف لم يكن علي مناخ السوء ضربة لازب
وقال بعضهم يهجو بلال المحاربي:
يقولون آتينا البعير وماله سنام ولا في ذروة المجد غارب
أرادت وذا كم من سفاهة رأيها لأهجوها لما هجتني محارب
معاذ إلهي إنني لعشيرتي ونفسي عن ذاك المقام لراغب
وأنشد المبرد لرجل من عبد القيس يهجو باهلة:
أباهل ينبحني كلبكم وأسدكم لكلاب العرب
ولو قيل للكلب يا باهلي عوى الكلب من لؤم هذا النسب
وأنشد:
سل الله ذا المن من فضله ولا تسألن أبا وائله
فما سأل الله عبد فخاب ولو كان من لؤم هذا النسب
هذا على أن لباهلة في الإسلام شرفًا باذجًا، ومنهم رجال لهم صيت، وفيهم كرم ومروءة ودين ورياسة. ومنهم أبو أمامة الباهلي صاحب رسول الله (ﷺ)، ومنهم المستورد بن قدامة الشاهد على نسب زياد ومنهم
[ ١٨٦ ]
جنان بن زيد الذي قال له أبو موسى الأشعري: إن باهلة كانت كراعا فجعلتها ذراعا. قال: ألا أخبرك بألأم من باهلة؟. عك وأخلاطها من الأشعريين. فقال له أبو موسى: يا ساب أميره. ومنهم حاتم بن النعمان سيد عصره، وهو الذي افتتح هراة، وابنه عبد العزيز أصم باهلة، وكان على حرب قيس أيام بني تغلب.
ومنهم سلم بن عمرو بن حصين الباهلي وابنه قتيبة بن مسلم صاحب خرسان، وابنه سلم بن قتيبة، وإليهم ينتهي شرف باهلة. وكان سلم بن عمرو أخص الناس بيزيد، ويكنى أبا صالح، وهو رب الحرون. كان إذا سبق الخيل في بعض الحلبة جرت حتى تلحقه ثم يجرى فيسبقها، فسمي الحرون.
وقال الشاعر يفخر بهم:
إذا ما قريش خلا ملكها فإن الخلافة في باهله
لرب الحرون أبي صالح وما تلك بالسنة العادلة
وكان سعيد بن سلم شريفًا مقدمًا عند السلطان، وكان صالحًا ورعًا يتصدق في أول السنة التي تستقبل بعشرة آلاف درهم ويعتق نسمة. وقال له الرشيد من أي بيت قيس. فقال: في الجاهلية فزارة، قال: فمن في الإسلام؟ قال: الشريف من شرفتموه قال قال لعمرك أنت وقومك.
قال أبو عبيدة: كان عمرو بن يربوع الباهلي أول من ربع قيسًا. وبلغني أن قيسًا لم تجتمع على أحد غيره.
قال المبرد: حدثني رجل من أهل مكة قال: رأيت سعيد بن سلم في المنام في هيبته في حياته وفي نعمته وكثرة عدد ولده وحسن مذهبه فقلت في نفسي: ما أجل ما أعطيه!. فقال لي والدي: أعد الله له في الآخرة أكثر. ومع تمام مروءته وكماله وموضعه من السلطان كانت الشعراء لا تتهيبه
[ ١٨٧ ]
وتسرع إليه بالهجاء. قال سعيد بن سلم: عرض لي أعرابي فمدحني فبالغ فقال:
ألا قل لساري الليل لا تخش ضلة سعيد بن سلم ضوء كل بلاد
لنا سيد أربى على كل سيد جواد حثا في وجه كل جواد
فتأخر عنه بره قليلا فقال:
لكل أخي مدح ثواب علمته وليس لمدح الباهلي ثواب
مدحت ابن سلم والمديح مهزة فكان كصفوان عليه تراب
وقال قتيبة بن مسلم الهبيرة بن مشموخ الكلابي: أي رجل أنت؟، لو كان أخوالك غير سلول!. فبادل بهم. قال: أيها الأمير بادل بهم من شئت وجنبني عبسًا وباهله.
قال أبو قلابة الجرمي: حججنا مع أبي جزء عمرو بن سعيد بن سلم. قال: وكلنا في داره وهو إذ ذاك بهي وصبي، فجلسنا في المسجد الحرام إلى قوم من بلحارث بن كعب لم أر أفصح منهم، فلما رأوا هيبة أبي جزء وإعظامنا إياه، قال قائل منهم: أمن أهل بيت الخليفة أنت؟. قال: لا، ولكني رجل من العرب. قال: ممن؟. قال: رجل من مضر قال: أعرض ثوب الملبس. من أيها عافاك الله؟.
قال: من قيس. قال: أين يراد بك؟ صر إلى فصيلتك التي تؤويك. قال رجل من بني سعد بن قيس: اللهم عفوا. قال: من أيها عافاك الله؟ قال: من بني يعصر. قال: من أيها؟ قال: من باهلة. قال: ثم عنا. قال أبو قلابة: فأقبلت على الحارثي فقلت: أتدري من هذا؟. قال: ذكر أنه باهلي. قلت: نعم. هذا أمير بن أمير بن أمير هذا عم وأمير ابن سعد أمير بن سلم أمير بن قتيبة أمير. فقال الحارثي: الخليفة أعظم أم الأمير؟. قلت: الخليفة. قال: والله لو عددت له في الخلافة أضعاف ما عددت له في الأمارة لما كان باهليا ما عدا الله قريشا. قال: فكادت نفس أبي جزء تخرج، فقلت له: أنهض بنا، فهو لأشر الناس أحياء.
[ ١٨٨ ]
وركب هارون الرشيد يوما على حماره، وعاد سعيد بن سلم، فدعا بمحمد الراوية المعروف بالسدي، وكان أملح الناس إنشادا، فقال له الرشيد: أنشدني قصيدة الجرجاني التي يقول فيها:
لا تبعد الأيام إذ ورق الصبا خضر وإذ غصن الشباب نضير
فأنشده، فقال: الشعر اليوم في ربيعة. فأنشده، فقال سعيد: استنشده يا أمير المؤمنين قصيدة أشجع السلمي. قال: الشعر في ربيعة سائر اليوم، فلم يزل سعيد يستنشده حتى أنشده محمد البيدق:
وعلى عدوك يا ابن عم محمد رصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذا تنبه رعته وإذا غفا سلت عليه سيوفك الأحلام
فقال الرشيد: لو خرس بعد هذا لكان أشعر الناس.
أخذ قوله هذا من قول الأخطل، وقد توعده الجحاف بن حكيم، فحم، فقال له عبد الملك: خفف عليك، فأنا أجيرك منه. قال: يا أمير المؤمنين! هبك أجرتني منه في اليقظة، فمن يجيرني منه في النوم؟
قال الجاحظ: قال سعيد بن سلم: كنت واليا بأرمينية، فعبر أبو دهمان العلائي على بابي أيامًا، فلما وصل مثل قدامى بين السماطين وقال: والله إني لأعرف أقوامًا لو عملوا أن سف التراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم إيثارًا للتنزه عن عيش دقيق الحواشي. أما والله إني لبعيد الوثبة بطيء العطفة إنه والله ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفك عني، ولأن أكون مقلا مقربًا أحب إلى من أن أكون مكثرًا معبدًا، والله ما نمتثل عملا إلا ونضبطه ولا مالا إلا ونحن أكبر منه. إن هذا الأمر الذي صار في يديك قد كان في يد غيرك، فأمسوا والله حديثًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فتحبب إلى عباد الله بحس البشر وابن الجحاف فان خلفه أمناؤه عبيدة ورقباؤه على من أعوج سبيله.
[ ١٨٩ ]
وقال طفيل الغنوي:
وخيبة من يخيب على غني وباهلة بن أعصر والركاب
المعنى أن من غزا فخاب كر على غني وباهلة فغنم، لأنهم لا يمتنعون على من أرادهم بمنزلة الركاب لا امتناع بها.
وقال آخر: من صار في يده أسير من غني أو باهلة فقد خاب، وإنما الغانم من أسر من قشير، ومن كلاب. قال طفيل:
سمونا بالجياد إلى الأعادي معاورة بجد واعتصاب
نومهم على هول وبعد بقود يطلعن من النقاب
بمشعلة تخال الشمس فيها بعيد طلوعها تحت الحجاب
ترى فيها المذاكي منعلات مجنبة تخب مع الركاب
عليها كل أشمط جزل حرب وكل أشق مقتبل الشباب
طوال الساعدين يهز لدنا يلوح سنانه مثل الشهاب
فقتلنا سراتهم جهارًا وأبنا بالنساء وبالنهاب
سبايا طيء من كل حي نمى في الفرع منها والنصاب
وما كانت بناتهم سباءً ولا رغبًا يعد مع الرغاب
وكانوا بين معتفر قتيل وبين مكلب طوع الخباب
[ ١٩٠ ]
وما كانت دماؤهم وفاءً لنا فيما يعد من العقاب
وقال شاعر لبشر بن مروان:
يا بشر يا ابن العامرية ما خلق الإله يديك للبخل
جاءت به عجر مقابله ما هن من جرم ولا عكل
وقال شاعر من باهلة:
يبيت عكلًا وحمانا يفاخرني واللؤم أكرم من عكل وحمان
ما ذاقت المجد حمان ولا فزعت عكل وتيم عدي باب سلطان
وما البراجم إلا حيض عاهرة ولا طهية إلا فن أفنان
وكانت غني حلفاء بني جعفر، وأحسنوا إليهم، فقال في ذلك طفيل الغنوي:
جزى الله خيرًا جعفرًا حين أزلقت بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقى الذي لاقوه منا لملت
[ ١٩١ ]
وقتل رجل من غني ابنًا لعروة الرجال فخافت غني بني جعفر فتحملوا ونزلوا على بني أبي بكر بن كلاب وأبت بنو جعفر إلا أن يقتلوا منهم عقلاء دون عشرة من غني بصاحبهم، فقال طفيل:
بني جعفر لا تكفروا حسن سعينا وأثنوا بخير القول في كل محفل
ولا تكفروا في النائبات بلاءنا إذا مسكم منه العدو بكلكل
فنحن منعنا يوم جرش نساءكم غداة دعانا عامر غير مؤثل
رددنا السبايا من نفيل وجعفر وهن حبالي من مخف ومثقل
واستهانت العرب بعكل وتيم، لما كان يقع عليهم في الجاهلية من السبي وكان سباهم بعض التبابعة فنقلهم من نجد إلى سبأ فغزا الأضبط بن قريع والنمر ابن مرة بن حبان فاستنفذهم فكانت تميم تأكلهم وتعيرهم بأنهم كانوا عبيدًا. فقال جرير لابن لجأ:
لم تشكروا نمرا إذ فككم نمر ولا القريع من الحي اليمانينا
وهذه قبائل وضع منها الهجاء مع ما أعانه ما نالهم من السبي وسوء الخلف أعنى بأهلة وأخاه غنيًا وعكلا والتيم ومحارب، ولم ينجح الهجاء في غيرهم من قبائل العرب لما بهر مجدهم وسناؤهم، وغلب شرفهم، وعزهم. على أن فيهم مع ذلك شرفا سنذكره.
قال أبو زياد الكلابي وغيره في عكل على كثرة ما وضعوا منهم، فيهم: شعر وفصاحة
وخيل معروفة الأنساب في الجاهلية والإسلام.
وقال يونس بن حبيب: إن عكلا أحسن الناس وجوهًا في غب حرب.
[ ١٩٢ ]
أغارت بنو عامر بن صعصعة على بني سعد، فأسروا وسبوا، وكان فيمن أسروا بدر وحذيفة ابنا خلف البهدليان، ابو الزبرقان بن بدر وعمه فادركتهم عكل، فاستمفذوهم، فقال النمر بن تولب العكلي في ذلك:
أيا راكبًا إما عرضت فبلغن بني خلف ولا تقيلن من بدر
فنحن نقبنا عن حرام ورهطه بتولان ريعان المسومة والسفر
فوارس من آل الوحيد وجعفر وآل نفيل يدعى وأبي بكر
فذلك من آلائنا وبلائنا إليكم ولكن لا سبيل إلى شكر
ولغني بمثل الذي فعلته عكل كثير.
أغار عنترة في ناس من بني عبس على الأغيار حي من محارب بن خصفة، فجاء الخبر غنيًا، فركبوا فاستنقذوهم من بني عبس.
وأغارت غني على طيء الجبليين فنكبوا فيهم وأثخنوا، وفارسهم شيطان بن الحكم. فلما انهزم القوم قال شيطان: من أخذ شعرة من ذنب الحذواء فرس شيطان بن الحكم، والحذواء التي في أذنيها استرخاء.
وهذه وقعة انتصفت فيها غني من طيء بغارتهم عليهم يوم محجر. ولذلك قال طفيل:
فذوقوا كما ذقتم غداة محجر من الغيظ في أكبادنا والتحوب
[ ١٩٣ ]
قال رجل من تميم يمدح رجلا من عكل:
خليلي الفتى العكلي لم أر مثله تحلب كفاه الندى، سابغ القدر
كأن سهيلًا حين أوقد ناره بعلياء لا تخفى على أحد يسري
وقال النجاشي يمدح هند بن عاصم السلولي، وكان اجتاز به حين ضربه علي بن أبي طالب ﵁ في النبيذ، وشرب في شهر رمضان فجعله الحد، وزاده عشرين لحرمة الشهر وإقامة للناس في مسح شعر، فألقى عليه هند كساء خز أرجوان.
إذا الله حيى صالحًا من عباده كريمًا فحيى الله هند بن عاصم
وكل سلولي إذا ما لقيته سريع إلى داعي العلا والمكارم
هما البيض ألوانًا وديباج أوجه كرام إذا ما رثت وجوه الألائم
وقال أبو زياد الكلابي أما أن سلول كرام من كرام تحالفوا ولم يدخلوا في صغار. وإنما كلمه عامر بن الطفيل التي حدثت هي التي سامتهم وهي قوله: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية.
وأكرم العرب في أنفسها يشتد تخوفها من الهجاء، وتنفى أن يبقى ذكر ذلك في الأعقاب. وكانوا إذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق لا يهجوهم، وربما شدوا لسانه كما فعل بنو تميم يوم الكلاب بعبد يغوث، فسألهم أن
[ ١٩٤ ]
يطلقوا من لسانه لينوح على نفسه، فقال:
أقول وقد شدوا لساني بنسعة أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا
وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم تر قبلي أسيرًا يمانيا
كأني لم أركب جوادًا ولم أقل لخيلي كرى كرة عن رجاليا
فيا راكبًا إما عرضت فبلغن ندامأي من نجران ألا تلاقيا
أبا كرب والأيهمين كليهما وقيسًا بأعلى حضر موت اليمانيا
[ ١٩٥ ]