قالوا: لا ينبغي لعاقل أن يتعرض لشاعر، فربما كلمة جرت على لسانه فصارت مثلا آخر الأبد، كالذي قال للأقيشر الأسدي: يا أقيشر - وكان يغضب من ذلك فنظر إليه طويلا، وكان الرجل من بني عبس فقال:
أتدعوني الأقيشر ذلك أسمى وأدعوك ابن مطفئة السراج
تناجي خدنها بالليل سرا ورب الناس يعرف من تناجي
فسمي ذلك الرجل ابن مطفئة السراج، ويعرف به ولده إلى اليوم.
ومر الأقيشر بمطر بن ناحية اليربوعي حين غلب على الكوفة أيام الضحاك الشاري، ومطر على منبر الكوفة يخطب فقال:
ابني تميم ما لمنبر ملككم لا مستقر قعوده يتمرمر
إن المنابر أنكرت أشباهكم فادعوا خزيمة يستقر المنبر
خلعوا أمير المؤمنين وبايعوا مطرًا لعمرك بيعة لا تظفر
واستخلفوا مطرًا وكان كقائل حلف لعمرك من يزيد أعور
فبلغ جرير بن الخطفي قول الأقيشر رجلا فقال: إني جئت لأهجو قومك وتهجو قومي قال: ممن أنت؟ قال: من تميم. فقال الأقيشر:
[ ١٩٧ ]
لا أسدًا أسب ولا تميما وكيف يحل سب الأكرمينا
ولكن التفاوض حل بيني وبينك يا ابن مضطربة العجينا
فسمي الرجل بذلك:
ومر الأقيشر بمجلس من بني فزارة، فقال صبيانهم: ذهب الأقيشر فلما أصبح دعا بدواة ولوح، واستأذنت عليه بنو فزارة، فدخلوا عليه فقالوا إنه قد بلغنا ما كان من سفهائنا، فهب لنا ذلك. قال: قد فعلت، ولكني قد قلت بيتا فاسمعوه: قالوا: وما هو؟. قال:
ذهب القبائل بالمكارم والعلا وبنو فزارة يلعبون الكبكبا
وهي لعبة للصبيان يركب بعضهم بعضا.
وكان يقال لعمرو بن سعيد بن العاص لطيم الشيطان، ولمروان بن الحكم حبط باطل.
قال الشاعر يذكر قتل عمرو بن سعيد:
كأن بني مروان إذ يقتلونه بغاث من الطير اجتمعن على صقر
غدرتم بعمرو يا بني حبط باطل وأنتم ذوو قربى به وذوو صهر
فرحنا وراح الشامتون عشية كأن على أكتافنا فلق الصخر
لحا الله دنيًا يدخل النار أهلها ويهتك ما دون المحارم من ستر
[ ١٩٨ ]
وعبد الملك بن مروان أول من قال: الملك عظيم، فصارت مثلا، ولعمرو يقول عبد الملك: أمكر وأنت في الحديد. وكان عمرو مكبلا: فقال له: إن رأيت ألا تفضحني بأن تخرجني إلى الناس فتقتلني بحضرتهم. ففطن له ما قال، فصارت مثلا لمن أراد يمكر وهو مقهور.
وهجا الفرزدق عنبسة الفيل، وذلك أنه كان يفضل جريرا على الفرزدق ويروى قصائده، فقيل للفرزدق: هاهنا رجل يعيب شعرك، ويروي قصائد جرير فيك، ويفضله عليك. قال: من هو؟ قالوا: عنبسة بن معدان من مهرة
قال: أهو من أهل البصرة، ولديه منزل؟. قالوا نعم. قال: ويحكم! رجل من مهرة له منزل بالبصرة لا أعرفه إن هذا لعجب!. أروني داره. فأروه داره، فقال هذه دار معدان الفيل، فمتى كان هذا من مهرة هذا قدم أبوه البصرة أيام عبد الله بن عامر فأثرى. وأنشأ يقول:
لقد كان في معدان والفيل راجز لعنبسة الراوي علي القصائدا
فروى هذا البيت بالبصرة، فلقى أبو عيينة بن المهلب عنبسة على باب بعض الولادة فقال له: يا عنبسة ما أراد الفرزدق بقوله:
لقد كان في معدان والفيل زاجر
فقال: لم يقل والفيل إنما قال: واللؤم، فقال أبو عيينة والله إن شاء فررت منه إلى اللؤم لأمر عظيم.
قالوا: رب رمية كم غير رام، ورب لقب قد وضع من شريف وأزرى بكريم.
قال الجاحظ: ربما كان اسم الجارية غليم، وصبية، فيستملح ذلك إذا كانت حديثة السن، فإذا اكتملت تغير ذلك الاستملاح، وإذا صارت عجوزا ولها أولاد وصار بنوها رجالا، وبناتها نساء، فما أقبح حينئذ أن يقال لها: يا غليم، وكيف أصبحت يا صبية. ولأمر ما كنت العرب البنات، فقالوا: ما فعلت أم الفضل. وقالت أم عمرو. وذهبت أم حكيم.
[ ١٩٩ ]
والعرب تقول: رب قول أنفذ من صول. ألا ترى إلى علقمة بن علاثة بن الأحوص بن جعفر بن كلاب كيف بكى من قول الأعشى:
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
يراقبن من جوع خلاء مخافة نجوم الثريا الطالعات الشواخصا
فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم وبحرك ساج ما يواري الدعامص
أتاني وعيد الحوص من آل جعفر فيا عبد عمرو ولو نهيت الأحاوصا
والعرب لا ذل عندها أذل من البكاء. ويمدحون الشدة والقساة. وقال:
يبكي علينا ولا نبكي على أحد لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل
وقال أحمد بن الحسين المتنبي. قليل له المتنبي لفظنته:
وإنه المشير عليك في بضلة فالحر ممتحن بأولاد الزنا
وإذا الفتى طرح الكلام معرضًا في مجلس أخذ الكلام اللذعنى
ومكائد السفهاء واقعة بهم وعداوة الشعراء بئس المقتنى
قال أبو عبيدة وقد قيل له: أيما أشعر أبو نواس أو ابن أبي عيينة، أنا لا أحكم بين الشعراء الأحياء. فقيل له: سبحان الله أما يتبين هذا لكل أحد؟ فقال: أنا ممن لم يتبين له.
[ ٢٠٠ ]
وقد كره عمر (بن الخطاب) ﵁ أن يحكم بين النجاشي وابن مقبل، وكان عالمًا بالشعر فدعا بحسان بن ثابت، فقال: هل هجاه؟ قال لا ولكن سلح عليه.
وقال دعبل بن علي الخزاعي:
لا تعرضن بمزح لامرئ طبن ما راضه قلبه أجراه في الشفة
فرب قافية بالمزح جارية في محفل لم يرد إنماؤها نمت
إني إذا قلت بيتًا مات قائله ومن يقال له والبيت لم يمت
وسمع جرير امرأة من كندة تساب امرأة من بني كليب وإذا هي تقول:
أتعدلين معرضًا بأوس والخطفي بأشعت بن قيس
ما ذاك بالعدل ولا بالكيس
فطلب إليها جرير حتى كفت.
وسابت امرأة من كندة امرأة من بني الهجيم، فأقبلت الكندية على الناس فقالت:
تسبني اليوم رجال ضبه يا لك من عبد يسب ربه
قال الله ﵎: (ولا تنابزوا بالألقاب، بئس الإثم الفسوق بعد الإيمان).
[ ٢٠١ ]
ومن العرب من يرمي بخلة من خلال السوء، وثم تصير لقبا، وقد رمى بها مثل بني كلب. قال الجاحظ كانوا يرمون بإتيان الضأن، وكذلك بنو الأعرج وأشجع وسليم ترمى بنيك المعزى. قال النجاشي:
ولو شتمتني من قريش قبيلة سوى ناكة المعزى سليم وأشجع
وقال الفرزدق:
فلست مضحيًا ما دمت حيًا بشاة من حلوبة أعرجي
فما أدري إذا أنفقت مالي لعل الشاة تبعر عن صبي
الفرزدق أشد هجاء من جرير، وأحسن مقطعات من كل شاعر في زمانه، وأكثر نوادر ومضحكات.
وقال الشاعر لبني فقعس:
قبيلة شر خيرهم مثل شرهم ترى منهم للضأن فحلًا وراعيا
إذا خليت منهم عروس وبعلها ترى النعجة البقعاء تبكي البواكيا
إذا حلبت أغضى وصد بوجهه وظل إلى ما يصنع التيس رانيا
وبنو فزارة يرمون بنيك النوق، قال الفرزدق أو غيره:
لا تأمنن فزاريا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار
أي شدها.
قال المدائني: سأل رجل من أهل الشام محمد بن الحنفية: أعلي أفضل أم عثمان
قال: اعفني. فقال: أنت شبيه فرعون حين سأل موسى: ما بال
[ ٢٠٢ ]
القرون الأولى؟ قال عملها عند ربي. فصاح الناس بالشامي: يا شبيه فرعون فهرب من الشام إلى مصر.
دخل الأحنف على معاوية فقال له معاوية: ما الشيء الملفف في البجاد؟
قال: السخينة يا أمير المؤمنين. أراد معاوية قول الشاعر:
إذا ما مات ميت من تميم فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف الآفاق حرصًا ليأكل رأس لقمان بن عاد
وأراد الأحنف قول خداش:
يا كرة ما كررنا غير كاذبة على سخينة لولا الليل والحرام
الشيء الملفف في البجاد وطاب اللبن، والبجاد الكساء والسخينة حساء كانت تصنعه قريش في الجاهلية عند غلاء السعر.
عرض معاوية فرسًا على عبد الرحمن بن حسان بن حسان فقال: كيف تراه؟. قال: أراه أحش هزيما. أراد قول النجاشي الحارثي تعيير معاوية بالفرار في يوم صفين فقال:
ونجى ابن حرب سابح ذو علالة أحش هزيم والرماح دواني
إذا قلت أطراف الرماح تناله مرته به الساقان والقدمان
وقال الفرزدق لمضرس الأسدي: كيف تركت القيان يا أخا بني أسد؟. فقال تركته نساء لصاف. أراد الفرزدق قول ابن مهوس:
[ ٢٠٣ ]
ضمن القنان لفقعس سراتها إن القنان لفقعس لمعمر
وأراد الفقعسي قوله:
وإذا تسرك من تميم خصلة فلما يسوءك من تميم أكثر
قد كنت أحسبهم أسود خفية فإذا لصاف تبيض فيها الحمر
ذهبت قشيشة بالأباعر حولنا سرفًا فصب على قشيشة أبجر
القنان جبل بني أسد، ولصاف ماء لبني تميم، وأبجر بن جابر العكلي أبو حجار وكان نصرانيا.
قال المدائني: دخل رجل من محارب بن قيس على عبد الله بن يزيد بن زياد الهلالي، وهو عامل على أرمينية، وقد بات في موضع قريب منه غدير في ضفادع، فأسهره نقيقها فقال للمحاربي لما دخل عليه: ما تركتنا أشياخ محارب ننام ليلتنا هذه لشدة أصواتها. فقال المحاربي: أصلح لله الأمير إنها أصابت برقعًا. فهي في طلبه. أراد عبد الله بن يزيد قول الأخطل في محارب يهجوها:
تنق للا شيءٍ شيوخ محارب وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت فدل عليها صوتها حية البحر
وأراد المحاربي قول الشاعر يهجو عبد الله بن يزيد:
لكل هلالي من اللؤم برقع ولابن يزيد برقع وقميص
[ ٢٠٤ ]
لقي شريك النمري رجلا من بني تميم، فقال له التميمي: يعجبني من الجوارح بازي فقال له شريك: وخاصة إذا اصطاد القطا. . أراد النميري بالبازي قول جرير:
أنا البازي المطل على نمير أتيح من السماء لها انصبابا
وعنى شريك بصيد القطا قول الآخر:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ولو سلكت سبل المكارم ضلت
تعرض دغفل النسابة للحنيف بن زيد العنبري عند ابن عامر بالبصرة،
فقال: متى عهدك بسجاد أم صادر؟. قال: مالي بها عهد قد أصلت أم حلس، وهي بعض أمهات دغفل. فقال له: نشدتك الله أنحن كنا أكثر - لكم غزوا في الجاهلية أم أنتم؟. قال: بل أنتم لم تفلحوا ولم تنجحوا. غزانا فارسكم وسيدكم وابن سيدكم فهزمناه مرة وأسرناه مرة، وقتلناه مرة، وأخذنا في فدائه خرج أمه. وغزانا أكثركم غزوا وأنبهكم ذكرًا فأعرجناه، ثم أرجلناه. قال ابن عامر:
عزمت عليكما إلا كففتما
قال: وسار عمر بن هبيرة الفزاري يومًا، وإلى جانبه شريك النميري، فتقدمت بغلته فصاح به عمر: غض من لجامها. فقال: إنها مكتوبة، فبتسم عمرو قال: ويحكم! لم أرد هذا قال شريك: ولا أنا أردته.
ظن النميري أن عمر عرض له بهذا البيت:
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
[ ٢٠٥ ]
فعرض لعمر بهذا البيت الآخر:
لا تأمنن فزاريًا خلوت به على قلوصك واكتبها بأسيار
قال أبو عبيدة: عبث شبة بن عقال بعبد الله بن عباس على باب الخليفة وكان على كف عبد الله وضح، فقال: ما هذا الذي على ظهرك كفك يا ابن عباس؟. قال: سلح النعامة. وكان شبة يلقب بسلح النعامة لأنه كان مفرط الطول:
حدث بعضهم قال: حضرت مجلس عمر بن فرح الرجعي وهو يتقلد ديوان الخراج. وقد
حبس للمظالم. وكان إذا جلس رفع الحجاب. ووصل إليه الناس كيف شاءوا، قال: والناس يتكاثرون بين يديه إذ دخل عبد الحميد بن سلم بن سعيد الباهلي ومعه ابنه معه يتخطى الناس، فأنكر عمر ذلك وجعل ينظر إليهما ولم يقل شيئًا، فلما قربا منه اقبل على عبد الحميد فقال له: من هذا؟. فقال له: هيهات! أصلحك لله، وهل يخفى القمر؟! هذا ابني. فقال عمر: إن كان كذلك فارفع عنه حاشية الإزار. فقام خجلا. أراد قول بشار:
إذا أعيتك نسبة باهلي فكشف عنه حاشية الإزار
على أستاه سادتهم كتاب موالي عامر وسما بنار
ودخل بشار الحمام، فقال له رجل من باهلة: وددت أن الله يا بشار رد عليك بصرك. قال بشار: ولم؟. قال: أتعلم أنك كذبت في قولك: إذا أعيتك نسبة باهلي. . . البيتان
فقال بشار: إنما قلت على أستاه سادتهم وأنت من السلفة.
[ ٢٠٦ ]
وقالت دختنوس بنت ربيع بن زرارة يوم الشعب: فرت بنو أسد خروء الطير عن أربابها
فقيل لبني أسد: خروء الطير.
وقال امرؤ القيس في بني أسد:
قولا لدودان عبيد العصا ما غركم بالأسد الباسل
فسميت بنو؟ أسد عبيد العصا.
وسأل مزرد بن ضرار أمه أن تعطيه دينارًا فأبت، فقال: لئن لم تعطني لأعرض بعرضك لأخبث شاعر في مضر، فلم تعطه شيئًا، فقال:
حك الحمار برأس فيشته أم الحطيئة من بني عبس
فأتت أمه إلى الحطيئة فأخبرته بخبره معها وسألته في الكف عنها، فكف.
قال أبو عبيدة خرجت إلى البادية لأسمع بعض كلام الأعراب ولغاتهم، فدخلتها فرأيت رجلا من أهل الحضر، أردت أن أسمع من كلامكم ولغاتكم. قال فأنشدني:
يحن قلوصي ذو الخياط صبابة بمكة يومًا من تذكرها نجدا
تذكرت نجدًا موهنًا بعدما انطوت بمثلته وازداد من أهله بعدا
فقلت له لا تبك ليلك كله أصاب حمام الموت أهوننا وجدا
[ ٢٠٧ ]
قال: فأنشدته:
باتت تشوقني برجع حديثها وأزيدها شوقًا برجع حنيني
نضوين مغتربين بين مهامة طويا الضلوع على جوى مكنون
لو خبرت عني الضلوع لخبرت عن مستقر صبابة المحزون
قال: فقال لي: ويحك!. معك هذا وأنت تطلب من كلامنا.
القلوص في الإبل الأنثى، مثل الجارية من الناس. والبكرة مثل الفتاة والناقة مثل المرأة، والجمل مثل الرجل، والبعير مثل الإنسان. وذو الخياط أي ذو سمة في الفخذ طويلة عرضًا، وهي سمة لبني سعد.
قال العتبي: وسمع أعرابي رجلا يقع في السلطان فقال: ويحك!. إنك غفل لم تمسك التجارب، وفي النصح لسع العقارب، وكأني بالضاحك إليك باكيا عليك.
قال العتبي: سمعت أعرابيا يقول: ما رأيت أحدًا غفلا من نوائب الدهر، ولكن مسمه تختلف، فميسم أحرق جلدًا، وثان شوى لحما، وثالث هاض عظما، ورابع أتلف نفسا، وفي كل واحد منها له واعظ لو عقل عن دهره، ولكن العقل لو عمر مائة عام وشاهد ما تملى عليه به الأيام لم تجده إلا جزعًا في الغرة.
ولما عزل مسلمة عن العراق، وولى عمر بن هبيرة الفزارى. قال الفرزدق:
راحت بمسلمة البغال مورعًا فارعى فزارة لا هناك المرتع
[ ٢٠٨ ]
فسد الزمان وبدلت أحلامه حتى أمية عن فزارة تنزع
ولقد علمت إذا فزارة أمرت أن سوف تطمع في الإمارة أشجع
نزع ابن بشر وابن عمرو بعده وأخو هراة لمثلها يتوقع
ابن بشر عبد الملك بن بشر بن مروان. كان مسلمة أمره على البصرة. وابن عمرو هو سعيد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان على خرسان، وأخو هراة عبد العزيز بن الحكم بن أبي العاص وعرض لعمر بن هبيرة الفزاري. ولما ولى خالد بن عبد الله القسري قال:
بكت المنابر من فزارة شجوها فاليوم من قسر تضج وتجزع
وقال:
ألا قطع الرحمن ظهر مطية أتتنا تهادي من دمشق بخالد
وكيف يوم الناس من كانت أمه تدين بأن الله ليس بواحد
وقال أيضًا لخالد بن عبد الله حين جلد بسبب عبد الله بن شيبة العبدري:
[ ٢٠٩ ]
لعمري لقد سار ابن شيبة سيرة أرتك نجوم الليل ضاحية تجري
لعمري لقد صبت على رأس خالد شآبيب ما استهللن من سبل القطر
أتضرب في العصيان من كان عاصيًا وتعصي أمير المؤمنين أخا قسر
فلولا يزيد بن المهلب حلقت بكفك فتخاء إلى جانب الوكر
وذلك أن عبد الله الأصغر بن شيبة بن عثمان بن طلحة كان يقال له الأعجم لثقل كان في لسانه أخافه خالد أيام إمرته على مكة فهرب منه واستجار بسليمان بن عبد الملك، فكتب له إلى خالد ألا تفتحه، فجاء بالكتاب وأخذه فوضعه ولم يفتحه. وفي الكتاب:
(ألا سلطان لك عليه، ولا على أحد من بني شيبة)
فأمر به فجلد مائة سوط، ثم فتح الكتاب، فأتى الشيبي سليمان، فأراه ظهره وثوبه متزملا بالدماء، فكتب سليمان إلى طلحة بن داود الحضري، وكان قاضي مكة: إن كان خالد ضربه وقد قرأ الكتاب ثم جلده قطعت يده. وإن كان جلده قبل أن يقرأ الكتاب فاقتد منه. فاقتاد منه عبد الله بن شيبة، ففي ذلك قال الفرزدق قوله في الأبيات المتقدمة. وكان هشام في خلافته قد
[ ٢١٠ ]
كتب إلى خالد عند تغيره عليه بكتاب فزعه فيه بما كان من حربه على ابن شيبة، ومن الانتقام منه، ويتوعده أنه سيكون له منه أشد من ذاك، ففعل به ما قال، وعزله وأهانه. وكان خالد بن عبد الله أيام أمرته بالعراق أمر على الشرطة مالك بن المنذر بن الجارود، وكان عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر يدعى على مالك فرية فأبطلها خالد، وحفر النهر الذي سماه المبارك فانتفض عليه، فقال الفرزدق في ذلك:
أهلكت مال الله في غير حقه على نهرك المشئوم غير المبارك
وتضرب أقومًا براءً ظهورهم وتترك عهد الله في ظهر مالك
أإنفاق مال الله في غير حقه ومنعًا لحق المرملات الضرائك
فكتب خالد إلى مالك بن المنذر: احسب الفرزدق فانه هجا أمير المؤمنين، فأرسل خالد إلى أيوب بن عيسى الضبي فقال: ائتني بالفرزدق، فلم يزل يعمل فيه حتى أخذه فطلب إليهم الفرزدق أن يمروا به على بني حنيفة. فلما قيل لمالك: هذا الفرزدق انتفخ سجره وربا. فلما
أدخل عليه قال:
أقول لنفسي حين غضت بريقها ألا ليت شعري ما لها عند مالك
لها عنده أن يرجع الله روحها إليها وتنجو من عظام المهالك
[ ٢١١ ]
وأنت ابن جباري ربيعة أدركا بك الشمس في الخضراء ذات الحبائك
فشكاه مالك وأمر به إلى السجن، فقال يهجو أيوب بن عيسى الضبي:
نمت له بالرحم بيني وبينه وألفيته منى بعيدًا أواصره
وقلت امرو من آل ضبة فانتمي إلى غيرهم جلد إسته ومناخره
فسوف يرى الزنجي ما اكتدحت له يداه إذا ما الشعر غنت فواقره
ثم امتدح مالكا بعد ذلك فقال:
قروم بين أولاد المعلا وأولاد المسامعة الكرام
تخمط في ربيعة بين بكر وعبد القيس في الحسب اللهام
فلم ينفعه مدحه خالدًا ومالكا.
ومر الفرزدق بخالد وهو يضرب، فقال له: ضم إليك جناحك يا ابن النصرانية. قال خالد: وانتفعت بما قال. وكان الفرزدق قال حين حبسه خالد:
وإني لأرجو خالدًا أن يفكني ويطلق عني مثقلات الحدائد
فإن يك قيدي رد همي فربما تناولت أطراف الهموم الأباعد
يقول لي الحداد هل أنت قائم وما أنا إلا مثل آخر قاعد
[ ٢١٢ ]
وكان الفرزدق مدرًا، ويقع له الغريب. واتفق الحذاق بالشعر على أنه أعجب الشعراء مقطعات.
وقال له عنبسة مولى عثمان: يا أبا فراس: متى تذهب إلى الآخرة؟. قال: وما حاجتك إلى ذلك؟. قال: أكتب معك إلى أبي. قال: أنا لا أذهب حيث أبوك. أبوك في النار، ولكن أكتب له مع دبالويه واصطفانوس.
ومر بامرأة من بني مازن وهي على فرس لها فقال: بأبي أنت وأمي لوددت أني أقبل على مقبلك هذا فقالت: إذا والله تقبل على كمرة حارة. فأخجلته.
ووقف الفرزدق على بني ربيع، وفيهم ابن محكان شاعرهم، وقد كان هجا الفرزدق غضبًا
لبني منقر، فقالوا له: مرحبًا لسيدنا وشاعرنا. وكان الفرزدق هجاهم، فقال فيهم:
[ ٢١٣ ]
كأن ربيعًا من عماية منقر أتان دعاها فاستجابت حمارها
ترجى ربيع أن تجيء صغارها بخير، وقد أعيى ربيعًا كبارها
فلما قال البعيث: (لجرير)
ترجى كليب أن تجيء صغارها. . . . . . البيت
قال الفرزدق:
إذا ما قلت قافية شرودًا تنحلها ابن حمراء العجان
ومات الفرزدق وقد قارب المائة، ويقال إنه ولد ليلة بدر. وقيل له في مرضه الذي مات فيه: أذكر الله ﷿. فسكت طويلا، ثم قال:
إلى من تفزعون إذا حثوتهم بأيديكم علي من التراب
ومن هذا يقوم لكم مقامي إذا ما الريق غص من الشراب
فقالت مولاة له: نفزع إلى الله. فقال: أخرجوه هذه من الوصية. وكان أوصى لها بمائة درهم.
لقي الفرزدق شاب من أهل البصرة فقال: يا أبا فراس أحب أن أسألك عن مسألة قال: سل. قال: أيما أحب إليك، تسبق الخير أم يسبقك الخير؟. قال: يا ابن أخي أتجيبني إن أجبتك؟. قال: نعم. فحلفه على ذلك ثم قال: نكون معًا لا يسبقني ولا أسبقه. أسألك الآن؟ قال: نعم قال: أيما أحب إليك أن ترجع إلى منزلك فتجد امرأتك قابضة على أير رجل أو تجد رجلا قابضًا على حرها؟.
قال ومر الفرزدق بسكة المربد فإذا نسوة به، فنزل عن دابته، فجعل يطلب التراب، وقال سقط مني ايري. فقالت له إحداهن: متاعك أشد جعودة من حر أمك.
[ ٢١٤ ]
قال أبو عبيدة: مر الفرزدق على نسوة وهو على بغلة فلما حاذاهن ضرطت فضحكن. فقال: مم تضحكن، فما حملتني أنثى إلا صنعت ما ترين. قالت إحداهن: ما حملتك أنثى أكثر مما حملتك أمك تسعة أشهر، فكيف كان ضراطها إذا؟.
ودخل على عبد الملك بن مروان وتقدم بعض جلسائه حول الفرزدق فقال: يا أبا فراس كأنما وجهك أحراح النساء مجموعة. فقال له: تأمل عسى أن ترى فيهن حر أمك. فخجل
الرجل.
وكتب الفرزدق إلى جرير كتابا يدعوه إلى الصلح ويقول: (ويحك! ذهبت أيامنا وكثرت آثامنا وقطعنا الدهر بشتم العشيرة، فهلم إلى الصلح). وفي آخر كتابه:
شهدت طهية والبراجم كلها أن الفرزدق ناك أم جرير
وقال لهما بعض الخلفاء: حتى متى لا تنزعان؟. فقال جرير: إنه والله يظلمني.
قال: صدق: أنا أظلمه، ووجدت أبي يظلم أباه!
دخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة فقال له: أحججت؟. قال: نعم. قال: فما رأيت يا أبا فراس؟. قال: رأيت شيخًا يطوف بالبيت آخذة امرأته بحجزته، خلفها ولدان لها وهو يقول:
أنت وهبت زائدًا ومزيدًا وكهلة أولج فيها الأجردا
وهي تقول: إذا شئت إذا شئت. فقلت له: ممن أنت؟ قال: أشعري. قال له بلال بن أبي بردة: كذبت والله. ما رأيت هذا، ولقد أئتفكتها من حينك.
[ ٢١٥ ]
ودخل الفرزدق على بلال بن أبي بردة فالتحاه في مدح اليمن، فقال له الفرزدق: إن فضائل أبي موسى لكبيرة، وإنها تغني. قال الفرزدق: بحسبه عن النبي (ﷺ) حين حجمه. قال بلال: قد فعل ذلك برسول الله (ﷺ) ولم يفعل مثل ذلك قبله ولا بعده. فقال الفرزدق: الشيخ كان اتقى لله وأعلم به من أن يقدم على ريبة بغير خوف.
قال ابن سلام: قدم الأحوص فنزل على عمرو بن عبيد الأنصاري وكان الأحوص يشتكي رجله، فجاء على عصا حتى قعد معه في الحلقة قبلي قبا فأخذ عمرو عصاه فضرب بها رجله الأخرى فكسرها فحمل إلى منزله، فمر به الفرزدق، فقال له: متى عهدك بالزنا يا أبا فراس؟ فقال: منذ ماتت العجوز
بينا الفرزدق يسير إذ مر برهط من كليب، فأخذوه، وجاءوا بأتان، فقالوا أنت تعيرنا بالأتن، فو الله لا تريم حتى تنزو عليها. قال: دعوني لا أبا لكم، فأبوا عليه. فقال: أما إذا أبيتم فجيئوني بالصخرة التي كان يقوم عليها عطية إذا أراد ذلك.
وقال الفرزدق حين صار إلى الحجاز:
[ ٢١٦ ]
ألم يأته أني تخلل ناقتي بنعمان أطراف الأراك النواعم
مقيدة ترعى البرير ورحلها بمكة ملقى عائذ بالمحارم
فدعني أكن ما كنت حيًا حمامة من القاطنات البيت غير الروائم
نمتك العرانين الطوال ولا أرى لسعيك إلا جاهدًا غير لائم
فإلا تداركني من الله نعمة ومن آل حرب ألق طير الأشائم
فلما سمعها زياد رق له، وقال: لو أتاني لأمنته، وأعطيته، فقال الفرزدق في كلمة له:
دعاني زياد للعطاء ولم أكن لآتيه ما ساق ذو حسب وفرا
وعند زياد لو يريد عطاءهم رجال كثير قد يرى بهم فقرا
قعود لدى الأبواب طالب حاجة عوان من الحاجات أو حاجة بكرا
فلما خشينا أن يكون عطاؤه أداهم سودًا أو محدجة سمرا
نميت إلى حرف أضر بينهما سرى الليل واستعرضها البلد القفرا
يروم بها الموماة من لا يرى له لدى ابن أبي سفيان جاهًا ولا عذرا
[ ٢١٧ ]
قال الجاحظ: قال شيخ من المسجد: ما كنت أريد أن أجلس إلى قوم إلا وجدت من يحدث عن الحسن، ويروي عن الفرزدق، وينشد له.
وحدث الرياشي قال: كان الفرزدق يخرج من منزله فيرى بني تميم والمصاحف في حجورهم فيسر لذلك، ويقول: إيه! فدى لكم أبي كذا. والله كان أبركم.
وهو القائل في آخره عمره حيث تعلق بأستار الكعبة، وعاهد الله ألا يكذب ولا يشتم مسلمًا:
ألم ترني عاهدت ربي وإنني لبين رتاج قائم ومقام
على حلفة لا أشتم الدهر مسلمًا لا خارجًا من في زور كلام
أراد أن ينشد هذه القصيدة الحسن البصري، وفيها هجا إبليس، فتوقف عليه، فقال الفرزدق: لئن لم تسمعها مني لاخرجن فأقول للناس إن الحسن البصري ينهى عن هجاء إبليس. فأنشده القصيدة وفيها:
أطعتك يا إبليس تسعين حجة فلما انقضى عمري وتم تمامي
فررت إلى ربي وأيقنت أنني ملاق لأيام المنون حمامي
قال أبو عبيدة: كان الفرزدق قد حج وعاهد الله بين الباب والمقام
[ ٢١٨ ]
ألا يهجو أحدأ أبدًا، وأن يقيد نفسه، فلا يحل قيده حتى يجمع القرآن. فلما قدم البصرة قيد نفسه. وقال: توبة من الشعر: ألم ترني عاهدت نفسي. . . . الأبيات
وبلغ نساء مجاشع فحش جرير بهن، فأتين الفرزدق مقيدًا، فقلن: قبح الله قيدك، وقد هتك جرير عورات نسائك، فلا حييت شاعر قوم!. فأحفظنه، ففض قيده. وقال:
ألا استهزأت مني سويدة أن رأت أسيرًا يداني خطوه حلق الحجل
ولو علمت أن الوثاق أشده من النار قالت لي مقالة ذي عقل
لعمري لئن قيدت نفسي لطالما سعيت وأوضعت المطية في الجهل
ثمانين عامًا ما أرى من عماية إذا برقت إلا شددت لها رحلي
أتتني أحاديث البعيث ودونه زرود، فشامات الشقيق إلى الرمل
فقلت أظن ابن الخبيثة أنني شغلت عن الرامي الكنانة بالنبل
فإن يك قيدي كان نذرًا نذرته فما بي عن أحساب قومي من شغل
أنا الضامن الراعي عليهم، وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
ولو ضاع ما قالوا ارع منا وجدتهم شحاحًا على الغالي كم الحسب الجزل
إذا ما رضوا مني إذا كنت ضامنًا بأحساب قومي في الجبال وقي السهل
[ ٢١٩ ]
فمهما أعش لا يضموني ولا أضع لهم حسبًا ما حركت قدمي نعلي
أشده من النار أي من خوف النار، والعماية الجهل، وزرود ماء لبني دارم والشامات يفع من الرمل. والبعيث ابن عم الفرزدق.
قال ابن سلام: كان الفرزدق إذا أصاب دارهم أتى بها النوار فتمسك بعضها وتعطيه بعضًا، وكانت دينة، وكانت تزعم أنه طلقها، ويجحد هو ذلك، فاحتاجا يومًا، فقالت: أعطيك كذا وكذا درهما على أن تشهد الحسن على طلاقي. قال: نعم. فأعطته، فأتى الحسن، فقال: أيها الشيخ (إني) قد طلقت النوار. قال: قد سمعنا ما قلت فلما حضرها الموت أوصته أن يصلي عليها الحسن، فأخبره. فقال: إذا أخرجتموها فأعلمني. فأخرجت فجاء الحسن والفرزدق، وقد سبقها الناس فانتظروهما فأقبلا والناس. فقال الحسن: كلا: لست بخيرهم، ولست بشرهم. ثم قال له على قبرها: ما أعددت لهذا المضجع؟ يا أبا فراس؟. قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. فزعم بعض التميمية أن
[ ٢٢٠ ]
الفرزدق زئي في النوم فقيل له: ما صنع بك ربك؟. فقال غفر لي. فقيل: بأي شيء؟. قال: بالكلمات التي نازعنيها الحسن.
وقال الفرزدق:
أخاف وراء القبر إن لم يعافني أشد من القبر التهابًا وأضيقا
إذا قادني يوم القيامة قائد عنيف، وسواق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد دارم من مشى إلى النار مغلول القلادة أزرقا
إذا شربوا فيها الحميم رأيتهم يذوقون من حر الحميم تمرقا
قال المدائني: قال سابق البربري: بينا نحن بباب معاوية بن هشام إذ خرج الفرزدق مسحوبًا على وجهه حتى ألقى بين أيدينا. فقلنا: ماله؟. فذكروا أن معاوية قال له: من أشعر الناس؟. قال: حسان بن ثابت. ثم أنشده:
أروني سعودًا كالسعود التي سمت بمكة من أبناء عمرو بن عامر
هم عقدوا لله ثم وفوا بما تضايق عنه كل باد وحاضر
أقاموا قناة الدين حتى تمكنت أواصره بالمرهفات البواتر
بأسيافهم ذلت معد لربها فقام على قصد الهدى كل جائر
[ ٢٢١ ]
وقال الفرزدق لمالك بن المنذر بن الجارود:
يا مال هل هو مهلكي ما لم أقل ولتعرفن من القصائد قيلي
يا مال هل لك في كبير قد أتت تسعون فوق يديه غير قليل
فتجز ناصيتي وتفرج كربتي عني وتطلق لي يداك كبولي
ولقد نمت بك للمعالي ذروة رفعت بناءك في أشم طويل
والخيل تعلم في جذيمة أنها تردى بكل سميذع بهلول
إن ابن جباري ربيعة مالكًا لله سيف صنيعة مسلول
وقال النجاشي الحارثي لابن مقبل العجلاني:
أولئك إخوان اللعين وأسرة الهجين ورهط الواهن المتذلل
وما سمي العجلان إلا لقولهم خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
إذا الله عادي أهل لؤم ورقة فعادي بني العجلان رهط ابن مقبل
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
ولا يردون الماء إلا عشية إذا صدر الوارد عن كل منهل
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ويأكلن من كعب بن عوف بن نهشل
[ ٢٢٢ ]
واستعدى بنو العجلان عمر بن الخطاب ﵁ على النجاشي فقالوا: هجانا. قال: وما قال لكم: قالوا قال:
إذا الله عادى أهل لؤم ورقة. . . البيت
قال: إنما دعا عليكم، والله لا يعادي مسلما. قالوا: فقد قال:
قبيلة لا يغدون بنية. . . البيت
قال عمر: ليتني من هؤلاء. فأنشدوه.
ولا يردون الماء إلا عشية. . . البيت
فقال: ذاك أقل للزحام، فأنشدوه: تعاف الكلاب الضاريات لحومهم
ويأكلن من كعب بن عوف بن نهشل
فقال عمر: كفى ضياعًا بمن تأكل الكلاب لحمه.
فأنشدوه:
وما سمي العجلان إلا لقوله خذ القعب. . . البيت
فقال: كلنا عبد، وسيد القوم خادمهم.
فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا. فقال: ما اسمع ذلك، إنما دعا عليكم. قالوا: فسل حسانًا. فسأله، فقال: ما هجاهم ولكنه سلح عليهم.
[ ٢٢٣ ]
وكان بنو العجلان يفخرون باسم أبيهم، وإنما سمي العجلان لتعجيله القرى للضيفان فكان ذلك شرفًا لهم، فلما هجاهم النجاشي جزعوا منه فوسموا به إلى اليوم.
وكان ابن مقبل من الشعراء الحذاق المجودين. وكان يجيد البديع في شعره. وقال عبد الملك بن مروان للأخطل: أي الناس أشعر؟ قال: العبد العجلاني. قال: لم ذاك؟. قال: وجدته قائمًا في بطحاء الشعر، والشعراء على الحرفين.
ويقال إن عمر ﵁ قال للنجاشي: أما قولك
تعاف الكلاب الضاريات. . . . البيت
فلا أعذرك فيه وحسبه وضربه.
حدث الزبير بن بكار قال: قال رجل:
ليهن ابن بهثة ما عنده فلست وإن حسدوا حاسدا
مهاتان لونها واحد يعلانه ثغرًا باردا
فبورك فيه وفي أهله وفي ماله ونما صاعدا
فاستعدى عليه عمر بن الخطاب وقال: نسب بزوجي. فقال: ما أسمع بأسًا وعلى ذاك لا أسمع رجلا ذكر حرمة رجل إلا نكلت به.
والعرب تمدح فترفع، وتهجو فتضع، فإذا مدحت الشيء بلطافتها وذلاقة ألسنتها اختير وبسط عذره، كما غطيت بالهجاء محاسنه. ألا تسمع إلى قول الأول:
فعين الرضا عن كل عين كليلة لكن عين السخط تبدى المساويا
[ ٢٢٤ ]
وإنما سميت البلاغة بلاغة لا بلاغ المتكلم حاجته بحسن إفهام السامع.
مر غيلان بن خرشة الضبي مع عبد الله بن عامر على نهر أم عبد الله الذي يشق البصرة فقال عبد الله: ما أصبح هذا النهر لأهل هذا المصر!. قال غيلان: أجل والله أيها الأمير، فيتعلم العوم فيه صبيانكم، ويكون لسقيانهم ومسيل مياههم، ويأتيهم بميرتهم. قال: ثم مر غيلان يساير زيادًا على ذلك النهر، وكان زياد عدوًا لابن عامر فقال زياد: ما أضر هذا النهر بأهل هذا المصر. قال غيلان: أجل أيها الأمير تنز منه دورهم ويغرق فيه صبيانهم، ومن أجله يكثر بعوضهم.
فكره بعض الناس من البيان مثل هذا المذهب. وقال الأحنف لرجل أثنى على يزيد بين يدي معاوية، ثم اعتذر للأحنف. فقال الأحنف: إن ذا الوجهين خليق ألا يكون عند الله وجيهًا.
[ ٢٢٥ ]