قال النابغة:
كليب لعمري كان أكبر ناصرًا وأيسر جرمًا منك ضرج بالدم
رمى ضرع ناب فاستمر بطعنه كحاشية البرد اليماني المسهم
وقال لجساس أغثني بشربة تمن بها فضلًا علي وتنعم
فقالت: تجاوزت الأخص وماءه وبطني شبيب وهو ذو مترسم
ويقول لعقال بن خويلد من عقيل بن كعب، وكان أجار بني وائل بن معن بن أعصر، وكانوا قتلوا رجلا من بني جعدة فحذر النابغة عقالا أن يصيبه في ظلمه إياهم ما أصاب كليب وائل في تعديه عليهم، وأن يقع بينهم ما وقع بين عبس وذبيان في حرب داحس. فقال في ذلك:
فأبلغ عقالًا أن غاية داحس بكفيك فاستأخر لها أو تقدم
فقال عقال: لا بل أتقدم يا أبا ليلى. فقال النابغة:
تخير علينا وائلا في دمائنا كأنك مما نال أشياعُنا عمِي
[ ٣٢١ ]
فقال: لا بل عمدا يا أبا ليلى. فقال النابغة:
فما يشعر الرمح الأصم كعوبه بنزوة رهط الأبلج المتظلم
فقال عقال: لكن حامله يا أبا ليلى يعلم.
وقال عمرو الأهتم:
فإن كلينا كان يظلم قومه فأدركه مثل الذي تريان
فقال تجاوزت الأخص وماءه وبطن شبيب وهو غير دقان
وقال عباس بن مرداس السلمي:
فلما حشاه الرمح كف ابن عمه تذكر غب الظلم أي أوان
وقال لجساس أعني بشربة وإلا فخبر من لقيت مكاني
وقال آخر:
أكليب مالك كل يوم ظالما والظلم أنكد وجهه ملعون
قد كان قومك يحسبونك سيدًا وأخال أنك سيد مغبون
فإذا رجعت إلى نسائك فادهن إن المسالم رأسه مدهون
وأفعل بقومك ما أراد بوائل يوم الغدير سميك المطعون
وأخال أنك سوف تلقى مثلها في صفحتيك سناني المسنون
إن الفرية قد تبين أمرها إن كان ينفع عندك التبيين
وقال رجل من الخوارج لمعاوية:
أتيت مأتى كليب في عشيرته لو كان في القوم خرق مثل جساس
الطاعن الطعنة النجلاء عائذها كطرة البرد يعني فرعها الآسي
[ ٣٢٢ ]
يقال عن العراق إذا سال بالدم، والفرع الدلو، وعني بها الدم الذي يسيل. وقال النابغة الجعدي:
ألم تعلموا ما ترزا الحرب أهلها وعندي ذوي الأحلام فيها التجارب
لها السادة الأشراف تأتي عليهم فتهلكهم والسابحات النجائب
ويستلب الدهم التي كان ربها ضنينًا والحرب فيها الحرائب
وقال الحارث بن وعلة الجرمي:
لا تأمنن قومًا ظلمتهم وبدأتهم بالشتم والرغم
إن يأبروا نخلًا لغيرهم والقول يحقره وقد ينمي
قومي هم قتلوا أميم أخي وإذا رميت أصابني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللًا ولئن سطوت لأوهن عظمى
وقال آخر:
يفرح أن يغلبني ظالمًا والظلم المغلوب لو تعلم
وقال الطائي:
إذا فرشوه النصف ماتت شذاته وإن رتعوا في ظلمه كان أظلما
[ ٣٢٣ ]
وقال قيس بن زهير:
تعلم أن خير الناس ميت على حفر الهباءة لا يريم
ولولا ظلمه ما زلت أبكي عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بني بدر بغي والبغي مرتعه وخيم
أظن الحلم دل علي قومي وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني فمعوج علي ومستقيم
فلا تغني المظالم أن تراه تمتع بالغنى الرجل الظلوم
وقال الربيع بن زياد:
حرق قيس علي البلاد حتى إذا استعرت أجذما
جنية حرب جناها فما تفرج عنه وما أسلما
عشية يردف آل الربا ب يعجل بالركض أن يلحما
ونحن فوارس يوم الهر ير يسلم السقيان الفما
عطفنا وراءك أفراسنا وقد مال سرجك فاستقدما
إذا ذعرت من بياض السيو ف قلنا لها أقدامي مقدما
[ ٣٢٤ ]
إنما قال الربيع هذه الأبيات حين ارتحلت بنو عبس عن بني عامر فساروا يريدون بني ثعلبة، فأرسلوا إليهم أن أرسلوا إلينا وفدًا، فأوفدت إليهم بنو ثعلبة، فلما أتى الوفد بني عبس قال لهم قيس: انتسبوا نعرفكم، ونسبهم حتى مر بابن الخمس، فقال: أنا ابن الخمس. فقال له قيس: إن أمانا أمنتنا فيه لزمان سوء. قال: وما أخاف منك؟. لأنت والله أذل من قراد تحت ميسم بعيري، فقتله قيس بالحارث بن ظالم، لأن الحارث كان قتل الخمس فلما دخل الحارث على النعمان قال النعمان: من كان له عند هذا ثار فليقتله فقام إليه ابن الخمس فقتله. وقال له الحارث: أتقتلني يا ابن شر الإظماء قال نعم: يا ابن شر الأسماء.
فقيل قيس بن الخمس بالحارث بن ظالم. فلما رأى ذلك قيس قال: يا بني ارجعوا إلى قومكم فهم خير الناس كلهم، فأما أنا فوالله لا أجاور بيتًا غطفانيا أبدًا ولحق بعمان، فهلك بها، ورجع الربيع وبنو عبس. فلذلك قال الربيع الأبيات المتقدمة.
وقيل لقيس بعد أن صار بعمان أي النساء أكرم؟. قال: بنات العم. قيل: وأي الخيل رأيت أصبر؟. قال: الكميت: قيل: فأي العبيد رأيت أوفى؟ قال: المولدون، وذلك أن المولدين صبر في فصاحتهم وحلفهم، ولم يعرف غيرهم فنفسه لا تنازع في سواهم.
ولما انصرف الربيع بن زياد، وكان يسمى الكامل أتى بني ذبيان وكان معه ناس من بني عبس، فأتى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرسى، فوقفوا عليه فقالوا: هل أحسست لنا
الحارث بن عوف وهو يعالج نجيا. فقال: هو في أهله وليس ببابه، فطلبوه، فرجعوا، وقد لبس ثيابه، فقالوا ما رأينا كاليوم قط وتركونا إليه فقال ومن أنتم؟. قالوا: بنو عبس، ركبان الموت. قال: بل أنتم ركبان السلم والحياة. مرحبًا بكم لا تنزلوا حتى تأتوا حصن بن حذيفة فقالوا: أنأتي غلامًا حديث السن، وقد
[ ٣٢٥ ]
قتلنا أباه وأعمامه لم تراه قط؟. قال الحارث: نعم. إنه حليم، وإنه لا صلح حتى يرضى، فأتوه عند طعامه، فلما رآهم ولم يكن رآهم حصن قال: هؤلاء بنو عبس، فلما أتوه حيوه. قال: من أنتم؟. قالوا: ركبان الموت فحياهم وقال: بل ركبان السلم والحياة. إن تكونوا احتجتم إلى قومكم فقد احتاج قومكم إليكم. هل أتيتم سيدنا الحارث بن عوف. قالوا لم نأته. وكتموا إتيانه. قال: فأتوه. قالوا: ما نحن ببارحيك حتى تنطلق معنا. فخرج يضرب أوراك أباعرهم قبله حتى أتوه فحلف عليه حصن: هل أتوك قبلي؟ قال: نعم، قال: فقم في عشيرتك، فإني معينك بما أحببت. قال الحارث: أفأدعو معي خارجة ابن سنان؟ قال: نعم. فلما اجتمعا قالا لحصن تخيرنا من خصلتين من الغدر بهم، والخذلان لهم. قال: نعم. فقاموا بينهم قياما بدية القتلى وأخرجوا لبني ثعلبة بن سعد ألف ناقة. وزعموا أنه لما اصطلح الناس. وكان حصين بن ضمضم المري قد حلف ألا يصيب رأسه غسل حتى يقتل بأخيه هرم بن ضمضم فأقبل رجل من بني عبس يقال له ربيعة بن وهب، وأمه من بني فزارة يريد أخواله فلقيه حصين ابن ضمضم فقتله بأخيه هرم الذي قتله العبسيون، فلما بلغ بني فزارة قتل حصين ربيعة بن وهب غضبوا وغضب حصن لقتل ابن أختهم، وفيما كان من عقد حصن لبني عبس، فأرسل إليهم الحارث ابنه فقال: اللبن أحب إليكم أم أنفسكم؟ يعني ابنه، فقالوا: بل اللبن أحب إلينا. فأرسل إليهم مائة من الإبل دية ربيعة بن وهب، فقبلوا الدية والصلح.
وقال ابن الأعرابي: لما كان من أمر الهباءة ما كان جاور قيس بن زهير النمر ابن قاسط، فلما جاورهم قال لهم: اطلبوا لي امرأة قد أدبها الغنى وأذلها الفقر فعزموا أن يزوجوه طيبة بنت الكيس النمري. فقال لهم: إني لا أتزوج إليكم حتى أخبركم بخلال في. إني فخور وإني غيور، وإني أنف، وإني لا أفخر حتى أبتلي، ولا أغدر حتى أرى، ولا آنف حتى أظلم.
فرضوا خلاله فزوجوه، وأقام فيهم، فلما أراد الرحيل عنهم قال لهم: إني آمركم بخلال،
وأنهاكم عن خلال. عليكم بالأناة، فان بها تدرك الفرصة
[ ٣٢٦ ]
وتسويد من لا تعاون بتسويده. وأجاره الجار على الدهر وتنفيس البيوت عن منازل الأيامى. وأنهاكم عن خلط الضيف بالعيال، ولا تنفقوا في الفضول، فتعجزوا عن الحقوق. وعليكم بإعطاء من تريدون إعطاءه قبل المسألة، وصنع من تريدون صنعه قبل الإلحاح. وأنهاكم عن الرهان فان به ثكلت مالكًا أخي، وعن الغبي، فانه صرع زهيرًا أبي، وعن السرف في الدماء فان قتلي يوم الهباءة أورثتني العار، ألا وإني أصبحت ظالمًا مظلومًا. ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكًا أخي، وظلمتهم بقتلي من لا ذنب له.
وقال آخر:
ومولى دعاه البغي والبغي كاسمه وللحين أسباب تصد عن الحزم
أتاني يشب الحرب بيني وبينه فقلت له لا بل هلم إلى السلم
وإياك والحرب التي لا أديمها صحيح ولا تعدي الصحاح على القسم
ولكنها تسرى إذا نام أهلها فتأتي على ما ليس يخطر في الوهم
ولا بد من قتلي لعلك فيهم وإلا فجرح لا يحن على العظم
فلما رمى شخص رميت سواده ولا بد أن يرمي سواد الذي يرمى
ولما أبى ألقيت فضل ردائه إليه فلم يرجع بحزم ولا عزم
فكان صريع الخيل أول وهلة فيا لك من مختار جهل على علم
كتب بها أبو جعفر المنصور إلى عبد الله بن حسن.
وقال قراد بن عباد:
إذا المر لم يغضب له حين يغضب فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبوا
ولم يجبه بالنصر قوم أعزة مقاحيم في الأمر الذي يتهيب
تهضمه أولى العدو ولم يزل وإن كان عضبًا بالظلامة يضرب
[ ٣٢٧ ]
فآخ لحال السلم من شئت واعلمن بأن سوى مولاك في الحرب أجنب
ومولاك مولاك الذي إن دعوته أجابك طوعًا والدماء تصبب
فلا تخذل المولى وإن كان ظالمًا فإن به تثأى الأمور وترأب
وقال آخر:
فإن قلتم إنا ظلمنا فلم نكن ظلمنا ولكنا أسأنا التقاضيا
وقال بشار:
إن كنت حاولت هواني فما هنت ولا لي في هوان مقام
في الناس أبدال، ولي مزحل عن منزل ناب ومرعى وخام
لا نائل منك ولا موعد ولا رسول فعليك السلام
وقالت سبيعة بنت الأخب في بغى كان بين بني السباق بن عبد الدار بمكة وبين بني خالد بن عبد مناف بن تيم بن مر فتفانوا فيه، فلم يبق منهم إلا القليل تعظ ابنها:
أبني لا تظلم بمكة لا الصغير ولا الكبير
ابني من يظلم بمكة يلق أطراف الشرور
احفظ محارمها ولا يغررك بالله الغرور
الله أمن طيرها والوحش يعقل في ثبير
والفيل أهلك حبشه يرمون فيها بالصخور
فاسمع إذا حدثت وانظر كيف عاقبة الأمور
وقال بعض الشعراء يذكر كليبًا وهمامًا:
ألا أيها الركب المجنون علي من يحل حمى الدهنا لديكم به خبر
[ ٣٢٨ ]
وقال آخر:
أما والله إن الظلم شؤم إن الظلم مرتعه وخيم
وفي آخر الكتاب بخط مخالف لخطة النسخة
وبالهامش إلى جانب هذه العبارة بخط مغربي مشابه لخط النسخة. (قلت ليس هذا بكامل المبرد وإنما هو قطعة من اختيار الممتع كتاب عبد الكريم).
[ ٣٢٩ ]