الشاعر عند العرب أفضل من الخطيب، وكانت تهنأ بالشاعر إذا نبغ، إلا أن المحدثين أخرجه عن جده، وجعلوه مكتسبًا حتى قالوا: الشعر أدنى مروة السرى، وأسرى مروة الدنى. وكانت العرب تأنف عن الطلب بالشعر. قال شاعرهم:
وإني لأستبقي إذا العسر مسني بشاشة وجهي حين تبلى المنافع
فاعفي قرى قومي ولو شئت نولوا إذا ما تشكى الملحف المتصارع
مخافة أن أخلي إذا جئت زائرًا ويرجعني نحو الرجال المطامع
فاسمع منا أو أشرف مرغمًا وكل مصادي نعمة متواضع
وقال:
وإني امرؤ لا أسأل الناس مالهم بشعري ولا تعي علي المكاسب
وقال عبيد:
من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب
ومدح ابن ميادة أبا جعفر المنصور وقال:
فوجدت حين لقيت أيمن طائر ووليت حين وليت بالإصلاح
[ ١٦١ ]
وعفوت عن كسر الجناح ولم يكن لتطير ناهضة بغير جناح
قوم إذا جلب الثناء إليهم بيع الثناء هناك بالأرباح
وعزم على الرحلة إليه، فأتاه راعي إبله بلبن فشرب منه شربة ثم مسح على بطنه فقال: سبحان الله أأفدي على أمير المؤمنين وهذه الشربة تكفيني؟!، فرجع ولم يأته.
وبعث أبو عبيد الله الوزير إلى عبد الله بن مصعب بن ثابت بن الزبير بألفي دينار صلة وعشرين ثوبًا، فلم يقبلها، وكتب إليه: أصلحك الله، وأمتع بك، ما لسيبك وامتناحك أجببناك ووددناك وشكرناك لفضلك ونبلك. وقسم الله لك في رأيك ومعرفتك ورعايتك حق ذوي الحقوق.
وقال عبد الله بن مصعب للمهدي أمير المؤمنين:
يا ابن الذي ورث النبي محمدًا فله تراث محمد لم ينكر
إني عقدت ذمام حبلى معصمًا بحبال ودك عقدة المتخير
يوم المدينة عند قبر محمد وقبابه ومقامه والمنبر
فأخذت منك بذمة محفوظة من فاز منك بمثلها لم يحقر
وأراك تصطنع الرجال ولم أكن دون امرئٍ قدمته بمؤخر
أوأنت متخذي لنفسك جنة وعلي عهد الله إن لم أشكر
ولقد صبرت لسوءة صادفتها ممن يلاقيني بخد أصعر
لما رأوك جفوتي فتركتني إن آت أقصى أو أغب لا أذكر
إني إذا بلغ العدو حميتي برزت أمشي مشية المتبختر
ريموا العداوة صاغرين وحاذروا صولات ذي لبد هزبر مخدر
[ ١٦٢ ]
فأقبل عليه المهدي، وأعطاه حكمه فقال:
يا أمين الله في الشرق والغرب علينا ويا ابن عم الرسول
إن حكمي عليك تفديك نفسي وكثيري وأسرتي وقليلي
مجلسي بالعشي عندك في الميدان والإذن منك لي في الدخول
ليس شيء من الأمور وإن كان عظيمًا عندي له بعديل
فأجابه لذلك فجعله من جلسائه، وأصاب أموالا عظيمة. وارتفعت حاله.
ومن جميل السؤال، ولطيف التقاضي قول أمية بن أبي الصلت الثقفي وكانت له حاجة عند عبد الله بن جدعان، فتقاضه بقوله:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع لك الحسب المهذب والنساء
وأرضاك أرض مكرمة بنتها بنو تميم وأنت لها سماء
إذا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضه الثناء
وهذا ألطف تقاض، وأشرف مدح.
وقال آخر:
لساني وقلبي شاعران كلاهما ولكن وجهي مفحم غير شاعر
فلو كان وجهي شاعرًا كسب الغنى ولكن وجهي مثل وجه ابن طاهر
فتى يتقي أن يخدش اللؤم عرضه ولا يتقي حد السيوف البواتر
ويقال عن جميل بينة بن معمر العذري إنه ما مدح أحدًا قط أنفة، وصحب الوليد بن عبد الملك في بعض سفره، والوليد على نجيب فزجر به ابن العذري، فقال:
[ ١٦٣ ]
يا بكر هل تعلم من علاكا خليفة الله علا ذراكا
فقال الوليد لجميل، انزل فازجر، وظنه يمدحه، فقال:
أنا جميل في السنام من معد في الذروة العلياء والركن الأشد
وأخذ في مدح نفسه وقومه. فقال: اركب لا حماك الله.
وعامة قضاعة لا يزعمون أنهم من معد، وإنما ينسبون في قحطان. وجميل عذري من قضاعة، يزعم أنه من معد كما ترى، وكذلك يقول نسابو ربيعة ومضر. يقولون قضاعة من معد بن عدنان، وبقضاعة كان يكني معد. قال الزبير ابن بكار: وعلماء قضاعة يرون أنهم من معد، والشعراء منهم كذلك مثل جميل والقطامي والكميت بن زيد، وإبراهيم بن هرمة قال جميل:
وأي معد كان فيء وماحه كما قد أفأنا والمفاخر منصف
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
تحب العذارى البيض ظل لوائنا إذا ما دعانا الصارخ المتلهف
وكنا إذا ما معشر أجحفوا بنا ومرت جواري طيفهم وتعيفوا
وضعنا لهم صاع القصاص رهينة وسوف نوفيها إذا الناس طففوا
برزنا وأصحرنا لكل قبيلة بأسيافنا إذ يؤكل المتضعف
ونحن حمينا يوم مكة بالقناقصيا وأطراف القنا متقصف
فحطنا بها أكناف مكة بعدما أرادت بها ما قد أبى الله حندق
لما سمع الفرزدق قوله:
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا. . . البيت
[ ١٦٤ ]
حسده الفرزدق، وقال له: تجاف لي عنه، فأنا أحق به منك. متى كان الملك في عذرة؟، إنما هو لمضر، وأنا شاعرها. فهي تروى للفرزدق.
سمع الفرزدق الشمردل بن شريك اليربوعي يقول:
فما بين من لم يعط سمعًا وطاعة وبين تميم غير حز الحلاقم
فقال له: أنا أحق به منك، لتدعنه أو لتدعن عرضك. فقال: خذه لا بارك الله لك فيه.
وقال ذو الرمة للفرزدق: لقد قلت أبياتا إن لها لمعنى بعيدًا. قال: ما هي؟ قال:
أحين أعاذت بي تميم نساءها وجردت تجريد الحسام من الغمد
ومدت بضبعي الرباب ومالك وعمرو وسارت من ورائي بنو سعد
ومن آل يربوع زهاء كأنه دجى الليل محمود النكاية والرقد
قال الفرزدق: لا تعدون فيها، وأنا أحق بها منك. فقال لا أنشدها أبدا إلا لك. فهي في شعر الفرزدق.
زعموا أن ذا الرمة مر بجرير فقال: يا أبا غيلان أنشدني ما قلت في هشام المري. فأنشد:
[ ١٦٥ ]
نبت عيناك عن طل بحزوى محته الريح وامتنح القطارا
فقال له: ألا أعينك؟. قال بلى. قال: قل له:
يعد الناسبون إلى تميم بيوت المجد أربعة كبارا
يعدون الرباب وآل سعد وعمرًا، ثم حنظلة الخيارا
ويهلك بينهما المري لغوًا كما ألغيت في الدية الحوار
ثم مر بالفرزدق فأنشده هذه الأبيات، فقال له: لقد علكهن أشد لحيين منك.
وقد روى محمد بن سلام (الجمحي) أن جميلا مدح عبد العزيز بن مروان فقال:
أمين الصدق يحفظ من تولى بما يكفي القوي به النبيل
أيا مروان أنت فتى قريش وكهلهم إذا عد الكهول
توليه العشيرة ما عناها فلا ضيق الذراع ولا بخيل
إليك تشير أيديهم إذا ما رضوا أو غالهم أمر جليل
كلا يومه بالمعروف طلق وكل بلائه حسن جميل
[ ١٦٦ ]
نما بك في الذؤابة من قريش بناة المجد والعز الأثيل
أروم ثابت يهتز فيه بأكرم منبت فرع طويل
ويقال إن رجلا من عذرة يقال له جواب وكان ابن بلويه، وكان شاعرًا وكان جميل بن عبد الله أمه جذامية، فخرج جميل في أخواله من جذام وهو يقول:
جذام سيوف الله في كل موطن إذا ما أزمت يوم اللقاء أزام
هم وسعوا ما بين مصر فذى القرى إلى الشام من حل به وحرام
بضرب يزيل الهام عن سكناته وطعن كانزاع المخاض تؤام
إذا قصرت يومًا أكف قبيلة عن المجد نالته أكف جذام
فأعطوه مائة بكرة، وخرج جواب في أخواله بلى وقال:
إن بليًا غرة يهتدي بها كما يهتدي الساري بمطلع النجم
هم ولدوا أمي وكنت ابن أختهم لا أتخول جذام قوم بلا علم
فأعطوه مائة غرة ما بين فرس إلى وليدة ففخر على صاحبه. وذكروا أن الغرة الواحدة مما معه تعدل كل شيء مما أتى به جميل.
قال محمد بن سلام: قام روح بن زنباغ الجذامي في يوم جمعة إلى يزيد ابن معاوية حين فصل بين الخطبتين فقال: يا أمير المؤمنين ألحقنا باخواننا، فانا قوم معديون.
قال يزيد: إن اجتمع على ذلك قومك فعلناه. فقال عدي بن الرقا العماملي. وعماملة من قضاعة لما بلغه ذاك:
إنا رضينا وإن عانت جماعتنا ما قال سيدنا روح بن زنباع
[ ١٦٧ ]
فبلغ ذلك ثابت بن قيس، فجاء حتى دخل المقصورة فقال: أين الغادر الكاذب روح بن زنباغ؟ ثم قال: يا أمير المؤمنين زعم روح أنه من معد، وليس نعرف ذلك، ولكنا من قحطان يسعنا ما يسع قحطان، ويعجزنا ما يعجزهم. فبلغ ذلك ابن الرقاع فقال:
قحطان والدنا الذي ندعى له وأبو خزيمة خندق بن نزار
أنبيع والدنا الذي ندعي له بأبي معاشر غائب متوارى
أظلال ليل ساقط أكنافه في الناس أعذر أم ظلال نهار
ونسابو مضر يزعمون أن جذام بن أسد بن خزيمة. ويقال إن قضاعة بن معد أكبر من ربيعة ومضر عددًا، وأن كلب بن وبرة بسماوة كلب تربى على قيس وخندق في البدو والحضر. وقال ذو الشامة، وهو المثلم الكلبي:
أبيتم أن تكونوا من نزار وخير الناس كلهم نزار
وربيتم عجوزكم وكانت حصانًا لا يحل لها إزار
حصان لو تلمسها يمان للاقى مثل ما لاقى يسار
وقال القطامي واسمه عمر بن شييم التغلبي:
أكلب هلم نحو بني أبيكم ودعوى الزور منقصة وعار
وقد علمت كهولهم القدامى إذا قعدوا كأنهم النسار
بأن قضاعة الأولى معد لقوم لا تغط له البكار
[ ١٦٨ ]
قضاعة كان جزءًا من معد فحطهم المعائب والسرار
فإن تعزل قضاعة عن معد نصر تبعًا وللتبع الصغار
ومن يك يوم دعوته غريبًا يخنه من جناحيه انكسار
ونصر ذوي الأباعد منك وثب وأحشاء ابن عمك تستطار
وقلت لذي الكلاع وذي رعين أحق قول حمير أم جوار
تداعيهم قضاعة بعد دهر وفي الدهر التقلب والغيار
ونسابو نزار يجعلون أهل اليمن من ولد إسماعيل. وقال يعقوب بن السكيت إن كندة ولد قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل. وقال المبرد: قال النبي (ﷺ) لعائشة وقد نذرت أن تعتق قومًا من ولد إسماعيل فسبى قوم من (بني) العنبر فقال إن سرك أن سرك أن تعتقي العميم من ولد إسماعيل فاعتقي هؤلاء.
وقال بعض النسابين إن بني العنبر من قضاعة، وقضاعة من معد.
[ ١٦٩ ]
ومن زعم أن قضاعة ابن مالك بن حمير فهو الحق. قال: فالنسب الصحيح في قحطان الرجوع إلى إسماعيل وهو الحق، وقول المبرزين من العلماء: وإنما العرب المتقدمة من أولاد عابر ورهطه عاد وطسم وجديس وجرهم والعماليق. فأما قحطان عند أهل العلم فهو ابن الهميسع بن نبت بن قندر بن إسماعيل.
[ ١٧٠ ]