قال أوس بن حجر:
بني ومالي دون عرضي وقاية وقول كوقع المشرفي المصمم
وكان أوس يرغب في مدحه وتحريضه، ومن تحريضه يحض النعمان بن المنذر على بني حنيفة. وذلك؛ أن شمر بن عمرو الحنفي قتل المنذر بن المنذر حين التقى مع الحارث بن أبي شمر الغساني فقال أوس:
نبئت أن بني حنيفة أدخلوا أبياتهم تامور نفس المنذر
فغزا النعمان بني حنيفة فقتل منهم وحرق عليهم. وقال:
ألا أبلغ بني بكر رسولًا فقد صم الظنابيب السباق
إلى الغايات أعلى المجد حتى حسرناكم وبرزت العتاق
وسأل بنا الغبيط وجانباه على حنق وساد بهم أفاق
أطعنا ربنا وعصاه قوم وذقنا غب طاعته وذاقوا
[ ٢٦٥ ]
ومن مدح أوس لفضالة الأسدي، قوله يرثيه:
أيتها النفس أجلي جزعًا إن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع السماحة والنجدة والبر والتقى جمعا
الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا
قال الأصمعي: هو أحسن ابتداء مرثية، وهو كقول علي بن الحسين وتوفي له ولد فلم يربه عليه جزع، فقيل له في ذلك. فقال هذا ما كنا نتوقعه، فلما حل لم ننكره.
ولأوس بن حجر في مقالة يرثيه أيضًا:
ألم تكسف الشمس شمس النها ر بالنجم والقمر الواجب
لهلك فضالة لا يستوي الفق ود ولا جلة الذاهب
ألهفي على علم الآية على الحائر الحي والحارب
ويكفي المقالة أهل المقا ل غير معيب ولا عائب
ويحبو الخليل بخير الحبا ء غير صخوب ولا قاطب
برأس النجيبة من حوله وبالطرف كالجوذر الكاعب
فمن يك ذا نائل يسع من فضالة في أثر لاجب
هو الواهب العلق غير النفي س والمتعلى على الواهب
وأفضلت في كل شيء فما تناول سعيك من طالب
نجيح مليح أخو ما قط نقاب يحدث بالغائب
[ ٢٦٦ ]
وكان المخبل السعدي هجا خليدة بنت بدر، فقال للزبرقان أخيها:
وأنكحت هزالًا خليدة بعدما حلفت برأس العين أنك قاتله
فأنكحته رهوي كان عجانها مشق إهاب أوسع السلح بأجله
يلاعبها فوق الفراش وجاركم بذي شرمان لم تزيل مفاصله وكان هزال قتل ابن أمية في جوار الزبرقان، ورحل إلى الجزيرة، فأقسم الزبرقان ليقتلنه، ثم مضى الدهر على ذلك وزوجه أخته خليدة، ثم مر المخبل بعد حين وقد أصابه كسر بخليدة، وهو لا يعرفها، فآته وجبرت كسره، وزودته عند رحيله، فقال: ما اسمك يا جارية؟. قالت: لم ذاك؟ قال: لأمدحك قالت: رهوي. قال: بالله ما رأيت امرأة أكرم منك لها مثل هذا الاسم. قالت: فأنت سميتني به. قال: وكيف؟. قالت: أنا خليدة أخت الزبرقان فأقسم لا يهجوها ولا أحدًا من قومها. وقال:
لقد زل رأي في خليدة زلة سأعتب قومي بعدها وأتوب
وأشهد والمستغفر الله إنني كذبت عليها والهجاء كذوب
الرهوي التي تذم عند الجماح بسعة الفرج.
[ ٢٦٧ ]
وقدم المدينة عبان بن قيس بن عاصم، فنزل على أروى بنت كزير فأكرمت مثواه فقال حين أراد الخروج:
حلفت على أروى سلامًا فإنما جزاء الثواء أن تعف وتحمدا
سلامًا أتى من وامق غير عاشق أراد رحيلًا ما أعف وأمجدا
وقال نابغة بني ذبيان لعامر بن الطفيل في وقعة حنين. وكان النابغة غائبًا عنها، فلما قدم سأل بني ذبيان عما قالوا لعامر وما قال لهم، فأنشدوه فقال: أفحشتم على الرجل وهو
شريف. ثم قال:
إن يك عامر قد قال جهلًا فإن مظنه الجهل الشباب
فكن كأبيك أو كأبي براء تصارفك الحكومة والصواب
فلا تذهب بلبك طائشات من الخيلاء ليس لهن باب
فإنك سوف تبرك أو تناهي إذا ما شبت أو شاب الغراب
وإن تكن الفوارس من حنين أصابوا من لقائك ما أصابوا
فما أن كان من نسب بعيدٍ ولكن أدركوك وهم غضاب
فلما سمع ذلك عامر قال: ما هجاني أحد حتى هجاني النابغة. جعلني القوم رئيسًا، وجعلني النابغة سيفها جاهلا، وتهكم بي ولم يزد عليه. والتهكم الاستخفاف.
أراد عمرو بن الأهتم أن يسفه الأحنف بن قيس فدس إليه رجلا
[ ٢٦٨ ]
فقال: يا أبا نجم من كان أبوك في قومه؟. قال: كان في أوسطهم، لم يسدهم، ولم يتخلف عنهم. فرجع إليه ثانية ففطن أنه من قبل عمرو، فقال الرجل: ما كان مال أبيك؟. فقال: كانت له صرمة يمنح منها ويقرى، ولم يكن أهتم سلاحًا. والأهتم أسمه سنان بن سمى والذي هتمه قيس بن عاصم ضربه بطرف قوسه فكسر فمه.
وجعل عمرو بن الأهتم لرجل ألف درهم على أن يسفه الأحنف، فأتاه الرجل وسبه بما يغضب والأحنف مطرق لا يكلمه، فأقبل الرجل يعض إبهامه ويقول: واسوأتاه! والله ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه. وفعل ذلك آخر فأمسك الأحنف عنه، وأكثر الرجل إلى أن أراد الأحنف القيام للغداء، فقال للرجل: يا هذا إن غداءنا قد حضر فانهض بنا إليه إن شئت فانك منذ اليوم تجد وتحمل بغال.
ولولا الشعر ما عرف جود حاتم وكعب بن مامة وهرم بن سنان وأولاد جفنة، وإنما أشاد بذكرهم الشعر. قال الفرزدق:
على ساعة لو أن في القوم حاتمًا على جوده سبت نفس حاتم
وقال زهير:
من يلق يومًا على علاته هرمًا يلق السماحة فيه والندى خلقًا
لو نال حي من الدنيا بمكرمةٍ أفق السماء لنالت كفه الأفقا
وقال جرير:
فما كعب بن مامة وابن سعدى بأجود منك يا عمر الجوادا
[ ٢٦٩ ]
وقال عنترة:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قول الفوارس ويك عنتر أقدم
وقال آخر:
وفككنا غل امرئ القيس عنه بعدما طال حسبه والعناء
وقال القطامي:
أليسوا بالأولى قسطوا قديما على النعمان وابتذروا السطاعا
وهم وردوا الكلاب على تميم بجيش يبلع الناس ابتلاعا
[ ٢٧٠ ]