قالوا: لم يعرف له قط كلمة رفث إلا كلمتان قالهما يوم بدر. قال لأبي جهل بن هشام - لعنة الله - ستعلم يا مصفر إسته. وقال حمزة: أنا أسد الله، وأسد رسوله، فقال عتبة: أنا أسد الحلفاء. وقال الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بني لنا بيتا دعائمه أعز وأطول
بيتا زرارة محتب بفنائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
بيتًا بناه لنا الإله وما بنى ملك السماء فإنه لا ينقل
أحلامنا تزن الجبال رزانة وتخالنا جنا إذا ما نجهل
يلجون بيت مجاشع وإن احتبوا ترزوا كأنهم الجبال المثل
يمشون في حلق الحديد كما مشت جرب الجمال بها الكحيل المشعل
يحمى إذا اختط السيوف نساءنا ضرب تطير له السواعد أرعل
[ ١٠٩ ]
ويقول فيها:
ومحرق جمعوا إليه يمينه بصفاد مغتصب أخوه مكبل
ملكين يوم بزاخة قتلوهما وكلاهما تاج عليه مكلل
محرق هذا من ملوك غسان أغار هو وأخوه في طوائف من العرب من إياد وتغلب على بني ضبة بن أد وهم بزاخة، فاستافا النعم، وأتى الصريخ ضبة، فركبوا واقتتلوا قتالا شديدًا، ثم إن زيد الفوارس حمل على محرق فاعتنقه وأسره، وأسروا أخاه أيضًا ثم قتلوه.
قالت الرواة: لولا شعر الفرزدق لذهب كثير من أخبار العرب وأيامها. وهذه الأبيات من قصيدة طويلة يفتخر فيها، ويذكر علمه بالشعر، ويذكر الشعراء فيها فيقول:
وهب القصائد لي إذ مضوا وأبو زيد وذو القروح وجرول
والفحل علقمه الذي كانت له حلل الملوك كلامه لا ينحل
وابنا أبي سلمى زهير وابنه وابن الفريعة حين جد المقول
وأخو بني قيس وهن قتلنه ومهلهل الشعراء ذاك الأول
[ ١١٠ ]
وأخو بني أسد عبيد إذ مضى وأبو دؤاد قوله يتنحل
والجعفري وكان بشر قلبه لي من قصائده الكتاب المجمل
والأعشيان كلاهما ومرقش وأخو قضاعة قوله يتمثل
والحارثي أخو الحماس ورثنه صدعًا كما صدع الصفاة المعول
ولقد ورثت لآل أوس منطقًا كالسم خالط جانبيه الحنظل
يصدعن ضاحية الصفا عن متنها ولهن من جبلي عماية أثقل
دفعوا إلي كتابهن وصية فورثنهن كأنهن الجندل
فيهن شاركي المصادر بعدهم وأخو هوازن والشامي الأخطل
أراد بالنوابغ نابغة بني ذبيان، وهو زياد بن عمرو من بني سعد بن ذبيان بن بغيض، والنابغة الجعدي وهو قيس بن عبد الله بن كعب بن صعصعة. النوابغ كما يقال الفراقد، وأبو يزيد هو المخبل، وأسمه ربيعة بن مالك من بني قريع ثم من بني سعد بن زيد مناة بن تميم. وذو القروح امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الحراب بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار الكندي. وجرول هو الحطيئة بن أوس من بني عبس بن بغيض، وعلقمة هو بن عبدة من بني مالك بن زيد مناة بن تميم. وإنما سمى الفحل لأن في بني عبد الله بن دارم
[ ١١١ ]
علقمة الخصى. وزهير ابن سلمى، وأبو سلمى ربيعة بن رياح من بني مازن بن مزينة. وابن الفريعة حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام الأنصاري، وأخو بني قيس طرفة بن العبد من بكر بن وائل. قتله عمرو بن هند حين هجاه. ومهلهل بن ربيعة أخو كليب ابن ربيعة من بني تغلب بن وائل. وعبيد بن الأبرص بن جشم من أسد بن خزيمة. وأبو دؤاد حارثة بن حمران الإيادي، وبشر بن أبي خازم من بني أسد. والأعشيان أحدهما الأسود بن يعفر بن نهشل بن دارم، والآخر ميمون بن قيس بن حنيفة بن قيس بن ثعلبة، وأخو قضاعة أبو الطمحان حنظلة بن الشرقي أحد بني القين بن جسر. وأخو الحماس النجاشي، وهو قيس بن عمرو بن جحيح بن حماس. وأوس بن حجر من بني عمرو بن تميم بن مر، والمساور بن هند بن قيس بن جذيمة من عبس، وأخو هوازن عبيد الراعي بن حصن بن نمير بن عامر بن صعصعة. الأخطل غياث بن عوف بن الصلت من بني تغلب.
وقال أوس بن حجر الأسدي:
ومستعجل مما يرى من إبائنا ولو زينته الحرب لم يترمرم
وما الملك الجبار حين نكيده بكيد على أرماحنا بمجرم
لعمرك ما المغتر يأتي بيوتنا لنمنعه بالضائع المتهضم
وما ضيفنا القرى بمدافع ولا جارنا في النائبات بمسلم
بني ومالي دون عرضي وقاية وقول كوقع المشرفي المصمم
وقال آخر:
هلا سألت عن الذين تبطحوا كرم البطاح وخير سرة واد
وعن الذين أبوا فلم يستكرهوا أن ينزلوا الولجات مسنداد
[ ١١٢ ]
يخبرك أهل العلم أن بيوتنا منها بخير مضارب الأوتاد
وقال الأعشى لعمرو بن عبد الله:
فما أنت من أهل الحجون ولا الصفا ولا لك حق الشرب في آل رمرم
فقال له عمرو: لكنك يا أبا بصير وقومك منهم. يهزأ به. فقال الأعشى:
وما بوا الرحمن بيتك في العلا باحياد شر في الصفا والمحرم
فقال له عمرو: ولكنك يا أبا بصير عريض المباهاة بها.
ورأى رجل من قريش رجلا من بني تغلب له هيئة فوقف له وهو يطوف بالبيت فقال: أني أرى رجلين قل ما وطئا البطحاء، فقال التغلبي: البطحاوات ثلاث: بطحاء الجزيرة، وهي لي دونك وبطحاء ذي قار أنا أحق منك بها، وهذه البطحاء سواء العاكف فيها والبادي.
قال أبو عبيدة: قدم الفرزدق على عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة فأكرمه وأحسن ضيافته، وبلغه عنه أنه زنى، فقال لجارية له: انطلقي إلى الفرزدق فاغسلي رأسه وبعث معها ألطافًا، وهو يريد أن يختبره، فاتت الجارية إلى الفرزدق وعمر ينظر من خوخة إلى ما يصنع الفرزدق، فذهبت الجارية لتغسل رأسه، فوثب عليها فركلته فإذا هو على قفاه، ثم قالت: لعنك الله من شيخ، وخرجت حتى أتت عمر، فنفاه عمر. فلذلك قال جرير:
خرجت من المدينة غير عف وقام عليك بالحرم الشهود
فإن ترحم فقد وجبت حدود وحل عليك ما لقيت ثمود
فلما رحل الفرزدق قال:
وكنت إذا نزلت بأرض قوم رحلت بخزية وتركت عارا
[ ١١٣ ]
قال: ثم قدم جرير بعد ذلك على عمر، فصنع به كما صنع بالفرزدق، وقالت له جارية: قم فاغسل رأسك، فقام فاتزر، وقال للجارية: تنحى. فقالت: سبحان الله. إنما بعثني سيدي لأخدمك. قال: لا حاجة لي في خدمتك. فأخرجها من الحجرة، وأغلق الباب، فغسل وعمر ينظر إليه من حيث بعث الجارية إلى أن أخرجها من الحجرة. وجرير لا يعلم. فلما راح أهل المدينة إلى عمر حدثهم بفعال الفرزدق وجرير وقال: عجبًا لقوم يفضلون الفرزدق على جرير مع عفة بطنه وفرجه.
[ ١١٤ ]