قال جدي سديد الملك ذو المناقب أبو الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ - رضي الله -
لله ما طيف ألم بفتية تحنو رؤوسهم على الأكوار
كيف اهتديت لراحلين ترودوا ما شاء قومك من دجى ونهار
لفظتهم دار الإقامة فيكم فنضوا عقال مطية الأسفار
ورنوا إلى الحي المقيم بأعين ينهلن من ماء الدموع الجاري
وقال عمي عز الدولة أبو المرهف، نصر بن علي - ﵀ -:
لهفي لدار عفاها كل منهمر جون ملث عليها رائح ساري
وما عفا ذكر أحبابي الذين لهم حزني مقيم ودمعي إثرهم جاري
[ ٧٠ ]
وقال والدي مجد الدين أبو سلامة مرشد بن علي بن مقلد - ﵀ -:
أيا دار التصابي والتصافي وخصب العيش في السنة الجماد
لقد جارت عليك صروف دهر رمتك بكل داهية ناد
فكم لي فيك من إخوان صدق تملك صفو ودهم قيادي
قضت بفراقهم نوب الليالي فميعاد التلاقي في المعاد
وقال أخي عز الدولة أبو الحسن علي بن مرشد بن علي - ﵀ -:
أصبحت دور آل مرشد قفرًا بعد عز وهيبة وجلال
عظة للعيون فيها اعتبار ونذير من حادثات الليالي
تخبر الغافلين أن اقتناء الخ لق فان معرض للزوال
فعليها السلام بعد بلاها من حزين ما حزنه الدهر بال
وقال أيضًا:
يا حيرة النفس أنى وجهة سلكوا ومن هم في سواد القلب حلال
لا أوحش الله دارًا كنت أعهدها مغنى بكم، وهي بعد البين أطلال
وقال أيضًا:
كفى حسرة في النفس بعد أحبة وقرب أعاد يشتهون حمامي
لعمرك ما دار الفتى حين لا يرى أحبته فيها بدار مقام
وقلت:
يا دار غيرك البلى وتحكمت فيك الخطوب ومحت الآثار
أصبحت تعرفك القلوب توهمًا ويصد عنك الأعين الإنكار
لم يبق منك الدهر رسمًا ماثلًا ينبي بأن هناك كانت دار
لهفي على الزمن القصير قطعته بك، إن أيام السرور قصار
لم يبقى منه سوى جوى متسعر في القلب يذكى ناره التذكار
وقلت:
سقى دارهم هامي الغمام وهامله ونور ذاوى الروض فيها وذابله
وعاد بها طيب الليالي التي خلت وغبطة عيش قد تقضت غياطله
منى يتمناها على بعد نيلها كذوب الأماني ذاهب القلب ذاهله
وبعض الأماني ضلة، وإذا انقضت أواخر دهر، كيف تثنى أوائله؟!
ديار بها صاحبت شرخ شبيبتي أجادده طورًا، وطورًا أهازله
أروح إلى لهو الصبي ونعيمه وأغدو على ليث كمي أنازله
عهدت بها عين ألمها دون حجبها أسود الشرى يلقى الردى من تصاوله
وسرب ظباء تحجب الشمس دونه وتحجب عن طيف الخيال عقائله
وكل أخي بأس كريم تخاله إذا ما انتضى سيفًا جلته صياقله
فلم يبق مما كان إلا إدكاره وحسرة قلب لا تقر بلابله
وكنت أرى ما سرني غير زائل ويخطى نهج الحزم من هو جاهله
فما كان إلا الطيف يحسب في الكرى يقينًا، فإن بان الكرى بان باطله
وقلت:
يقول صحابي: قد أطلت وقوفنا على الدار مسلوب الأسى والتماسك
أفي كل دار قد عفت أنت واقف تروي ثراها بالدموع السوافك
كأنك في رسم الديار "متمم" وفيما عفا من ربعها "قبر مالك"
فقلت: نعم هذي ديار عهدتها بها معشري مثل النجوم الشوابك
أصابهم ريب الزمان فأصبحت قفارًا، وهم ما بين ناء وهالك
وقلت:
يقولون: قد أعولت في الدار ما كفا وليس على ربع عفا بمعول
وكم قدر ما تبقى الدموع إذا جرت على كل ربع، أو على كل منزل؟!
فقلت: نعم. هذي ديار عهدتها عرين أسودي في الخطوب ومعقلي
فقد أصبحت قفرًا، وفرق شملهم حوادث دهر بالفراق موكل
سأبكيهم أو يمزج الدم أدمعي فينهل سمطًا كالجمان المفصل
وقلت:
يا دار أنت التي كانت الجميع بها وكان في ربعك الولدان والحشم
وكنت للضيف والعافين مرتبعًا يقتادهم نحوك الإكرام والكرم
أصبحت قفرًا، وأضحى أهلك افترقوا أيدي سبا، وانثنت عن قصدك الهمم
ما أعجب الدهر! عيش الناس أجمعهم إن سرهم صرفه أو ساءهم
حلم
وقلت:
دار على قلل الجبال تفجرت فيها بحار فضائل ومكارم
فيها الندى والجود حقًا لا الذي كنا نحدث عن سماحة حاتم
وفوارس جمعوا المكارم والعلى لين التواضع في قلوب ضراغم
أفناهم ريب المنون فلم يدع منهم سوى ذكر لحلم الحالم
وقلت:
يا دار لو روت محولك أدمعي لسفحتها بك، أو يمازجها الدم
[ ٧١ ]
لكن دمع الحزن يحسب قطره ماء برودًا، وهو جمر مضرم
وإذا رأيتك قفرة من معشري وبني أبي، وهم لعمرك ما هم؟!
فكأنني عاينت حفرة مالك وكأنني
وجدًا عليه
متمم
وقلت:
وا وحشتي في الدار لما أصبحت موشحة من الظباء العين
كانت عرينًا، وكناسًا فاغتدت مقفرة الكناس والعرين
تقارن الأسد بها عين المها والدهر قطاع قوى القرين
فأصبحت كما ترى ليس بها إلا دواعي الوجد والحنين
وقلت:
نظرت إلى دار الأحبة قفرة وقد كان فيها العز والكرم المحض
فلما رأى صحبي عليها تلددي ودمعي بكى بعض وعنفني بعض
وقالوا: أفق، للأرض تبكي؟ فقلت: لا ولكنني أبكي لمن وارث الأرض
وقلت:
يا دار إن بخلت على مغناك سارية العهاد
فلأمطرنك من دمو عي ما ينوب عن الغوادي
حتى تعود رباك حا لية مفوفة الوهاد
كم حل ربعك من غض يض الطرف ممنوع الوداد
يستوقف الأبصار فه ي عليه حائمة صوادي
فرمت جموعهم اللي الي بالتشتت والبعاد
وصروف هذا الدهر تط رق بالحوادث أو تغادي
عاداتها رد الأمو ر من الصلاح إلى الفساد
يحسن لا عمدًا ويأ تين الإساءة باعتماد
وقلت:
ما أنت أول من تناءت داره فعلام قلبك ليس تخبو ناره؟
إما السلو أو الحمام، وما سوى هذين قسم ثالث تختاره
ما بعد يومك من لقاء يرتجى أو يلتقي جنح الدجى ونهاره
هذا وقوفك للوداع وهذه أظعان من تهوى وتلك دياره
فاستبق دمعك فهو أول خاذل بعد الفراق، وإن طما تياره
مدد الدموع يقل عن أمد النوى إن لم تكن من لجة تمتاره
وقلت - وكتبت بها إلى أخي عز الدولة أبي الحسن علي بن مرشد بن علي بن مقلد - ﵀ - وأنا بالعسكر الأتابكي بإربل:
وإن امرأ أضحت بإربل داره وفي سيزر إخوانه وشجونه
لغير ملوم في الحنين إليهم ومعذورة أن تستهل جفونه
وقال أخي عز الدولة أبو الحسن علي - ﵀ -:
فيا أيها الدار التي شط أهلها وبالرغم مني أن سكانها شطوا
رضيت بحكم الدهر فيك وإنما رضى من نأت أحبابه بالنوى سخط
بهم كانت الدنيا التي غدرت بهم كأنهم فيها الحيا، والورى قحط
تزيد بهم هذي البسيطة بسطة ومن مثلهم يستحسن القبض والبسط
أعارتهم الأيام وارتجعتهم وكل بخيل في مواهبه ضبط