قال امرؤ القيس بن حجر:
ألا أنعم صباحًا أيها الطلل البالي وهل ينعمن من كان في العصر الخالي؟!
وهل ينعمن إلا سعيد مخلد قليل الهموم، لا يبيت بأوجال؟!
ديار لسعدى عافيات بذي الخال ألح عليها كل أسحم هطال
وقال طرفة بن العبد:
لهند بحزان الشريف طلول تلوح وأدنى عهدهن محيل
وبالسفح آيات كأن رسومها يمان وشته ريدة وسحيل
(ريدة: قرية باليمن، وسحيل: ريح تسحل، أي تقشر)
فغيرن آيات الديار مع البلى وليس على ريب الزمان كفيل
بما قد أرى الحي الجميع بغبطة إذ الحي حي، والحلول حلول
وقال ربيع بن قعنب:
ألم تر للأطلال يوم سويقة عفت بعد عهد الحي فهي قفور؟
تحمل منها بعد طول إقامة حسان نقيات المدامع حور
دعاهن سير بعد خفض ورفعت لهن على بزل الجمال خدور
فأصبحت لا أدري لدن أن رأيتهم أتى حدب دون الجميع وقور
وحتى رأيت الحي تعفو عراصهم يمانية تسدي البلى وتنير
ونفح جنوب أو شمال ملثة تعارضها بالمعصفات دبور
وقال جرير بن عطية:
بقيت طلولك يا أمام على البلى لا مثل ما بقيت عليه طلول
عفت الجنوب مع الشمال رسومها وصبا مزمزمة الحنين عجول
أعذرت في طلب النوال إليكم لو كان من ملك النوال ينيل
إن كان دهركم الدلال فإنه حسن دلالك يا أميم جميل
لا يبعدن أنس تقادم بعدهم طلل ببرقة رامتين محيل
ولقد نكون إذا يحل بغبطة أيام أهلك للديار حلول
ولقد تساعفنا الديار وعيشنا لو دام ذاك كما نحب
ظليل
فسقى ديارك حيث كنت مجلجل هزج، ومن غر السحاب هطول
وقال عمارة بن بلال بن جرير بن عطية:
[ ٣٠ ]
ألا يا اسلما يا أيها الطللان وإن هجتما عيني على الهملان
وهل دمع عيني اللجوجين راجع ليالي حل الحي هضب عران
كأن زمانًا حله الحي باللوى لوى ترمذاء لم يكن بزمان
ولم تغن في أيامه أحسن الغنى وشعبا جميع الشمل متفقان
إذا قلت: أنسى ذكر أسماء هيبت بقلبي دواعي حبها فعصاني
روى عن مويلك عن أبيه قال: قال لي سائب خاثر يوم الحرة: ألا أسمعك شيئًا قد صنعت؟ قلت: نعم، فغناني:
لمن طلل بين الكراع إلى القصر يغيب عنا آيه سبل القطر
إلى خالدات ما تريم، وهامد وأشعث ترسيه الوليدة بالفهر
فسمعت عجبًا معجبًا، ثم ذكر أهله وولده، فبكى، فقلت له: فما يمنعك منهم؟ قال: أما بعد شيء سمعته من يزيد بن معاوية فلا، ثم تقدم فقاتل بسيفه حتى قتل، وسائب خاثر: مولى بني ليث، اشترى عبد الله بن جعفر - ﵄ - ولاءه من مواليه، وقيل: اشتراه وأعتقه، فانقطع إلى عبد الله ولزمه، وهو أول من عمل العود بالمدينة، وغنى به.
وقال ذو الرمة غيلان بن عقبة بن مسعود:
لمية أطلال بحزوي دواثر عفتها السوافي بعدنا والمواطر
كأن فؤادي هاض عرفان ربعها
بها وهي ساق أسلمتها الجبائر
عشية مسعود يقول وقد جرى
على لحيتي من دمع عيني ماطر
:
أفي الدار تبكي أن تفرق أهلها وأنت امرؤ قد حلمتك العشائر؟
فلا ضير أن تسعبر العين إنني على ذاك
إلا جولة الدمع
صابر
فيامي هل يجزي بكائي بمثله إليك، وأنفاسي عليك زوافر
وإني متى أشرف إلى الجانب الذي به أنت من بين الجواب ناظر
وأن لا ينال الركب تهويم وقعة من الليل إلا اعتادني منك زائر
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
بوجرة أطلال تعفت رسومها وأقفر من بعد الأنيس قديمها
تلوح على طول الزمان عراصها كما لاح في كف الفتاة وشومها
وقفت بها والعين شاملة القذى كعين طريف ما يجف سجومها
فذلك هاج الشوق من أم نوفل وذكرى لنفس جمة ما تريمها
فقد أدركت عندي من الود فوق ما تمنت بغيب أو تمنى حميمها
وقال آخر:
عفا من آل بلجاء الطلول وجد البين وانقطع الوسيل
وصاح بصرمها من بطن قو غداة البين شحاج حجول
من اللائي لعن بكل أرض فليس لهن في بلد قبول
يباصرن النوى فإذا اشمعلت بأهل الدار واقلولى الحمول
تبادرن الديار يمسن فيها وبئس من المليحات البديل
وقال طهمان بن عمرو:
ألا يا اسلما بالنير من أم واصل ومن أم جبر أيها الطللان
وهل يسلم الربعان يجرى عليهما صباح مساء دائم الهطلان
كفى حزنًا أني تطاللت كي أرى ذرى علمي دمخ فما تريان
كأنهما والآل يجري عليهما من البعد عينا برقع خلقان
ألا حبذا والله لو تعلمانه
ظلالكما يأيها العلمان
وماؤكما العذب الذي لو شربته وبي صالب الحمى إذًا لشفاني
وقال أبو الصفى رفاعة بن قيس:
سفى الله أطلالًا لبلجاء بالغضا كساها البلى والنأي لبدًا على لبد
وأيامنا اللاتي مضين بعاقل فغير ذميمات مضين ولا نكد
لقد كان لي ليل ببلجاء مرة قصير إذا ما الليل طال على الرمد
وقال زهير بن أبي سلمى:
لمن طلل برامة لا يريم عفا، وخلا له حقب قديم
تحمل أهله منه فبانوا وفي عرصاته منهم رسوم
يلوح كأنه كفا فتاة ترجع في معاصمها الوشوم
وقال كثير:
أمن طلل أقوى من الحي ماثله تهيج أحزان الطروب منازله
بكيت وما يبكيك من رسم دمنة أضر به جود الشمال ووابله؟
وحبك ينسيني من الشيء في يدي ويذهلني عن كل شيء أزاوله
سيهلك في الدنيا شفيق عليكم إذا غاله من حادث الدهر غائله
كريم يميت السر حتى كأنه إذا استخبروه عن حديثك جاهله
وقال ذو الرمة:
[ ٣١ ]
خليلي عوجا عوجة ناقتيكما على طلل بين الربنة والحبل
بجرعائها من سامر الحي ملعب وآرى أفراس كجرثومة النمل
شبه ما تهدم من مرابط الخيل بما يخرجه النمل من التراب عند بيوته:
كأن لم يكنها الحي إذ أنت مرة بها ميت الأهواء مجتمع الشمل
بكيت على مي بها إذ عرفتها وهجت البكا حتى بكى القوم من أجلي
وهل هملان العين راجع ما مضى من العيش أو مدنيك يا مي من أهلي؟!
وقال ذو الرمة أيضًا:
قف العيش في أطلال مية فاسأل رسومًا كأخلاق الرداء المسلسل
أظن الذي يجدي عليك سوالها دموعًا كتبذير الجمان المفصل
وما يوم حزوي إن بكيت صبابة لعرفان ربع أو لعرفان منزل
بأول ما هاجت لك الشوق دمنة بأجراع محلال مرب محلل
عفت غير آري وأعضاد مسجد وسفع مناخات رواحل مرجل
تجر بها الدقعاء هيف كأنها تسح التراب من خصاصات منخل
دعت مية الأعداد واستبدلت بها خناطيل آجال من العين خذل
(يقول: لما نصبت مياه منازلهم ارتحلوا إلى الأعداد، وهي المياه التي لها مادة في الصيف والشتاء، فكأنها دعتها، والخناطيل: أقاطيع الظباء والبقر، الواحدة خنطلة، وإجلٌ، والعين: البقر الوحشي، وخذلت الظبية ونحوها: أقامت وتخلفت عن قطعانها، والواحدة خاذل) وقال جميل بن معمر العذري:
ألم تربع فتخبرك الطلول وقد ساءت لو نفع السؤول
وكيف سؤال خيمات بوال ونوى عهد أحدثه محيل؟!
لئن أمسى خلاء بعد جمل لقد يغني به الأنس الحلول
وقال البحتري:
هلا سألت بجو ثهمد طللا لمية قد تأبد؟
درست عهاد الغيث من هـ فحال عما كنت تعهد
ولقد يساعف ذا الهوى بأوانس كالوحش خرد
وقال الشريف المرتضى - ﵁ -:
ليس بجدي يا صاحبي وقوف بطلول ولا يرد سؤال
إنما الربع بالمقيمين فيه وهو خلوًا من ساكنيه مثال
وقال سويد بن كراع العكلي:
خليلي قوما في عطالة فانظرا أنارًا ترى من آل يبرين أم برقا؟
فإن تك نارًا فهي في مشمخرة من الربح تذروها وتصفقها صفقا
لأم علي أوقدتها طماعة لأوبة سفر أن تكون لهم وفقًا
وحطًا على الأطلال رحلي فإنها لأول أطلال عرفت بها العشقا
وقال ذو الرمة:
أتعرف أطلالًا بوهبين فالخضر لمي كأنيار المفوفة الخضر
فلما عرفت الدار واغترني الهوى تذكرت، هل لي إن تصابيت من عذر؟
فلم أر عذرًا بعد عشرين حجة مضت لي وعشر قد مضين إلى عشر
فأخفيت شوقي من رفيقي وإنه لذو نسب دان إلي وذو حجر
محل الحواءين الذي لست رائيًا محلهما إلا غلبت على الصبر
فهاجت عليك الدار ما لست ناسيًا من الحاج إلا أن تنسى على ذكر
إذا قلت: يسلو ذكر مية قلبه أبى حبها إلا بقاء على الدهر
وقال ذو الرمة أيضًا:
عليكن يا أطلال مي بشارع على ما مضى من عهدكن
سلام
علام سألناكن عن أم سالم ومي فلم يرجع لكن كلام
هوى لك لا ينفك يدعو كما دعا حمامًا بأجراع العقيق حمام
إذا هملت عيني له قال صاحبي: بمثلك هذا فتنة وغرام
وقال البحتري:
وقفنا فلا الأطلال ردت إجابة ولا العذل أجدى في المشوق المخاطب
وما انفك رسم الدار حتى تهللت دموعي، وحتى أكثر اللوم صاحبي
تمادت عقابيل الهوى وتطاولت لجاجة معتوب عليه وعاتب
وقال زهير:
أمن آل سلمى عرفت الطلولا بذي حرض ماثلات مثولا
بلين وتحسب آياتهم (م) عن فرط حولين رقا محيلا
وقال أبو تمام:
أأطلال هند ساء ما اعتضت من هند أقايضت حور العين بالعين والربد
فلا دمع ما لم يجر في إثره دم ولا وجد ما لم تعي عن صفة الوجد
وقال أيضًا:
قف بالطلول الدارسات علاثا أضحى حبال قطينهن رثاثا
فتأبدت من كل مخطفة الحشا غيداء تُكسى يارقًا ورعاثا
وقال أبو نواس:
[ ٣٢ ]
لمن طلل عافى المحل دفين عفا آيه إلا خوالد جون
كما اقترنت عند المساء حمائم غريبات ممسى ما لهن وكون
ديار التي أما جنى رشفاتها=فيحلوا، وأما مسها فيلين وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
متى أسل عن سعدى يهجني لذكرها حمائم أو أطلال دار مواثل
أضر بها الأنواء والريح والندى وغير مغناها الضحى والأصائل
وقال أيضًا:
عزة أطلال أبت أن تكلما تهيج مغانيها الطروب المتيما
كأن الرياح الذاريات عشية بأطلالها ينسجن ريطًا مسهما
أبت وأبى وجدي بعزة إذ نأت على عدواء الدار أن يتصرما
وقال أيضًا:
أهاجك من سعدى الغداة طلول بذي الطلح عامي ومحيل
وما هاجه من منزل لعبت به لهوجاء مرقال العشي ذيول
بما قد ترى سُعدى به وكأنها طلًا راشحٌ للبارحات خذول
وقال أيضًا:
ألم تربع فتخبرك الطلول ببينة رسمها عاف محيل
تحمل أهلها وجرى عليها رياح الصيف والسرب الهطول
تحن بها الدبور إذا أربت كما حنت مولهة ثكول
وقال الحادرة، واسمه قطبة بن أوس:
لعمرة بين الأخشبين طلول تقادم منها مشهر ومحيل
وقفت بها حتى تعالى بي الضحى لأخبر عنها إنني لسؤول
وقال أبو نصر الخيشي:
أطيل وقوفي في الطلول كأنما تخلف خلفي صاحب أتأناه
ومن شيم العشاق في مذهب الهوى وقوفهم في الربع أقفر مغناه
وقال عمر بن أبي ربيعة:
هل تعرف الدار والأطلال والدمنا زدن الفؤاد على علاته حزنا
دار لأسماء إذ كنا نحل بها وأنت إذ ذاك قد كانت لكم وطنا
وقال أبو الوليد عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:
بأطلال دار من عميرة عرج كوشي اليماني برده غير منهج
أقامت على الأنواء يسحقن تربها وتنسجها الأرواح من كل منسج
أراني على شيب القذال متى أقف بأطلال دار من عميرة أنشج
وقال كثير بن عبد الرحمن:
أأطلال سُعدى باللوى تتعهد أقامت على الإقواء أم تتجدد
وبين التراقي واللهاة حرارة مكان الشجى ما تستقر فتبرد
وقلت لماء العين: أمعن لعله بما لا يرى من غائب الوجد يشهد
ولم أر مثل العين ضنت بمائها علي، ولا مثلي على الدمع يحسد
وقال ذو الرمة غيلان:
خليلي عوجا عوجة ناقتيكما على طلل بين القلات وسارع
وقفنا فقلنا: إيه عن أم سالم وما بال تكليم الديار البلاقع
فما كلمتنا دارها غير أنها ثنت هاجسات من خبال مراجع
خلت غير آجال الصريم وقد ترى بها وضح اللبات حور المدامع
قيل: دخل بشار بن برد على عقبة بن سلم، فأنشده بعض مدائحه فيه، وعنده عقبة بن رؤبة بن العجاج، فأنشده عقبة بن رؤبة رجزًا يمدحه به، فشيعه بشار، وجعل يستحسن ما قال، إلى أن فرغ، ثم أقبل على بشار، فقال: هذا طراز لا تحسنه أنت يا أبا معاذ، فقال بشار: ألى يقال مثل هذا؟! والله لأنا أرجز منك ومن أبيك ومن جدك، فقال له عقبة: أنا - والله - وأبي وجدي فتحنا للناس باب الغريب وباب الرجز، وإني لخليق أن أسده عليهم، فقال له بشار: ارحمهم رحمك الله، فقال عقبة، أتستخف بي يا أبا معاذ وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟ فقال له بشار: فأنت إذن من الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرًا. ثم خرج [من عنده] عقبة مغضبًا، فلما كان من غد غدا بشار على عقبة بن سلم، وعنده عقبة ابن رؤبة فأنشده أرجوزته - التي مدحه فيها -:
يا طلل الحي بذات الصمد بالله خبر كيف كنت بعدي؟
أحسست من دعد وترب دعد سقيًا لأسماء ابنة الأشد
قامت تراءي إذ رأتني وحدي كالشمس بين الزبرج المنقد
صدت بخد وجلت عن خد ثم انثنت كالنفس المرتد
عهدًا لها سقيًا له من عهد تخلف وعدًا أو تفى بوعد
فنحن من جهد الهوى في جهد
ويقول فيها:
وافق حظًا من سعى بجد ما ضر أهل النوك ضعف الكد
الحر يلحي والعصا للعبد وليس للملحف مثل الرد
[ ٣٣ ]
والنصف يكفيك من التعدي وصاحب كالدمل الممد
حملته في رقعة من جلدي أرقب منه مثل حمى الورد
حتى مضى غير فقيد الفقد وما درى ما رغبتي من زهدي
ومدح فقال:
واسلم وحييت أبا الملد مفتاح باب الحدب المنسد
مشترك النبل ورى الزند أغر لباسًا ثياب المجد
والأرجوزة طويلة، فطرب عقبة بن سلم وأجزل صلته، وقام عقبة بن رؤبة فخرج عن المجلس بخزي، وهرب من تحت ليلته [فلم يعد إليه] .