قال البحتري:
إذا نلت في أرض معاشًا وإن نأت فلا تكثرن فيها نزاعًا إلى الوطن
فما هي إلا بلدة مثل بلدة=وخيرهما ما كان عونًا على الزمن وقال أيضًا:
كم مشرق لي قد نقلت نواله فجعلته لي عدة للمغرب
وأحب أوطان البلاد إلى الفتى أرض ينال بها كريم المكسب
وقال آخر:
لا يصرفنك عن عزم تهم به نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد أنت ساكنها أرضًا بأرض وإخوانا بإخوان
وقال آخر:
قلقل ركابك في الفلا ودع الغواني في القصور
فمحالفو أوطانهم كشبيه سكان القبور
لولا التغرب ما ارتقى=در البحور إلى النحور وقال آخر:
لأرحلن المطايا رحلة عجبًا يكون أدنى مداها الصين أو عدن
فكل خل إذا صافيته سكن وكل أرض إذا أحمدتها وطن
وقال الشريف المرتضى ﵀:
وملوح الخدين تحمله أبدًا على أعناقها السبل
ناب عن الأوطان فهو متى ظفرت به الأوطان يرتحل
ترك البلاد لمن أقام بها وتقطعت عن عيسه العقل
يسعى إلى العلياء يحرزها سعيًا تحامى وقعة الزلل
وإذا الفتى كتب النجاء له فالكلم يعفو والأذى جلل
وقال الشيخ أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
يا لهف نفسي على أني رجعت إلى أرض الشآم ولم أهلك ببغداذا
إذا رأيت أمورًا لا توافقني قلت: الإياب إلى الأوطان أدى ذا
وقال جدي الأمير سديد الملك ذو المناقب أبو الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵀:
ولست بمحيار العزيمة إن جرت عليه رياح الخطب وهي زعازع
يكر إلى الأوطان طرفًا موزعًا يلين لها طورًا وطورًا يمانع
إذا ساف من تلقائها الريح لم يزل له نفس في إثرها متتابع
أبى ذاك نفس لا يداني عقالها ثواء، ولا تقضي عليها المطامع
وقال أيضًا:
لله ما طيف ألم بفتية تحنو رؤوسهم على الأكوار
يطوى بهم عرض الفلاة مسربل حلل الثناء ممزق الأطمار
لا تلفت الأوطان عزمته ولا يهدي الحنين إلى رسوم الدار
وقال آخر:
وقارعتني صروف الدهر فانكشف طخياؤها عن كريم الأصل والغصن
عن ابن ليل كنجم الليل همته مشيع القلب لا يلوي على وطن
وأي حر إلى الأوطان ملتفت إذا ألح عليه الدهر بالمحن
أينفع الظامئ الملهوف موقفه وقد فنى الماء بين الحوض والعطن؟!
مسدد العزم إن نابته نائبة فما يقيم على ربع ولا سكن
وقال آخر:
قوض خيامك عن أرض تهان بها وجانب الذل إن الذل يجتنب
وارحل إذا كانت الأوطان نابية فالمندل الرطب في أوطانه حطب
وقلت - وأنا بمصر -:
يا مصر ما درت في وهمي ولا خلدي ولا أجالتك خلواتي بأفكاري
ما أنت أول أرض مس تربتها جلدي ولا فيك أوطاني وأوطاري
[ ٥٥ ]
لكن إذا حمت الأقدار كان لها قوى تؤلف بين الماء والنار
وقال آخر:
ترى الذي اتخذ الدنيا له وطنًا لم يدر أن المنايا عنه تزعجه
من كان يعلم أن الموت مدرجه والقبر منزله، والبعث مخرجه
وأنه بين جنات ستبهجه يوم القيامة، أو نار ستنضجه
فكل شيء سوى التقوى به سمج وما أقام عليه فهو أسمجه
وقال آخر:
من الخراب من الأوطان أوطاني وقد مضى لي في العمران عمران
قد لمت أول من يثني عناني عن سبل الهوى وزجرت الثاني الثاني
في مجلس تبهج الرائين رؤيته ولي قرينان من حلوان حلوان
لا يحضران امرءًا عندي بمنقصة ولا إذا جادت الكفان كفاني
لكن يكدر عيشي بعد ذي هيف إدمانه الخطر بالأردان أرداني
تقول ألحاظه: أنظر، فقد ضمنت أشباه ما ضمت الأجفان أجفاني
جفا، وما كان يجفوني وغادرني=ميتًا، ولو شاء في الأحيان أحياني
والحين أبعد عن مأواي مسكنه ولو تقاربت الداران داراني
وحاسد غره بعدي فأسخطني ولو تجاورت الأرضان أرضاني
كم قد وري من حسود ما يعاين من فضلي، وكم قد شجى من شأني شاني