عن الزبير بن العوام - ﵁ - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فحيث وجدت خيرًا فأقم، واتق الله تعالى".
وقال بزرجمهر: "إنما يستطيع الرحيل عن بلد من استطاع المقام به".
وقال عيسى بن علي الموصلي:
ما ذممت المقام في بلد قط (م) فعاتبته بغير الرحيل
[ ٥٨ ]
إن تلقاني الزمان بمكرو هـ تلقيته بصبر جميل
وقال المتلمس، واسمه جرير بن عبد المسيح:
إن الهوان حمار البيت يعرفه والحر ينكره والرسلة الأجد
[الرسلة]: الناقة السهلة
وفي البلاد إذا ما خفت نائرة مشهورة عن ولاة السوء منتفد
[النائرة]: ما تنفر منه، والنوار: النفور.
إن الدنية لا يرضى بها أحد إلا الأذلان: عير السوء والوتد
هذا على الخسف محبوسًا برمته وذا يشج وما يبكي له أحد
وقال أيضًا:
إن العراق وأهله كانوا الهوى فإنما نبا بك ودهم فليبعد
فلتتركنهم بليل ناقتي تذر السماك وتهتدي بالفرقد
لبلاد قوم لا يرام هديهم وهدى قوم آخرين هو الردى
الهدى: الجار، يعرض بعمرو بن هند، وطرفة بن العبد.
وقال الحارث (؟)
قالت سليمى قد غنيت فتى فاليوم لا تصمى ولا تنمى
الموت تخشى أن توافقه والموت يدرك آبد العصم
قوض خيامك والتمس بلدًا ينأى عن الغاشيك بالظلم
وقال آخر:
وكل البلاد بلاد الفتى وما بينه وبلاد نسب
إذا بلد بك يومًا نبا فلا تخلدن به واغترب
وقال زياد بن منقذ بن عمرو بن عبد الله:
لا حبذا أنت يا صنعاء من بلد ولا شعوب هوى منا ولا نقم
ولا أحب بلادًا قد رأيت بها عنسًا، ولا بلدًا حلت به قدم
"شعوب، ونقم وعنس وقدم: قبائل من اليمن، ومن عنس عمار بن ياسر - ﵁ - صاحب رسول الله ﷺ، ولم يشهد أحد من المسلمين بدرًا أبواه مؤمنان غيره، ومنهم الأسود العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة".
إذا سقى الله أرضًا صوب غادية فلا سقاهن إلا النار تضطرم
وحبذا حين تمسي الريح باردة وادي أشى وفتيان به هضم
"وادي أشى بالمدينة"
الموسعون إذا ما جر غرهم على العشيرة، والكافون ما جرموا
والمعطمون إذا هبت شآمية وباكر الحي من صرادها صرم
هم البحور عطاء حين تسألهم وفي اللقاء إذا تلقى بهم بهم
وهم إذا الخيل جالوا في كواثبها فوارس الخيل لا ميل ولا قزم
لم ألق بعدهم حيًا فأخبرهم إلا يزيدهم حبًا إلى هم
وقال المتنبي:
شر البلاد بلاد لا صديق بها وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
وشر ما قنصته راحتي قنص شهب البزاة سواء فيه والرخم
وقال أيضًا:
بلاد إذا زار الحسان بغيرها حصى أرضها نقينه للمخانق
وما بلد الإنسان غير الموافق ولا أهله الأدنون غير الأصادق
وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
تذكرت من ماء العواصم شربة وزرق العوالي دون زرق جمامه
وكم بين ريف الشام والكرخ منهل موارده ممزوجة بسمامه
يمر به رأد الضحى متنكرًا مخافة أن يغتاله بقتامه
بلاد يضل النجم فيها سبيله ويثنى دجاها طيفها عن لمامه
وقال المتنبي:
إذا صديق نكرت جانبه لم تعينى في فراقه الحيل
في سعة الخافقين مضطرب وفي بلاد من أختها بدل
وقال مهيار:
فمالي أقمح ملح الميا هـ وإذا كنت أشرب من أدمعي؟!
ويرتاح وجهي لبرد النس يم ونار الخصاصة في أضلعي
وهل قابلي بلد أن أقيم وقد خط في غيره مضجعي؟!
وقال أيضًا:
لله مر الأباء أعوزه من جانب الذل عزه فنبا
وما مقام الكريم في بلد ينفق فيه الحياء والأدبا؟!
وقلت:
سر عن بلادهم فقد سئمت بها عيسى محول معرسي ومناخي
ودع الأماني إنها غرارة ووعودها للراغبين أواخ
ما عندها للواثقين بنيلها إلا المطال بموعد متراخ
وقال البسي:
ذرني أسر في البلاد مبتغيًا فضل ثراء إن لم يفر زانا
فنيذق النطع وهو أحقر ما في هـ إذا ساء صار فرزانا
وقال أعرابي:
رمى الفقر بالفتيان حتى كأنهم بأطراف آفاق البلاد نجوم
وإن امرأ لم يقفر العام بيته ولم يتجدد لحمه للئيم
وقلت من قصيدة:
[ ٥٩ ]
أظن العدى أن ارتحالي ضائري ضلالًا لما ظنوا، وهل يكسد التبر؟
ما زادني بعدي سوى بعد همة كما زاد نورا في تباعده البدر
وهل في ارتحالي عن بلاد تنكرت لمثلي أو للساكنين بها فخر؟!
وإن بلادًا ضاق عني فضاؤها لأرحب من أكنافها للعلى فتر
وأرضًا نبت بي وهي آهلة الربى هي القفر، لا، بل دون وحشتها القفر
وهل ينكر الأعداء فضلى وإنه لأسير ذكرًا أن يواريه الكفر؟
ألست الذي مازال كهلًا ويافعًا له المكرمات الغر، والنائل الغمر؟
وخائض وقعات بوارقها الظبى ووابل هاتيك البروق دم همر؟
يهول الردى منى تقحمي الردى=ويعتاده من جأشي الرابط الذعر وقال آخر:
بلاد جفاني الناصحون وملني صديقي، ولمن يحفل بذلك عودي
ولكن بلاد لو مرضت لعادني أوانس يكحلن العيون بإثمد
أوانس يشفين السقيم ملاحة وحسن حديث كالجمان المنضد
ولله قوم لم أفارقهم قلى كرام أولو عز وفخر وسؤدد
قال أبو عبد الله إبراهيم نفطويه: أنشدنا أحمد بن يحيى، النحوي لرجل من العرب كان أبوه يمنعه الاضطراب في المعيشة شفقة عليه:
ألا خلني أذهب لشأني ولا أكن على الناس كلًا، إن ذاك شديد
أرى الضرب في البلدان يغني معاشرًا ولم أر من أجدى عليه قعود
أتمنعني خوف المنايا ولم أكن لأهرب مما ليس منه محيد؟
فدعني أجول في البلاد لعلني أسر صديقًا أو يساء حسود
فلو كنت ذا مال لقرب مجلسي وقيل إذا أخطأت: أنت سديد
وقال آخر:
سقيت أيافث من بلاد صوب الروائح والغوادي
كم قد تروت هامتي فيها وعول من وسادي
دعني لسبل غوايتي والزم سبيلك للرشاد
مرت بي هذه الأبيات في خبر أنا مورده لاستغرابي إياه، وإن لم يكن مما يقتضيه التأليف، والعهدة فيه على من رواه، وهو: عن ابن الكلبي عن أبيه عن أشياخ من أهل ذمار - من أهل اليمن - أنه سمعهم يخبرون عن رجل من حمير من ذي الكلاع - وكان رجلًا جلدًا شجاعًا يركب الأهوال، وينفرد في الأسفار يقال له: تحياوة بن عمير - قال: خرجت أريد حضرموت، فبت في بعض المفاوز بقراب روضة غناء في ليلة مقمرة، نمت أول الليل، ثم أيقظني حس فانتبهت، فإذا فتيان قريب مني قد جلسوا على شراب لهم، فأنكرت ذلك في نفسي، وقلت: والله ما يقرب من هذا الموضع قرية ولا ماء ولا حلة، فما هؤلاء؟ ثم نمت، فأقبل واحد منهم، فحركني برجله، فأنبهني، فقلت: ما تشاء؟ فقال: إنك قد نزلت بنا، ووجب علينا ذمامك، فقم بنا تصب من طعامنا وشرابنا. فقلت: أما الطعام فلا حاجة لي به، قال: فقم إلى الشراب إذن، فقمت فاستوثقت من عقال جملي، وأخذ سيفي ومضيت معه، فإذا فتيان تسعة، كأنهم الأقمار، فحيوا فرحبوا، فإذا بين أيديهم جفنة فيها شراب كدم الخشف تسطع منه رائحة المسك، فتناول فتى منهم قعبًا، فاغترف من الجفنة، فعب فيه حتى أتى على آخره، ثم قام، فأدار على القوم حتى صار إلي، فناولني القعب، فعببت فيه، ثم رددت إليه بعضه، فقال: اشرب، فشربت حتى أتيت على آخره، ثم قالوا للذي سقاهم: تغن يا تُحى، فرفع عقيرته وهو يقول:
ألا يا وادي العلجان أبشر ببارقة على وادي الغميم
لعل مصابها يدنى نوانا على عدوائه لنوى رميم
فشدا - والله - شدوا ما سمعت مثله حسنًا ولا صوابًا، فقلت له: يا أخي من يقول هذا الشعر؟ فقال: أنا والله قلته على لسان جذيمة المصطلق الذي منهم جويرية بنت الحارث زوج النبي ﷺ، فاستوحشت من قوله.
ثم قالوا لآخر: قم يا مسعر، فقام، ففعل كفعل الأول، حتى سقى القوم، ثم قالوا له: تغن، فقال:
تألق والدحى ملقى الجران بريق بين صاحة فالعران
كأن وميضه لمعان كف مخاطبة
على هول
الجنان
فكان غناؤه كغناء صاحبه وأحسن، فقلت: من يقول هذا يا أخي؟ فقال: أنا والله قلته على لسان علس ذي جدن.
ثم قالوا لآخر: قم يا مقروم، فقام، ففعل كفعل أصحابه، ثم قالوا له: غننا، فقال:
أبرزت من خلل البر د بنانًا كاللجين
[ ٦٠ ]
ورنت والعين تذرى كالئًا ترنو بعين
م قالت لفتي ات كآرام الرهين:
إنما يستمطر الجو د بكفي ذي رعين
فقلت له: من يقول هذا يا أخي؟ قال: أنا والله قلته على لسان روضة قينة ذي رعين، فقالوا له: زدنا، وما استزادوا غيره، فقال:
سفرت عن مثل قر ن الشمس في الليل البهيم
في جوار قد سلبن اللح ظ أطلاء الصريم
ثم قالوا لآخر: قم يا دلهم، ففعل كفعل أصحابه، ثم تغنى:
طيف تأوب من سعاد حتى اجتنى ثمر الفؤاد
ولبئسما متبدل طيف السهاد من الرقاد
فقلت: من يقول هذا يا أخي؟ قال: أنا والله قلته على لسان نظام قينة ياسر المنعم. ثم قالوا: قم يا ملدم، فقام ففعل كفعل أصحابه، ثم تغنى:
نذرت حماتك يا أما م دمي. ودون مرامه
دهم تفض جماجم ال أقوام تحت قتامه
إن يحجبوك تزره طي فك طارقات منامه
فاستخفهم الطرب، فقاموا يصارع بعضهم بعضًا، ثم عادوا إلى مجلسهم، ثم قالوا: قم يا عرقال، قال: فقام، ففعل كفعل أصحابه، ثم تغنى:
ضنت برجع سلامها هند أهو الدلال بها أم الصد؟!
إن لم يكن نيل أعيش به فالوعد، ليس يئودك الوعد
قال: فقام القوم، فجعل الرجل منهم يثب، فيجعل قدميه على منكبي صاحبه، ويثب الثاني على الآخر. هكذا حتى يصيروا كالنخلة السحوق، ثم يسقط بعضهم على بعض وهم يتضاحكون، ثم قالوا: قم يا عفير، فقام. ففعل كفعل أصحابه، ثم تغنى:
سقيت أيافث من بلاد صوب الروائح والغوادي
كم قد تروت هامتي فيها وعول من وسادي
دعني لسبل غوايتي والزم سبيلك للرشاد
ثم قالوا: قم يا معتر، فقام ففعل كفعل أصحابه، ثم تغنى:
إن المدامة غادرت ثوبي قد ثقلا عليا
فأصب بمائك قلبها وابعث بمهجتها إليا
واحى اللذاذة بالمدا م وشربها مادمت حيًا
ثم قالوا: عم ظلامًا، فما رأينا إنسيًا أصلب قلبًا منك، وغابوا، فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس، فقلت: والله لقد تلاعبت بي الجنان في ليلتي هذه، وآليت على نفسي لا سرت بعدها مسيرًا إلا في رفقة.