قال زهير بن أبي سلمى، واسمه ربيعة بن رزاح المزني:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم بحومانة الدراج فالمتثلم
ديار لها بالرقمتين كأنها مراجع وشم في نواشر معصم
[ ٣٨ ]
[النواشر]: عصب الذراع
بها العين والآرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
وقفت بها من بعد عشرين حجة فلايا عرفت الدار بعد توهم
فلما عرفت الدار قلت لربعها: ألا انعم صباحًا أيها الربع واسلم
وقال النابغة الذبياني:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ماذا تحيون من نؤى وأحجار
أقوى وأقفر من نعم وغيرها هوج الرياح بهابي الترب موار
وقفت فيها سراة اليوم أسألها عن آل نعم أمونًا عبر أسفار
فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا والدار لو كلمتنا ذات أخبار
وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
أهاجك مغنى دمنة ومساكن خلت وعفاها المعصرات السوافن
(السوافن): أراد السوافي
ديار ابنة السعدي إذ عقد حبلها متين، وإذ معروفها لك عاهن
(عاهن): حاضر
وما زلت في ليلى لدن طرشاربي إلى اليوم أطفئ إحنة وأداجن
وأحمل في ليلى لقوم ضغينة وتحمل في ليلى على الضغائن
وقال ذو الرمة:
تحن إلى مي كما حن نازع دعاه الهوى فارتد في قيده قسرا
فقلت: أربعًا يا صاحبي بدمنة بذي الرمث قد أقوت منازلها عصرا
أرشت بها عيناك حتى كأنما يحلان من سفح الدموع بها نذرا
ولا مي إلا أن تزور بمشرف أو الزرق من أطلالها دمنًا قفرا
وقال أيضًا:
أمن دمنة بين القلات وشارع تصابيت حتى ظلت العين تدمع
أجل عبرة ظلت إذا ما وزعتها بحلمي أبت منها عوارض تسرع
وما يرجع الوجد الزمان الذي مضى وما للفتى في دمنة الدار مجزع
عشية مالي حيلة غير أنني بلقط الحصى والخط في الدار مولع
أخط وأمحو الخط ثم أعيده بكفي والغربان في الدار وقع
كأن سنانًا فارسيًا أصابني على كبدي، بل لوعة الحب أوجع
ألا ليت أيام القلات وشارع رجعن لنا، ثم انقضى العيش أجمع
وقال أيضًا:
أمن دمنة بالجو جو جلاجل زميلك منهل الدموع جزوع؟
عصيت الهوى يوم القلات وإنني لداعي الهوى يوم النقا لسميع
أربت به هوجاء تستدرج الصبا مفرقة تذرى التراب جموع
أراجعة يا مي أيامنا الألى بذي الرمث، أم لا مالهن رجوع؟
ولو لم يهجني الظاعنون لهاجني حمائم ورق في الديار وقوع
تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوى نوائح لم تذرف لهن دموع
وقال كثير بن عبد الرحمن:
سقى دمنتين لم نجد لهما مثلا بحقل لكم يا عز قد زانتا حقلا
نجاء الثريا كل آخر ليلة تجودهما جودًا وتردفهما وبلا
إذا شحطت دار لعزة لم أجد لها في الألى يلحين في وصلها مثلا
فيا ليت شعري والحوادث جمة متى تجمع الأيام يومًا بها شملا؟
وقال أرطاة بن كعب بن قعين:
يا دارة السلم التي شرقيها دمن يظل حمامها يبكينا
ما كنت أول من تفرق شمله ورأى الغداة من الفراق يقينا
وقال ذو الرمة غيلان:
خليلي عوجا حييا رسم دمنة محتها الصبا بعدي وطارت خيامها
هل الدار إن عجنا لك الخير
ناطق
بحاجتنا أطلالها وثمامها؟!
ألا لا، ولكن عائد الشوق هاجه عليك طلول قد أحال مقامها
منازل من مي بوهبين جادها أهاضيب طل دجنها واتمهامها
وقال أحمر بن الأيهم التغلبي:
ألمم على دمن تقادم عهدها بالجزع واستلب الزمان جمالها
رسم لقاتلة الغرانق ما به إلا الوحوش خلت له وخلا لها
ظلت تسائل بالمتيم أهله وهي التي فعلت به أفعالها
وقال البحتري:
دمن لزينب قبل تشريد النوى من ذي الأراك بزينب ولعوب
تأبى المنازل أن تجيب ومن جوى يوم الديار دعوت غير مجيب
فسقى الغضى والساكنيه وإن هم شبوه بين جوانح وقلوب
قال أبو الفرج الأصبهاني: لما قال علي بن أحمد بن أبي أمية الكاتب:
يا ريح ما تصنعين بالدمن كم لك من محو منظر حسن
محوت آثارنا وأحدثت آ ثارًا بربع الحبيب لم تكن
[ ٣٩ ]
إن تك يا ربع قد بليت من الر يح، فإني بال من الحزن
قد كان يا ربع فيك لي سكن فصرت مذبان بعده سكني
شبهت ما أبلت الرياح من آثار حبيبي النائي إلى بدني
حاشاك يا ريح أن تكوني على ال عاشق عونًا لحادث الزمن
كثر الناس فيه، وتداولوه، وغني فيه عمرو الغوال، فقال أبو موسى الأعمى:
يا رب خذني، وخذ عليًا، وخذ "يا ريح ما تصنعين بالدمن"
عجل إلى النار بالثلاثة والرا بع عمرو الغوال في قرن
وقال عمر بن شأس:
متى تعرف العينان أطلال دمنة لليلى بأعلى ذي معارك تدمعا
على النحر والسربال حتى تبله سجوم، ولم تجزع إلى الدار مجزعا
خليلي عوجًا اليوم نقض لبانة وإلا تعوجا اليوم لا ننطلق معا
قال أبو عمرو: كان بيهس بن صهيب بن عامر بن عبد الله بن نائل يهوى امرأة من قومه يقال لها: "صفراء" وكان يتحدث إليها، ويجلس في بيتها، ويكثر وجده بها، ولا يظهره لأحد، ولا يخطبها إلى أبيها، لأنه كان صعلوكًا لا مال له، وكان ينتظر أن يثرى، وكان شاعرًا شجاعًا، له مواقف مشهورة، وكان من أحسن الشباب وجهًا وشارة، وحديثًا، وشعرًا، فكان نساء الحي يتعرضن له، يجلسن إليه، ويتحدثن معه، فمرت به صفراء، فرأته جالسًا مع فتاة منهن، فهجرته زمانًا، لا تجيبه إذا دعاها، ولا تخرج إليه إذا زارها، وعرض له سفر، فخرج فيه، ثم عاد وقد زوجها أبوها رجلًا من بني أسد، فأخرجها وانتقل بها عن ديارهم، فقال بيهس بن صهيب:
سقى دمنة صفراء كانت تحلها نجاء الثريا طلها وذهابها
وجاد عليها كل أسحم هاطل ولا زال مخضرًا مريعًا جنابها
أحب ثرى أرض إلي وإن نأت محلك منها، نبتها وترابها
على أنها غضبى علي وحبذا رضاها إذا ما أرضيت وعتابها
نظرت وقد زال الحمول، ووازنوا بركوة والوادي وحنت ركابها
فقلت لأصحابي: أبا لقرب منهم جرى الطير، أم نادى ببين غرابها!؟
وتوفيت "صفراء" قبل أن يدخل بها زوجها الأسدي، ولبيهس بن صهيب فيها أشعار يرثيها، وقد أوردت أخباره وأشعاره في صفراء في كتابي المترجم بكتاب "أخبار النساء" فاقتصرت على ما ذكرته ههنا من شعر، لما اقتضاه التأليف من ذكر الدمن.
وقال المتنبي:
قف على الدمنتين بالدو من ري ا، كخال في وجنة جنب خال
بطلول كأنهن نجوم في عراص كأنهن ليالي
وقال أبو تمام:
أراك أكبرت إدماني على الدمن وحملي الشوق من باد ومكتمن
لا تكثرن ملامي أن عكفت على ربع الحبيب فلم أعكف على وثن
فما وجدت على الأحشاء أوقد من دمع على وطن لي في سوى وطني
صيرت لي من تباري عبرتي سكنًا مذ صرت فردًا بلا إلف ولا سكن
وقال المتنبي:
ذكر الصبي ومرابع الآرام جلبت حمامي قبل وقت حمامي
دمن تكاثرت الهموم على في عرصاتها، كتكاثر اللوام
وكأن كل سحابة وقفت بها تبكي بعيني عروة بن حزام
ليس القباب على الركاب وإنما هن الحياة ترحلت بسلام
ليت الذي خلق النوى جعل الحصى لخفافهن مفاصلي وعظامي
وقال أبو نواس الحسن بن هانئ:
لمن دمن تزداد طيب نسيم على طول ما أقوت
وحسن رسوم
تجافي البلى عنهن حتى كأنما لبسن على الإقواء ثوب نعيم
وما زال مدلولًا على الربع عاشق أسير لبانات، طليح هموم
يرى الناس أعباء على جفن عينه وإن حل في وادي أخ وحميم
وقال أيضًا:
يا كثير النوح في الدمن لا عليها بل على السكن
سنة العشاق واحدة فإذا أحببت فاستنن
ظن بي من قد كلفت به فهو يجفوني على الظنن
بات لا يعنيه ما لقيت عين ممنوع من الوسن
رشأ لولا ملاحته خلت الدنيا من الفتن
ما بدا إلا استرق له حسنه عبدًا بلا ثمن
وقال البحتري:
أفي كل يوم منك عين ترقرق وقلب على طول التذكر يخفق
على دمنة فيها لأدمانة النقا محاسن أيام تخب وتعنق
[ ٤٠ ]
وقفت فأوقفت الجوى موضع الهوى ليالي عود الدهر ريان مشرق
فحرك بثي ربعها، وهي ساكن وجدد وجدي رسمها وهو مخلق
وقال ابن المولى، وهو محمد بن عبد الله بن المولى، مولى الأنصار - ﵃ -:
وقال خليلي والبكا لي غالب
:
أقاض على هذا البكاو التشوق؟!
وقد طال توقافي أكفكف عبرة على دمنة كادت بها النفس تزهق
وإنسان عيني في دوائر لجة من الماء يبدو تارة ثم يغرق
وقال الشيخ الأمين أبو البركات بن أبي جرادة الحلبي:
الناس لا هون في أماكنهم ونحن في رحلة وفي ظعن
كأننا من متيمي العرب العر باء تهوى المعاج بالدمن
هذان البيتان للشيخ الأمين أبي البركات بن أبي جرادة، وكان أمينًا على خزانة الملك العادل نور الدين، فكان لا يزال معه في سفر، ولم يكن معتادًا لذلك، فتبرم بما هو فيه من الحركة والسفر المستمر في الأخطار والحروب، فكتب إلى أخيه ثقة الملك أبي عبد الله - رحمهما الله - أبياتًا، منها البيتان المقدمة، وأنا ذاكر القطعة بكمالها:
يا ثقتي أنت مشتكى حزني قد فاتني كل مطلب حسن
ما قصرت همتي فأجعلها مظنة الإتهام والظنن
أملت أن أقتنى من المجد والسؤدد ما لا يباع بالثمن
واقتفى سنة الألى درجوا قبلي على واضح من السنن
راغب نفس فيما يزهدني ناعم بال بعيشي الخشن
حيث لا أبتغي مزاحمة الخل ق ولا أشرئب للمنن
ولا يراني امرؤ ألوذ به إلا خليلي في الله أو سكني
هذا الذي رمته فعارضني في كونه عارض من الزمن
أصبح شملي إلى الشتات وأص بحت غريبًا، وما نبا وطني
ولا جفاني أهل الصفاء ولا شربت در الصفاء بالضفن
الناس لا هون في أماكنهم ونحن في رحلة وفي ظعن
كأننا من متيمي العرب العر باء تهوى المعاج بالدمن
لا صبر لي قد خرجت من جلدي وقد سلبت الحصين من جنني
وأسخن اليأس ناظري فما يقر للمطمعات في الرسن
ومج سمعي لغو الحديث فما يطور شيء منه على أذني
وعدت من كل ما أومله أوقل: حسبي بصحة البدن
أي عرى حالة علقت بها وأي شتى قرنت في قرن
جمعت والهفتاه
قلب فتى
يفتر عن هم شارخ يفن
ورتبة في العلاء تتبعها صورة مستبذل وممتهن
مت ونفسي على باقية وضعت والحافظات تحفظني
واخيبة الحاسدين كم منح مغبوطة، وهي أعظم المحن!
يا ليت أني قبل المنية قد غببت في حفرتي وفي كفني
يا ليت ما كان من حياتي إذ ال
أمر على ما أراه
لم يكن!
وقال عروة بن حزام:
ألا يا غرابي دمنة الدار بيننا أبا لهجر من عفراء تنتجيان؟
فإن كان حقًا ما تقولان فانهضا بحلمي إلى وكريكما فكلاني
فعفراء أصفى الناس عندي مودة وعفراء عني المعرض المتواني
فوالله ما حدثت سرك صاحبًا نصيحًا، ولا فاهت به الشفتان
سوى أنني قد قلت يومًا لصاحبي ضحى، وقلوصانا بنا تخدان
:
ألا حبذا من حب عفراء ملتقى نعام، وبرك، حيث يلتقيان
وقال أبو وجزة السعدي:
لمن دمنة بالنعف عاف صعيدها تغير باقيها ومح جديدها
لسعدة في عام الهريمة إذ بنا تصاف، وإذ لما يرعنا صدودها
وإذ هي أما نفسها فأريبة للهو، وأما عن صبي فتذودها
تصيد ألباب الرجال بدلها وشيمتها وحشية لا نصيدها
كباسقة الوسمي ساعة أسبلت تلألأ فيها البرق وابيض جيدها
وقال الشريف المرتضى ﵁:
فإما شئتما أن تسعداني فمرا بين على الدمن البوالي
خرسن، فلو ملكن النطق يومًا شكون إليك من جنف الليالي
وقال أيضًا:
فيا دمنة الحي الذين تحملوا بوادي الغضى ماذا ألم بنا منك؟
خشعت فلا عين تراك لناظر دثورًا، ولا نطق يخبرنا عنك
[ ٤١ ]
وأذكرها والشيب يضحك ثغره بلماتنا عهد الشبيبة والفتك
ليالي لا حلم لذي الحلم والنهى هناك، ولا نسك يصاب لذي نسك
وقال لقيط بن زرارة:
لمن دمنة أقفرت بالجناب إلى السفح بين الملا فالهضاب
بكيت لعرفان آياتها وهاج لك الشوق نعب الغراب
وقال أشجع بن عمرو السلمي:
دمن إذا اشتثبت عينك عهدها رجعت إليك بنظرة المتوسم
فتكت بها سنتان يعتورانها بالعاصفات وكل أسحم مرزم
وقال مهيار:
رحلوا بأيامي الرقاق على آثارهم، وبعيشي السهل
وعكفت بعدهم على ضمن عرف البلى فبلى كما يبلى
جسدي، ودمنته بما نحلا يتشاكيان تصدع الشمل
مغنى وضعنا أمس من شعف سافي ثراه مواضع الكحل