السابق إلى بكاء المنازل امرؤ القيس بن حجر - واسمه حندج، والحندجة: القطعة الصغيرة من الرمل - بقوله:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح، فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجته من جنوب وشمأل
وقوفًا بها صحبي على مطيهم يقولون: لا تهلك أسى وتجمل
وإن شفائي عبرة لو سفحتها فهل عند رسم دارس من معول؟
وقال النابغة الذبياني - وهو زياد بن معاوية -:
دعاك الهوى واستجهلتك المنازل وكيف تصابي المرء والشيب شامل
وقفت بربع الدار قد غير البلى معالمها، والساريات الهواطل
أسائل عن سعدي، وقد مر دونها على حجرات الدار سبع كوامل
وقال جرير بن عطية:
قل للمنازل من أثيلة تنطق بالجزع جزع القرن لما تخلق
حييت من طلل تقادم عهده وسقيت من صوب الغمام المغدق
وقال أرطأة بن سهية - وسهية أمه، وأبوه زفر بن عبد الله بن مالك بن شداد -:
ومن عجب الأيام أن كل منزل لو جرة من أكناف رمان دارس
طلاب بعيد، واختلاف من النوى إذا ما أتى من دون وجرة فارس
وقد طال ما عشنا جميعًا وودنا جميع إلى من يبتغي الأنس آنس
وقال أبو حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع:
لعل الهوى إن أنت حييت منزلًا بأكياب مرتد عليك عقابله
(أكياب): موضع.
فلما سألت الربع أين تيممت نوى الحي لم ينطق، وضلل سائله
وكنت إذ خبرت أن مكلفًا بكى أو تعناه عداد يماطله
من الحب، عنفت المحب، فقد بكى فؤادي حتى أسلمته عواذله
كأن فؤادي طائر في حبالةٍ=رأى غيه لما اعتقته حبائله
يا برق طالع منزلًا بالأبرق واحد السحاب له حداء الأينق
دمن لوت عزم الفؤاد ومزقت فيها دموع العين كل ممزق
وقال المتنبي:
لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت، وهن منك أواهل
يعلمن ذاك، وما علمت، وإنما أولاكما ببكًا عليه العاقل
وأنا الذي جلب المنية طرفه=فمن المطالب، والقتيل القائل؟! تخلو الديار من الظباء؛ وعنده=من كل تابعة خيال خاذل وقال البحتري:
سقم دون أعين ذات سقم وعذاب دون الثنايا العذاب
وكمثل الأحباب، لو يعلم العاذل، عندي منازل الأحباب
وقال ابن زريق الكاتب:
بالله يا منزل اللهو الذي درست آياته، وعفت مذ بنت أربعه
هل الزمان معيد فيك لذتنا أم الليالي التي أمضته ترجعه؟!
في ذمة الله من أصبحت منزله وجاد غيث على مرباك ممرعه
من عنده لي عهد لم يضعه كما عندي له عهد صدق لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكره، وإذا جرى على قلبه ذكرى يصدعه
استودع الله في بغداد لي قمرًا بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودي أن يودعني روح الحياة، وأني لا أودعه
كم قد تشفع في ألا أفارقه وللضرورة حال لا تشفعه
[ ٨ ]
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى وأدمعي مستهلات وأدمعه
لا أكذب الله: ثوب الصبر منخرق عني لفرقته لكن أرقعه
وقال آخر:
تطوى المنازل عن حبيبك دائبًا وتظل تبكيه بدمع ساجم
ألا أقمت ولو على جمر الغضا قلبت، أو حد الحسام الصارم
كذبتك نفسك، لست من أهل الهوى تشكو الفراق وأنت عين الظالم
وقالت امرأة من كلب:
سقى الله المنازل بين شرج وبين نواظر ديمًا رهاما
فلو أنا نطاع إذا أمرنا أطلنا في ديارهم المقاما
فإني لا أنى ما عشت أهدى لها ولمن يحل بها السلاما
وما يغني السلام إذا نزلنا لوى لامٍ، ألام الله لاما
وقال إسماعيل بن يسار مولى قريش:
ما على رسم منزل بالجناب لو أبان الغداة رجع الجواب
غيرته الصبا، وكل ملثٍ دائم الودق مكفهر السحاب
دار هند، وهل زمان بهند عائد بالهوى وصفو الجناب؟!
صاح أبصرت أو سمعت براع رد في الضرع ما مرى في الحلاب؟
أقصرت شرتي، وولى شبابي واستراحت عواذلي من عتابي
وقال جميل بن معمر العذري:
إن المنازل هيجت إطرابي واستعجمت آياتها بجوابي
قفرًا تلوح بذي اللحين كأنها أنضاء وشم، أو سطور كتاب
لما وقفت بها القلوص تبادرت مني الدموع لفرقة الأحباب
وذكرت عصرًا يا بثينة شفني إذ فاتني، وذكرت شرخ شبابي
وقال الشريف الرضي ﵀:
أيا منازل سلمى أين سلماك من أجلها إذ أتيناها أتيناك
زرناك شوقًا، ولو أن النوى بسطت عرض الفلاة لنا جمرا لزرناك
وقال أبو الصفي رفاعة بن عاصم الثقفي:
أمنزلتي ثبجاء من بطن واسط إلى ذي الأراطي، كيف حالكما بعدي؟
تتابع أنواء الربيع عليكما=أمالكما بالمالكية من عهد؟ وقال آخر:
سقى الله باب الكرخ من متنزه إلى قصر وضاح، فبركة زلزل
منازل لو أن امرأ القيس حلها لأقصر عن ذكرى حبيب ومنزل
وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
كأن لم تكن سعدى بأحياء غيقة ولم ترى من ليلى بهن منازل
ولم تتربع بالسرير ولم تكن به الصيف خيمات العذيب الظلائل
أبى الصبر عن سُعدى هوىً ذو علاقة ووجد بسُعدى شارك القلب قاتل
وقال جرير بن عطية:
خليلي هيجا عبرة أو قفا بنا على منزل بين البقيعة والحبل
فإني لباقي الدمع أن كنت باكيًا على كل دار حلها مرة أهلي
لعمرك لولا اليأس ما انقطع الهوى ولولا الهوى ما حن من واله قبلي
تريدين أن أرضى، وأنت بخيلة ومن ذا الذي يرضى الاخلاء بالبخل
وقال أيضًا:
حي المنازل بالبردين قد بليت للحي لم يبق منها غير أبلاد
(أبلاد) أي آثار:
ما كدت تعرف هذا الربع غيره مر السنين كما غيرن أجلادي
لقد علمت وما أخبرت عن أحد
أن الهوى بنقا البشرين معتادي
وقال عروة بن الورد:
ألم تعرف منازل أم عمرو بمنعرج النواصف من أبان؟
وقفت بها، ففاض الدمع مني كمنحدر من النظم الجمان
ولكن لن يلبث وصل حي وجدة وجهه مر الزمان
وقال حفص الأموي:
يا منزل الحي بالأجراع من لجب بادت معارفه في سالف الحقب
دار لأسماء إذ كانت تجاورنا والحبل، إذ كان منها غير منقضب
إذا تذكرت أهل الغمر ساعدني=موار دمع على الخدين منسكب
كانوا لنا جيرة حتى تخونهم دهر يفرق بين الجيرة الصقب
وغربتهم نوى عنا مطوحة ومن تغله النوى يشحط ويغترب
جاء الفراق ولم نلبس لبغتته ثوب العزاء، ولم نذهل عن الطرب
فنحن بين شج لم يقض عبرته وبين حران باكي العين منتحب
وقال جميل بن معمر:
أهاجتك المنازل والطلول عفون، وخف منهن الحمول
نعم، وذكرت دنيا قد تقضت وأي نعيم دنيا لا يزول
أسائل دار بثنة أين حلت كأن الدار تفهم ما أقول
وقال الشريف الرضي - ﵁:
[ ٩ ]
يقر بعيني أن أرى لك منزلًا بنعمان يزكو تربه ويطيب
وأرضا بنوار الأقاحي صقيلة تردد فيها شمأل وجنوب
وأي حبيب غيب النأي شخصه وحال زمان دونه وخطوب
تطاولت الأعلام بيني وبينه وأصبح نائي الدار وهو قريب
يقولون: مشغوف الفؤاد مروع ومشغوفة تدعو به فيجيب
عفافي من دون التقية زاجر وصونك من دون الرقيب رقيب
وفي القلب داء في يديك دواؤه ألا رب داء لا يراه طبيب
وقال زهير بن أبي سلمى:
كم للمنازل من عام ومن زمن لآل أسماء بالقفين فالركن
لآل أسماء إذ هام الفؤاد بها حينًا، وإذ هي لم تظعن ولم تبن
وإذ كلانا إذا حانت مفارقة من الديار، طوى كشحًا على حزن
فقلت والدار أحيانًا يشط بها
صرف الأمير على من كان ذا شجن
لصاحبي وقد زال النهار بنا :
هل تؤنسان ببطن الجو من ظعن
يقطعن أميال أجواز الفلاة، كما يغشى النواتي غمار اللج بالسفن
وقال النابغة الذبياني:
أهاجك من أسماء ربع المنازل بروضة نعمى فبرق الأجاول
أربت بها الأرواح حتى كأنما تهادين أعلى تربها بالمناخل
عهدت بها حيا كراما فبدلت خناطيل آرام الظباء المطافل
وقال زهير:
لسلمى بشرقي القنان منازل ورسم بصحراء اللبيين ماثل
أتى عام حلت صيفه وربيعه وعام وعام يتبع العام قابل
تحمل عنها أهلها، وخلت لها سنون، فمنها مستبين وحائل
طربت، وقال القلب: هل دون أهلها لمن جاورت إلا ليال قلائل؟
وقال عدي بن الرقاع:
أتعرف بالصحراء شرقي شابك منازل أعراها الأنيس وملعبا؟!
ظللت أرائيها صحابي، وقد أرى بها أهلها من بين غر وأشيبا
ومحتجبات بالستور، كأنما تجن ستور الخز منهن ربربا
أخطرة شوق في الفؤاد تعرض لتنكأ قلبًا مستهاما معذبا
وقال ذو الرمة غيلان:
خليلي عوجا من صدور الرواحل بجمهور حزوى فابكيا في المنازل
لعل انحدار الدمع يعقب راحة من الوجد أو يشفى نجي البلابل
دعاني، وما داعي الهوى من بلادها إذا ما نأت خرقاء عني
بغافل
وقال أيضًا:
ألا حي المنازل بالسلام على بخل المنازل بالكلام
لمى باللوى درجت عليه رياح الصيف عامًا بعد عام
ألا يا ليتنا يا مي ندري متى نلقاك في عرج اللمام
[يريد بعرج اللمام] اختلاف داريهما.
وقال أيضًا:
أمنزلني مي سلام عليكما على النأي، والنائي يود وينصح
ولازال من نوء السماك عليكما ونوء الثريا وابل متبطح
وإن كنتما قد هجتما راجع الهوى لذي الشوق حتى ظلت العين تسفح
أجل عبرة كادت لعرفان منزل لمية لو لم تسهل الماء تذبح
إذا غير النأي المحبين لم أجد رسيس الهوى من حب مية يبرح
فلا القرب يدني من هواها ملالة ولا حبها إن تنزح الدار ينزح
تصرم أهواء القلوب ولا أرى نصيبك من قلبي لغيرك يمنح
وبعض الهوى بالهجر يمحى فينمحي وحبك عندي يستجد ويربح
وقال ذو الرمة أيضًا:
ألا أيهذا المنزل الدارس اسلم وأسقيت صوب الباكر المتغيم
وإن كنت قد هيجت لي دون صحبتي رسيس هوى من حب مية مسقم
هوى كادت العينان يفرط منهما له سنن مثل الجمان المنظم
أحب المكان القفر من أجل أنني به أتغنى باسمها غير معجم
وقال الحارث بن خالد:
إني وما نحروا غداة منى عند الجمار تئودها العقل
لو بدلت أعلى منازلها سفلًا، وأصبح سفلها يعلو
فيكاد يعرفها الخبير بها فيرده الإقواء والمحل
لعرفت منزلها بما ضمنت مني الضلوع لأهلها قبل
وقال البحتري:
جئنا نحيي من أثيلة منزلًا جددًا معالمه بذي الأنصاب
أدى إلى العهد من عرفانها حتى لكاد يرد رجع جوابي
وقال أيضًا:
[ ١٠ ]
مستهتر بالظاعنين وفيهم صد يسعر لوعة المستهتر
يسل المنازل عنهم، وعلى اللوى دمن دوارس إن تسل لم تخبر
ومن السفاهة أن تظل مكفكفًا=دمعًا على طلل تأبد مقفر وقال أيضًا:
لا زال محتفل الغمام الماطر يهمي على حجرات أهل الحاجر
فلرب نزلة هناك محيلة ومحلة قفر ورسم داثر
أبهت لساكنها النوى وتكشفت عن أهلها سنة الزمان الناظر
ولقد تكون بها الأوانس من مهى ميل القلوب إلى الصبي وجآذر
وقال أبو حية النميري:
طربت وهاجتك المنازل من جن ألا ربما يعتادك الشوق بالحزن
نظت إلى أظعان زينب بالضحى فأعولتها لو أن إعوالها يغني
فوالله لا أنساك زينب ما دعت مطوقة ورقاء شجوا على غصن
وقال الأحوص:
زبيرية بالعرج منها منازل وبالخيف من أدنى منازلها رسم
أسأئل عنها كل ركب لقيته وما لي بها من بعد مكتنا علم
أيا صاحب النخلات من بطن أرثد إلى النخل من ودان ما فعلت نعم؟!
فإن تك حرب بين قومي وقومها فإني لها في كل حادثة سلم
وقال البحتري:
أكثرت في لوم المحب فأقلل وأمرت بالصبر الجميل فأجمل
لم يكفه نأي الأحبة باللوى حتى ثنيت عليه لوم العذل
قسم الصبابة فرقتين: فشوقه للظاعنين، ودمعه للمنزل
متقسم الأحشاء يندب أربعًا متقسمات بالصبا والشمال
خطت على تلك المنازل والربى منهن أعباء الغمام المثقل
وقال أيضًا:
منازل لم نذمم عهد معرسنا فيها، ولا ذم يومًا عهدها فينا
تجرمت عندها أيامنا حججا معدودة وخلت فيها ليالينا
وقال أيضًا:
خذا من بكائي في المنازل أودعا وروحًا على لومي بهن أو أربعا
فما أنا بالمشتاق إن قلت: أسعدا لنندب ربعًا من سعاد ومربعا
ولي لوعة تستغرق الهجر والنوى جميعًا، ودمع ينفد الحب أجمعا
وقال مهيار بن مرزويه الديلمي:
وبالغور للناسين عهدي منزل حنانيك من شات أقام وصائف
أغالط فيه رقبة لا جهالة وأسأل عنه وهو باد [ي] المعارف
ويعذلني في الدار صحبي كأنني على عرصات الدار أول واقف
أنشد المبرد، قال: أنشدتني القريظية (من بني قريظ):
سقى الله نجدًا من ربيع وصيف وماذا ترجى من ربيع سقى نجدا؟
على أنه قد كان للعيش مرة وللبيض والفتيان منزلة حمدا
وقال آخر:
وإن بصحراء الغوير منازلًا لأحبابنا، أكرم بها من منازل
وفيها الذي هام الفؤاد بحبها على أنه لم يحظ منها بطائل
وقال أبو الفتح الحسن بن عبد الله بن عبد الجبارين أبي حصينة السلمي:
سل المنزل الغوري أين خرائده وأين تولى بدره وفراقده
وإن كان ذاك الربع مذ بان أهله ليعتاده الوجد الذي أنا واجده
ومن لوعة من أهله لو شكوتها إليه للانت
وهي صم
جلامده
وقفنا به فاستمطرت كل مقلة عهاد البكا آياته ومعاهده
وأنبت من سحب الدموع ترابه حيًا بشر النجاع بالخصب رائده
وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
أللشوق لما هيجتك المنازل بحيث التقت من بيشتين الغياطل
تذكرت فانهلت لعيني عبرة يجود بها جار من الدمع هامل
ليالي من عيش نعمنا بوجهه زمانًا، وسُعدى لي خليل مواصل
وقال البحتري:
ليت المنازل سرن يوم متالعٍ إذ لم يكن أنس الخليط مقيما
فلربما أروت دموعًا من دم فيها، وأظمت لائمًا وملوما
ولقد منعت الدار إعلان الهوى وطويت عنها سرك المكتوما
وسلي محيل الربع هل أبثثته إلا الوقوف عليه والتسليما؟
سقيت رباك بكل نوء عاجل من وبله حقًا لها معلوما
وقال البحتري أيضًا:
نشدتك الله من برق على إضم ألا سقيت جنوب الخبت فالعلم
وصبت بينهما حتى تسليهما بمستهل من الوسمى منسجم
منازل ما تجيب الصب من خرس ولا تريع إلى شكواه من صمم
[ ١١ ]