كان قتل كعب بن الأشرف في ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرًا من الهجرة. قال ابن إسحاق - ﵀ - إلى أهل السافلة، وعبد الله بن رواحة - ﵀ - إلى أهل العالية بشيرين، بعثهما رسول الله ﷺ إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله تعالى عليه، وقتل من قتل من المشركين، قال كعب بن الأشرف - وكان رجلًا من طيء، ثم أحد بني نبهان، وكانت أمه من بني النضير - حين بلغه الخبر: أحق هذا؟ أترون محمدًا قتل هؤلاء الذين يسمى هذان الرجلان؟ - يعني زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة ﵄ - فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها، فلما تيقن عدو الله الخبر خرج حتى أتى مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن صبيرة السهمي، وعنده عاتكة ابنة أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن [عبد] مناف، فأنزله وأكرمه، فجعل يحرض على رسول الله ﷺ، وينشد الأشعار، ويبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر، فمن ذلك قوله:
طحنت رحى بدر لمهلك أهلها ولمثل بدر تستهل الأدمع
قتلت سراة الناس حول حياضهم لا تبعدوا إن الملوك تصرع
كم قد أصيب به من ابيض ماجد ذي بهجة تأوي إليه الضيع
طلق اليدين إذا الكواكب أخلفت حمال أثقال يسود ويرفع
ويقول أقوام أثير بشحطهم
إن ابن الأشرف ظل كعب يجزع
صدقوا، فليت الأرض ساعة قتلوا ظلت تسوخ بأهلها وتصدع
[ ١٤ ]
صار الذي أثر الحديث بطعمة أو عاش أعمى من عشًا لا يسمع
نبئت أن بني المغيرة كلهم خشعوا لقتل أبي الحكيم وجدعوا
يعني [بأبي الحكيم]: أبا جهل
نبئت أن الحارث بن هشامهم في الناس يبنى الصالحات ويجمع
ليزور يثرب بالجموع، وإنما يحمي عن الحسب الكريم الأروع
ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة، فشبب بأم الفضل بنت الحارث، فقال:
أراحل أنت لم تلمم بمنتبه وتارك أنت أم الفضل بالحرم؟
ترتج ما بين كعبيها ومرفقها إذا تأنت قيامًا ثم لم تقم
أشباه أم حكيم إذ تواصلنا والحبل منها متين غير منجذم
إحدى بني عامر هام الفؤاد بها ولو تشاء شفت كعبًا من السقم
فرع النساء، وفرع القوم والدها أهل المحلة والإيفاء بالذمم
لم أر شمسًا بليل قبلها طلعت حتى تجلت لنا في ظلمة الظلم
[ ١٥ ]
ثم شبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فقال رسول الله ﷺ: "من لي من ابن الأشرف"، فقال محمد بن مسلمة [أخو بني عبد الأشهل]- ﵀ - أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: فافعل إن قدرت على ذلك، فرجع محمد، فمكث ثلاثًا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق به نفسه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فدعاه، فقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ قال: يا رسول الله قلت لك قولًا لا أدري أوفي لك به أم لا، قال: إنما عليك الجهد، قال: يا رسول الله إنه لابد أن نقول قال: "قولوا ما بدا لكم؛ فأنتم في حل من ذلك" فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة سلكان ابن سلامة بن وقش، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر ﵃، ثم قدموا إلى كعب بن الأشرف - قبل أن يأتوه - أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة، وتناشدا الأشعار، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف، إني قد جئتك بحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم عني، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء؛ عادتنا العرب، ورمونا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا، فقال كعب بن الأشرف: أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول، فقال له أبو نائلة: ومعي رجال من أصحابي عل مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم، فنبتاع منك طعامًا، فتحسن في ذلك إلينا، ونرهنك ما يكون لك فيه وفاء، فقال كعب: ما كنت أحب يا أبا نائلة أن أرى هذه الخصاصة بك، وإن كنت لمن أكرم الناس علي، أنت أخي نازعتني الثدي، فاصدقني ذات نفسك، ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتنحي عنه، قال: سررتني يا أبا نائلة، فما ترهنوني؟ أترهنوني أبناءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا، قال: أترهنوني نساءكم؟ قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أشب أهل يثرب وأعطرهم، ولكنا نرهنك من الحلقة ما فيه وفاء - وأراد أبو نائلة ألا ينكر السلاح إذا جاءوا به - قال: إن في الحلقة لوفاء، فخرج أبو نائلة من عنده على ميعاد، فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى لميعاده، ثم أتوا النبي ﷺ عشاء فأخبروه، قال ابن إسحاق: فمشى معهم رسول الله ﷺ إلى البقيع، ثم وجههم وقال: "انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم" ثم رجع رسول الله ﷺ إلى بيته، فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان كعب حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، فقال: إنه أبو نائلة، لو وجدني نائمًا ما أيقظني، قالت: والله إني لأعرف في صوته الشر، فقال: "لو يدعى الفتى لطعنة أجابا"، فنزل فتحدث معهم ساعة، وتحدثوا معه، ثم قالوا له: هل لك يا ابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم، فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة أدخل يده في فودى رأس كعب، ثم شم يده، فقال: ما رأيت كالليلة طيبًا أعطر قط، ثم مشى ساعة، ثم قال: اضربوا عدو الله، فضربوه فاختلفت عليه أسيافهم، فلم تغن شيئًا، قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولًا في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئًا، فأخذته - وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار - فوضعته في ثنته، وتحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو الله فاحتز رأسه، وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ، فجرح في رجله؛ أصابه بعض أسيافنا، قال: فخرجنا حتى أسندنا في حرة العريض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس، ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة حتى أتانا يتبع آثارنا، فحملناه فجئنا به رسول الله ﷺ [آخر الليل]، وقال الواقدي: فلما بلغوا "بقيع الغرقد"، وقد قام رسول الله ﷺ وهو واقف على باب المسجد، فقال: "أفلحت الوجوه" قالوا: "ووجهك يا رسول الله" ورموا برأس كعب بين يديه، فحمد الله على قتله، ثم أتوا بصاحبهم الحارث، فتفل على جرحه، فلم يؤذه، قال محمد بن مسلمة: فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله، فليس فيها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه، قال الواقدي: ففزعت يهود ومن معها من المشركين، فجاءوا إلى النبي صلى
[ ١٦ ]
الله عليه وسلم حين أصبحوا، فقالوا: لقد طرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من ساداتنا، فقتل غيلة بلا جرم، ولا حدث علمناه، فقال النبي ﷺ "إنه لو قر كما قر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتسل، ولكنه نال منا الأذى وهجانا، ولن يفعل أحد منكم مثل فعله إلا كان له السيف" ودعاهم رسول الله ﷺ إلى أن يكتبوا بينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتبوا بينهم وبينه ﷺ كتابًا في دار رملة بنت الحدث، وخافت يهود من يوم قتل كعب بن الأشرف.
"قلت: اقتضت الآية ذكر قتل كعب بن الأشرف فذكرته، وإن لم يكن مما قصدت له". قوله - ﷿ -: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) الآية. يعني تعالى بالمهاجرين: من هاجر عن وطنه من المسلمين إلى رسول الله ﷺ إلى دار الهجرة - وهي المدينة - خوفًا من أذى المشركين، ورغبة في نصرة نبيه ﷺ فهم المقدمون في الإسلام.
(يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا): يعني فضلًا من عطاء الله تعالى في الدنيا، ورضوانًا من ثوابه في الآخرة.
وروى علي بن رباح اللخمي، أن عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض، فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه، فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله تعالى جعل له خازنًا وقاسمًا، فإني باد بأزواج رسول الله ﷺ فمعطيهن، ثم بالمهاجرين الأولين أصحابي، أخرجنا من ديارنا وأموالنا. قال قتادة: لأنهم اختاروا الله ورسوله ﷺ على ما كانت من شدة حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب على بطنه الحجر ليقيم صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء دثارًا ماله دثار غيرها. رضوان الله عليهم أجمعين.
وقوله - ﷿ -: (قال نوح: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك، ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا) في قوله (ديارا) وجهان: أحدهما: يعني أحدًا، والآخر: من يسكن الديار.
قيل: إن رجلًا من قوم نوح ﵇ مر به، وعلى كتفه ولد له صغير فقال لابنه: احذر هذا فإنه يضلك - يعني نوحًا ﵇ - فقال الصبي لأبيه: أنزلني، فأنزله عن كتفه، فرمى نوحًا ﵇ فشجه، فحينئذ غضب نوح ﵇، ودعا عليهم.
وقيل: لما أنزل الله - ﷿ - عليه: (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) دعا عليهم.
عن أبي بريدة عن أبيه - ﵀ - قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا دخلوا المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية.
قال الخنوت، وهو توبة بن مضرس:
رحلت حرام عن البلاد فلن ترى أخرى المنون بها وجوه حرام
ولقد نرى بالجزع منهم مجلسًا ضخمًا، ومبرك جامل قمقام
أضحت ديار بني أبيك كأنها بالبرقتين تخط بالأقلام
فاترك بكاءك في الديار فقد قضت عيناك نحبهما من التسجام
وفي بني حرام يقول رؤبة بن العجاج:
أقفرت الوعساء من حرام وقد يكونون ذوي أحلام
بها، وأحيانًا ذوي عرام فإن تكن سوايق الأيام
ساقتهم للبلد الشآمي فبالسلام ثم بالسلام
وقال التهامي:
ماتت لفقد الظاعنين ديارهم فكأنهم كانوا لها أرواحًا
ولقد عهدت بها فهل أرينه
مغدى لمنتجع العلى ومراحا
وقال آخر:
أين أهل الديار من قوم نوح ثم عاد من بعدهم وثمود
بينما هم على النمارق والديبا ج أفضت إلى التراب الخدود
وقال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي:
لمن الديار بأبرق الحنان فالبرق فالهضبات من أدمان
أفوت منازلهم وغير رسمها بعد الأنيس تعاقب الأزمان
فإذا غشيت لها ببرقة واسط ولواء بينة منزلًا أبكاني
وقال أبو نواس - الحسن بن هانئ -:
لقد طال في رسم الديار بكائي وقد طال تردادي بها وعنائي
كأني مريغ في الديار طريدة أراها أمامي تارة وورائي
[ ١٧ ]
فلما بدا لي اليأس عديت ناقتي عن الدار، واستولى على عزائي
وقال آخر:
ليت الديار التي تبقى فتحزننا كانت تبيد إذا ما أهلها بانوا
بانوا فأفئدة فيهم معذبة لو خلفوها لدناهم كما دانوا
ينأون عنا، وما تنأى مودتهم فالقلب رهن لديهم أينما كانوا
وقال آخر:
ولقد مررت على ديارهم وطلولها بيد البلى نهب
فوقفت حتى عج من لغب نضوى، ولج بعذلي الركب
وتلفتت عيني، فمذ خفيت عني الطلول تلفت القلب
وقال سيدوك الواسطي (وتنسب إلى الرستمي):
مررنا بأكناف العقيق فأعشبت أباطح من أجفاننا ومسايل
فمن واقف في جفنه الدمع واقف ومن سائل في خده الدمع سائل
وكادت تناجينا الديار صبابة وتبكي
كما نبكي عليها
المنازل
وقال أبو نواس:
لمن الديار تسربلت ببلاها أنستك رؤيتها، وما تنساها
لا تكذبن فما أراك بمنته عنها، وإن خبرت أن ستناهي
وقال أبو العلاء [أحمد بن عبد الله] بن سليمان المعري:
علام هجرت شرق الأرض حتى أتيت الغرب تختبر العبادا
فإن تجد الديار كما أراد ال غريب، فما الصديق كما أرادا
إذا الشعرى اليمانية استقلت فجدد للشآمية الودادا
فللشام الوفاء، وإن سواه توافي منطقًا غدر اعتقادا
ظعنت لتستفيد أخًا وفيًا وضيعت القديم المستفادا
وقال ابن الزقاق - من شعراء الأندلس -:
حننت إلى الديار، ولي حنين إلى الأحباب، ليس إلى الربوع
ولو أني أحن إلى مغاني أحبائي حننت إلى ضلوعي
روى أن المجنون قيس بن الملوح لما اختل عقله كان يخرج، فيأتي الشام، فيقول: أين أرض بني عامر؟ فيقال له: أين أنت من أرض بني عامر؟ عليك بنجم كذا فسر عليه، فينصرف، ويسير حتى يأتي أرض بني عامر، فيقف عند جبل لهم يقال له: "التوباذ" وينشد:
وأجهشت للتوباذ لما عرفته وكبر للرحمن حين رآني
فأذريت دمع العين لما رأيته ونادى بأعلى صوته فدعاني
فقلت له: أين الذين عهدتهم حواليك في أمن وخفض مكان؟!
فقال: مضوا، واستودعوني ديارهم ومن ذا الذي يبقى على الحدثان؟
وقال القاضي المهذب أبو محمد الحسن بن علي بن الزبير أحد شعراء مصر:
لكم خيال في الجفون ممثل أبدًا، وذكر بالفؤاد موكل
وإلى دياركم نحن صبابة ونفض أوعية الدموع ونرسل
تلك المنازل ما تمر سحابة فهمي بها إلا وعين تهمل
ما ضرها إذ ينزلون ربوعها ألا يرى "فيها لعلوة منزل"
وقال السننبسي:
وإني كلما زاد التياحي إليك وأضرم القلب الخفوق
أمر على دياركم وإني بمن أمسى بها صب مشوق
وأومي بالتحية من بعيد كما يومي بإصبعه الغريق
وقال أبو تغلب، الحارث بن غنم العدواني:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بحوزة أو بالجزع أو بقران؟!
وهل أرين تلك الديار التي بها نداماي قدمًا حيث كنت أراني؟!
وقال عدي بن الرقاع العاملي:
ليت شعري: هل تخبرني الديار بيقين عن أهلها أين ساروا؟
أسفًا هيجت فمالك منها ال يوم إلا تفجع وإدكار
دار حي تقادم العهد منها بعد حضارها، فبارت وباروا
صادفوا من غوائل الدهر غولًا بعد ما أنجدوا سنينًا وغاروا
فكأني من ذكرهم خالطتني من فلسطين بنت كرم عقار
وقال عبد الله بن قيس الرقيات:
هل للديار بأهلها علم؟! أم هل يبين فينطق الرسم؟!
يا صاح هل أبكاك موقفنا أم هل علينا في البكا إثم؟!
أم ما بكاؤك منزلًا خلقا قفرًا يلوح كأنه الوشم؟
وقال النابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله بن عمرو بن عدس بن ربيعة بن جعدة:
ألا يا ديار الحي بين محجر إلى جانب القمري كأنه لم تغير
وقفت بها لا أنت قاض لبانة ولا اليأس يشفي حاجة المتذكر
ألا أيها الباكي على ما يعوله تجمل على ما يحدث الدهر واصبر
[ ١٨ ]
فإن أنت لم تصبر لما كان جائيًا فإن كان تنكير لديك فأنكر
وقال عكرمة بن ربيعة العبدري:
فإن تك عبد الدار خلت مكانها وبقيت فردًا في ديارهم وحدي
فيا رب يوم لو هتفت أجابني مصاليت أبطال سراع إلى المجد
وقال لبيد بن ربيعة العامري:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع وتبقى الديار بعدنا والمصانع
وقد كنت في أكناف جار مضنة ففارقني جار بأربد نافع
فلا جزع إن فرق الدهر بيننا وكل فتى يومًا به الدهر فاجع
ولا أنا يأتيني طريف بفرحة ولا أنا مما أحدث الدهر جازع
وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلوها وغدوا بلا قع
وما المرء إلا كالشهاب، وضوءه يحور رمادًا بعد إذ هو ساطع
وما البر إلا مضمرات من التقى وما المال والأهلون إلا ودائع
يقول الفتى: إني سأفعل ذاكم وما للفتى علم بما الله صانع
وقال زهير بن أبي سلمى:
لمن الديار بقنة الحجر أقفرن من حجج ومن دهر
لعب الرياح بها وغيرها بعدي سوافي المور والقطر
وقال عدي بن الرقاع العاملي:
منع النوم طارقات الهموم بأسى وإدكار خطب قديم
من لدن أن أجنني الليل حتى فضح الصبح واضحات النجوم
من ديار غشيتها ذكرةً ما بين صارات ضاحكٍ فالهزيم
[الهزيم]: موضع
نسجت ظهرها الرياحات حتى يرى القاع من جميع الرسوم
واختلاف الأيام حتى محاها سالف الدهر بعد سكن مقيم
جمعتنا بها نوى الحي حولًا نتلهى بسرنا المكتوم
ولقد حال دون ذلك هم مثله فليرع فؤاد الحليم
إن قومي تتابعوا بعد ما كا نوا، هم القوم، فابك غير ملوم
ولقد كان يخفض الجار فيهم غير مستشرف ولا مظلوم
وقال البحتري:
متى تستزد فضلًا من العمر تغترف بسجليك من أرى الخطوب وصابها
يسر بعمران الديار مضلل وعمرانها تدنو بها من خرابها
ولم أرتض الدنيا أوان مجيئها فكيف ارتضائيها أوان ذهابها
وقال أيضًا:
شرخ الشباب أخو الصبي وأليفه والشيب تزجية الهوى وخفوفه
وأراك تعجب من صبابة مغرم أسيان طال على الديار وقوفه
صرف المسامع عن ملامة لائم لا لومه أجدى ولا تعنيفه
فسقى اللوى، لا بل سقى عهد اللوى أيام نرتبع اللوى ونصيفه
وقال أيضًا:
بني تغلب أعزز علي بأن أرى دياركم أمست وليس بها أهل
خلت بلد من ساكنيها وأوحشت مرابع من سنجار يهمي بها الوبل
وأزعج أهل المحلبيات ناجز من الحرب ما فيه خداع ولا هزل
وأقوت من القمقام أعراص مارد فما ضمنت تلك الأعقة والرمل
أفي كل يوم فرقة من جميعكم تبيد، ودار من مجامعكم تخلو؟!
وقال مهيار:
يا ديار الحي من خبت اللوى عدت ظنًا بعد ما كنت حقيقه
أخذ الدهر قشيبًا رائقًا من مغانيك، وأعطاك سحوقه
خلت لما لم أطق حمل النوى
أن تلك الدمن الصم مطيقه
لم أكن أعلم حتى نحلت
كنحولي
أنها مثلي مشوقه
أين جيراني بها؟ لهفي لهم لهفة سكرتها غير مفيقه
وقال الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبرايهم بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵃ -:
أي دمع جرى ونحن بنجرا ن لنا، والديار ثم رسوم
دمن لو رنت إليهن عينا ك، قبيل الفراق قلت: نجوم
ومغان من النحول كأروا (م) ح، ولكن ليست لهن جسوم
ما سررنا إلا بهن وفيه (م)
ن
قفارًا
سيقت إلينا الهموم
وقال أيضًا:
قد مررنا على الديار تبدأ (م) ن دثورًا، بجدة، وخمولا
نكرتها العيون منا فما تع رف إلا رسومها والطلولا
[ ١٩ ]
قال أبو عبد الله الطبري: قال رجل لأبي محمد الحريري - ﵀ -: كنت على بساط الأنس، وفتح لي طريق إلى الانبساط، فزللت زلة، فحجبت عن مقامي، فكيف السبيل إليه؟ دلني إلى الوصول إلى ما كنت عليه. فبكى أبو محمد، وقال: يا أخي. الكل في قهر هذه الخطة، وفي أسر هذه الرزية، ثم شهق، وسكت ساعة، ثم أنشد:
قف بالديار فهذه آثارهم نبك الأحبة حسرة وتشوقا
كم قد وقفت بها أسائل مخبرًا عن أهلها أو صادرًا أو مشفقا
فأجابني داعي الهوى في رسمها فارقت من تهوى فعز الملتقى
قيل: لما تغير المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات، كان يتمثل قبل الإيقاع به بقول أبي العتاهية:
سل ديار الحي من غيرها وعفاها ومحا منظرها
وهي الدنيا إذا ما أدبرت جعلت معروفها منكرها
إنما الدنيا كظل زائل أحمد الله، كذا قدرها
وقال أبو كبير - واسمه عتبة بن قادم أحد بني حرام -:
يا صاح قف بديار الحي مقفرة من الأحبة واحبس أينقًا قودًا
سقى الإله وإن بانوا، وقل لهم
مبنى الخيام، وتلك الأجبل السودا
منازلًا كنت أهوى أن أكون بها كما مضى، ليت كان العيش مردودا
وقال محمد بن عبد الأزدي، ثم السلاماني:
أرسم ديار بالستارين تعرف عفتها شمال ذات نيرين حرجف
فلم تدع الأرواح والماء والبلى من الدار إلا ما يشوق ويشعف
وقفت بها والدمع يذري حبابه على الصدر حتى كادت الشمس تكسف
[تكسف]: يريد تغرب
رسومًا كآيات الكتاب مبينة بها للحزين الصب مبكى وموقف
كأنك لم تعهد بها الحي جيرة جميع الهوى، من حيرة ما تصرف
إذ الناس ناس، والبلاد بغرة وأنت بها صب القرينة مؤلف
وقال آخر:
كفى حزنًا أني مقيم ببلدة أخلاي عنها نازح وبعيد
أقلب طرفي في الديار فلا أرى وجوه أحبائي الذين أريد
وقال ثوب الغطفاني:
أبت ألا تكلمك الديار وغير رسمها بعدي القطار
فلو نطقت شفت مني سقامًا ولكن السكات لها شعار
فهل شعب يداني بعد شعب وهل لليان عيشتنا انكرار
عسى هذا العسار من الليالي يكون وراءهن لنا يسار
فكل نعيم عيش يا ابن ثوب له
لا بد
جمع وانتشار
وقال البحتري:
يا ربوع الديار إني على ما قد أراه منكن غير جليد
أخلق الدهر عهدكن وللده ر صروف يبلين كل جديد
فرقت شملنا النوى بعد ما كن (م) اجميعًا في ظل عيش حميد
وقال الشريف المرتضى - ﵁ -:
إلى كم ذا التصامم والتعاشي وكم هذا التواكل والتواني
ولو أنا فهمنا عن خراب الد (م) يار مقالها لم يبن بان
ويجني العيش كل أذى ويهوى فيا للعيش يعشق وهو جان
وقال أيضًا:
من على هذه الديار أقاما لو ضفا ملبس عليه فداما
عج بنا نندب الذين تولوا باقتياد المنون عامًا فعاما
سكنوا كل ذروة من أشم يحسر الطرف ثم حلوا الرغاما
يا لحى الله مهملًا حسب الده ر نئوم الجفون عنه فناما
علقًا في يد المنى كلما نا ل هوى يبتغيه رام مراما